شريط الأخبار

غزة المقاومة.. الأهداف والوحدة..علي عقلة عرسان

09:10 - 23 تموز / نوفمبر 2012

 

كان شيئاً إيجابياً أن يزور غزةَ، في أثناء العدوان الصهيوني الأخير عليها، وفود رسمية مصرية وتونسية وليبية ووفد من جامعة الدول العربية، ولو من باب المناصرة الشكلية.. صحيح أن غزة كانت وما زالت بحاجة إلى السلاح والرجال وإلى مواقف حاسمة وسياسات مغايرة كلياً لما هو قائم الآن في معظم الدول العربية، وأنها بأمس الحاجة إلى تطوير موقف عربي جديد ينسف الخيار البائس خيار الاستسلام المسمى سلاماً يبنى على مبادرة عربية هي الإلاس والتفريط بعينهما، وبحاجة إلى كل ما يمكن أن يردع العدو ويساهم في تحقيق الأهداف المشروعة لشعب طالت معاناته ومقاومة ترفع راية قضية عادلة هي قضية الشعب الفلسطيني المظلوم الذي يتعرض فوق تشريده إلى الحصار والإبادة المنظمة ولمن يقف معه بوجه الاحتلال وأشكال العدوان الصهيوني العنصري الغاشم. ونحن نستحسن مثل هذه التحركات التضامنية البسيطة لأننا لم في العدوان السابق على غزة عام 2008 – 2009 وهو العدوان الذي الذي استمر أطول وكلف أكثر وجاء الأوربيون في أثنائه ليعززوا موقف المعتدي الصهيوني وليصفوا المعتدى عليه بالإرهاب؟!. إن هذا يشير إلى حركة جديدة في الوطن العربي لم تكن في السابق، وهي حركة تراعي ما يعتمل في الوجدان الشعبي العام وقد لا تعبر بالضرورة عن موقف رسمي ثابت تغير بهذا الاتجاه بكل ما يعنيه التغيير ويفرضه ويستدعي القيام به. وهذه الحركة إن تطورت نحو موقف جوهري جذري وإيجابي من المقاومة بوصفها خياراً يجتث الخيار الوحيد الذي نادت به الأنظمة العربية منذ مؤتمر بيروت 2002 على الأقل وبديلاً للمبادرة البائسة التي تضمنت تنازلاً بائساً عن 78% من فلسطين للمحتل الصهيوني وتفريطاً أشد بؤساً من ذلك في حقوق فلسطينية وعربية كثيرة.. ولكن يبدو أن الأمور التي تحسب دائماً بخواتيمها لا تسير في هذا الاتجاه.. فالدعوة التي أطلقت على استحياء لإعادة النظر بالمبادرة العربية وبالموقف العربي كله من الصراع العربي الصهيوني لم تكن جادة، شأنها في ذلك شأن تلويح سابق بهذا الأمر مرت عليه سنوات واستقر ميتاً لأنه إنما ولد ميتاً.. ولم تكن إلا لامتصاص بعض غضب الشعب.. واتفاق الهدنة بين غزة والكيان الصهيوني الذي رعته و ضمنته مصر لم ينجح إلا بوصفه تعهداً منها أمام الأميركي الذي تدخل وأعلن على لسان ممثلته هيلاري كلنتون "أن دعمه للصهيوني ثابت كالصخر" وتعهد بتعزيز القبة الحديدية والتسليح وأشياء أخرى مخفية؟!، وهذا يعني أن على مصر بالدرجة الأولى أن تعمل مع الطرفين على تطبيق بنوده ومنها [[1/أ ـ تقوم إسرائيل بوقف كل الأعمال العدائية في قطاع غزة براً وبحراً وجواً، بما في ذلك الاجتياح وعمليات استهداف الأشخاص.
ب ـ تقوم الفصائل الفسلطينية بوقف كل الأعمال العدائية من قطاع غزة تجاه إسرائيل، بما في ذلك إطلاق الصواريخ والهجمات عبر الحدود.]].
  وهو أمر تستطيع مصر أن تلزم به الفصائيل لأنها تملك بوابة غزة وتشكل الرئة التي يتنفس منها الشعب هناك، ولكنها لا تستطيع أن تفرض شيئاً على الكيان الصهيوني الذي اعتاد على اتباع سياسة الاستهتار بكل ما " يطلب إليه العرب الالتزام به"، وهو يأخذ بنهج القوة والعدوان كنهج استراتيجي ثابت وتأتي المراوغات السياسة لتلتمس الأسباب والذرائع ولتسوغ كل ما تفعله وما يمكن أن تقوم به سياسياً وعسكرياً واقتصادياً.

إن غزة التي انتصر فيها اليوم الدم على السيف تصدت للعدوان الهمجي الصهيوني انطلاقاً من عقيدة ثابتة وإرادة قوية فصمدت وصبرت وضحت.. استنادت إلى إرادة شعبية بلورتها رؤية ثورية واضحة أنضجتها التجارب، بهدف الوصول بالشعب الفلسطيني إلى الدفاع عن نفسه في الحدود الدنيا لممارسة هذا الحق، وللتعبير عن التعلق بالأرض وحق العودة وتقرير المصير بحرية تامة فوق التراب الفلسطيني المحرر، ونيل الحرية بعد كل هذه العقود من المعاناة والتضحيات والشكوى التي لا يكترث بها أحد، واستندت غزة إلى خيار المقاومة بوصفه سبيلاً للردع ومدخلاً  للتحرير، ولم تسلك طريق التنازلات والمواقف الضبابية والمناورات الهزلية التي تتصل بحقوق أساسية للشعب الفلسطيني على رأسها حق العودة. وقد فرض هذا الخيارذاته و شروطه ومناخه وأدواته على المقاومين والحاضنة الشعبية الغزاوية بالدرجة الأولى، فكان تصميم المقاتلين على امتلاك السلاح وتطويره وتعزيز القدرات والعقيدة القتالية وإيجاد الحاضنة الشعبية الفلسطينية للمقاومة، والسعي المستمر لتوسيع نطاق هذه الحاضنة وتحصينها بحاضنة عربية وإسلامية تلتقي معها استراتيجياً في الخيار والأهداف والوسائل وفي ضرورة امتلاك القوة لمواجهة العدوان بقوة ردع توقفه عند حدود وتحوله من حالة مد إلى حالة جزر لتتحول هي من مواقع الدفاع إلى مواقع الهجوم، لأن استرداد الأرض والحق وتحقيق حلم العودة وإنهاء مأساة الشعب الفلسطيني لا يتم إلا بدحر العنصرية والإرهاب والاحتلال.. ولم يضع المقاومون في غزة وقتاً بل استثمروا في الوقت والجهد والمعرفة والعلم والتقنية في حدود ما يستطيعون عبر حصار خانق وعدوان متجدد، فامتلكوا أنواعاً من الصوايخ وقدرات على تصنيع بعضها وتطويره، وتدربوا على العمل العسكري المناسب الذي لا بد من امتلاك خبرة في مجالاته لمواجهة قاعدة عسكرية عنصرية متقدمة هي الكيان الصهيوني برمته.. ولم يكن ذلك سهلاً، ولم يكن ممكناً لولا قوى عربية وأسلامية استجابت لهذه الرغبة باقتناع تام بالخيارات والوسائل، ولقد أشار غزاويون على رأسهم إسماعيل هنية إلى مساعدات مهمة في هذا المجال قدمت من أطراف عربية ودول ذكر وشكر منها إيران في خطاب الاحتفال بنصر غزة وتوقيع اتفاق الهدنة. ولم يكن ذلك ليتم لولا تنسيق المقاومة العاملة على الأرض " لا سيما حماس والجهاد والشعبية وغيرها من الفصائل" مع الحاضنات العربية والإسلامية التي هددتها الولايات المتحدة الأميركية ودول غربية أخرى بسبب دعمها للمقاومة، ومنها سورية وإيران والسودان ولبنان وقوى في مصر وتونس والعراق كانت تتضامن مع المقاومة وتدعمها بأشكال عدة قبل أن يصل بعضها إلى السلطة اليوم.. كما لم يكن ذلك مما يمكن أن يبقى ويصمد ويستمر في الظروف الفلسطينية والعربية التي نعرفها جميعاً لولا الإيمان والتصميم واستناد الرؤية والخيار المبدئية إلى تجربة مرة ومديدة أوصلت المعنيين بالأمر، قيادات وقواعد، وأوصلت شرائح من الشعب الفلسطيني قبل كل شيء وبعد كل شيء، إلى الثبات على هذه الخيارات والقرارات التي تكلف كثيراً ولكنها تشكل التربة التي تنمو فيها الرجولة والشجاعة واالكرامة والعقيدة القتالية وكل ما يؤسس للدفاع عن النفس ورد العدوان والسير في طريق التحرير واستعادة فلسطين، كل فلسطين، من البحر إلى النهر، ومن رأس الناقورة إلى رفح.. لتعود كما كانت تاريخياً وطناً للشعب الفلسطيني العملاق في تضحياته الكبيرة وتطلعاته المشروعة ونضاله الطويل. 

إن هذا يستدعي ممن يختارون المقاومة منهجاً وطريقاً أن يؤسسوا للمرحلة القادمة التي تتطلب استقطاب الشعب الفلسطيني حول هذا الخيار، ولا أظن أن هذا من السهولة بمكان مع وجود توجه فلسطيني قوي حتى داخل بعض أوساط المقاومة يأخذ بدولة فلسطينية في حدود الأرض المحتلة بعد الرابع من حزيران/ يونيو 1967 وهو توجه يلتقي مع المبادرة العربية التي أعلنت في بيروت 2002 ويزيد عليها في ملحقات تتصل ببعض بقع الاستيطان الجديدة، وهذا يصب في موضوع الاعتراف بالكيان الصهيوني وتطبيع العلاقات معها في نهاية المطاف.. وهو ما تسعى إليه السلطة وستعرضه على الأمم المتحدة في 29 تشرين ثاني الحالي في صورة دولة تتمتع بوضع عضو مراقب.. وهي خطوة نعم ولكن على طريق ترسيخ حل الدولتين الذي يعطي للكيان الصهيوني 78% من فلسطين على الأقل.

إن هذا الخيار يتعارض مع خيار فصائل مقاومة وشرائح من الشعب الفلسطيني، ومن ثم فإن علينا أن نقرأ تطلعنا جميعاً إلى وحدة الشعب الفلسطيني في ضوء الأهداف البعيدة والخيارات المبدئية المؤدية إلى تلك الخيارات ومنها خيار المقاومة.

إن من يختار المفاوضات وحل الدولتين وفق المنظور المتاح، وهو منظور " إسرائيلي – أميركي " وعربي وفق المبادرة البائسة، ولا يصل حتى إلى ذلك الخيار البائس.. لا يمكنه أن يقبل بالمقاومة ضد الاحتلال الصهيوني سبيلاً، لأن أهم ما يطلب منه ليتحقق له السير في هذه الطريق وهو ما أعلنه ويعلنه التزاماً بذلك، أن ينبذ المقاومة التي وصفها مسؤولون فلسطينيون في أكثر من مناسبة بأنها " إرهاب"، ووصفوا صواريخها بأنها لعب أطفال.. وأن يقبل إرهاب الدولة الصهيونية العنصرية بوصفه دفاعاً عن النفس وملاحقة مشروعة لقوى وتنظيمات فلسطينية تتهم بأنها منظمات إرهابية.. وأن ينسق معها أمنياً؟! وهذا أكثر من عجيب وغريب ومريب. ومن هذا المفصل أو من هذا المدخل ينبغي مقاربة موضوع وحدة فصائل وتنظيمات الشعب الفلسطيني "الواحد الموحد في الآمال والتطلعات والمعاناة"، وطرح الأسئلة حول مآل القرارات والاتفاقيات والتفاهمات التي تمت بين الفصائل بوساطة عربية من مكة إلى القاهرة إلى.. إلى.. لتوحيد الصف والسلطة.. فعلى أية أسس وتحقيقاً لأية أهداف واستراتيجيات وبأية وسائل وأدوات يتم ذلك في العمق السياسي – الاستراتيجي.؟ إن بناء الثقة بين الأطراف المعنية مهم ويمكن أن يتم ولكن أساس كل شيء هو الأهداف والسياسات والاستراتيجيات والخيارات.. وهذا ما جعلنا نسمع أمس من غزة رفضاً للتقدم بطلب للأمم المتحدة لنيل عضوية دولة بصفة مراقب، لأن ذلك يكرس توجهاً على توجه، والمطالبة بربع فلسطين بدلاً من على كل فلسطين، ومصادرة المستقبل وما يحمل للوصول إلى حاضر بادي البؤس في نهاية المطاف.   

في شهر تموز من عام 2007 قال العنصري إيهود باراك إنه " ليس من الممكن القضاء على حماس، ولكن من المهم منع إعادة اللحمة بين المعسكرين الفلسطينيين.".. إن هذا حقيقة عملت وتعمل عليها علناً الصهيونية والغرب وإدارات أميركية سابقة، ولكن لا أظن أنها مجرد سياسات صهيو – أميركية يمكن وضعها في خانة جهد العدو، بل هي في بعض جذورها توجهات لفلسطينيين قلة نشروا مثل هذه الآراء والرؤى حتى قبل اتفاق أوسلو السيء الذكر وما زال هناك من يأخذ بها اعتماداً لما يسمى واقعية، وما هو سوى انهزام للإرادة وتسويغ للاستسلام. إن وحدة الشعب الفلسطيني مطلب رئيس للفلسطينيين والعرب، وهو مطلب محفوف بالكثير من الأسئلة والعقبات التي تتصل بجوهر قضية فلسطين وبالسياسات والخيارات المؤدية إلى السير في نهج مناسب لتحقيق أهداف الشعب الفلسطيني كاملة، وليس لبعض تلك الأهداف المتصلة ببعض الأرض وبعض القدس وبعض الحقوق.. فنحن في فلسطين شعب ولسنا بعض شعب، ونستحق ما تستحقه الشعوب، وقد قدمنا الأدلة والتضحيات وكل ما يؤهلنا للوجود المستقل الحر الكريم في دولتنا ذات السيادة التامة التي لا نفرق فيها بين شخص وشخص على أساس عنصري أو ديني أو عرقي أو طائفي من أي نوع، كما يفعل العنصريون الصهاينة اليوم بشعبنا وفوق أرضنا.؟!

إن غزة تستحق أفضل مما حققت، وما حققته كبير، وتستحق أن يقف معها كل شريف في فلسطين والوطن العربي والعالم الإسلامي وبلدان عدم الانحياز وكل من لديهم قيم ورؤى أخلاقية وإنسانية في أنحاء العالم كله.. وبهذه المناسبة أتوجه بالتحية لكل صغير وكبير في غزة، وللشهداء بطلب الرحمة وعظيم الاحترام، وللجرحى بالتمني الصادق بالشفاء العاجل.. وإنها لثورة إحرار تجود بالدم، وتسلك درب الجهاد طالبة النصر أو الشهادة.. وعلى هذه الطريق ومن أجل هذه الأهداف يستحق المرء أن يسمى حراً ومحرراً ومجاهداً.

والله من وراء القصد.

دمشق في 23/11/2012


 

 

انشر عبر