شريط الأخبار

كل خروج صعب- يديعوت

12:34 - 19 تموز / نوفمبر 2012

بقلم: ناحوم برنياع

أحب المزايا إلي من بين مزايا القبة الحديدية كلها قدرتها على التمييز بين صاروخ خبيث وصاروخ ليس كذلك، وبين عدو خطير وعدو لا شأن له وبين الغث والسمين. لو طُلب الى الامريكيين ان يطوروا منظومة كهذه لبنوها بحيث تطلق الصواريخ على كل شيء يطير مهما كلف ذلك. فهم يتجهون هناك الى الكمية وعندنا الى النوعية. وعندهم الى التدمير وعندنا الى التفريق. فهي باختصار فخر اسرائيلي.

في احدى الليالي الطويلة في بئر السبع، بين انذار وانذار، فكرت في نفسي قائلا كم هو مؤسف ان نتنياهو ليس القبة الحديدية. فقد تعلم اشياء مهمة كثيرة في سنواته الطويلة في السياسة لكنه لم يتعلم التفريق بين الغث والسمين وبين العدو الخطير والعدو الذي لا شأن له.

كانت عملية "عمود السحاب" ترمي الى ان تكون نسخة من "الرصاص المصبوب" قبل اربع سنوات، مع شيء من التحسينات في الهامش. ورأى الجيش الاسرائيلي بتوجيه من وزير الدفاع اهود باراك ان العملية جولة من جولات كثيرة وكانت بين اسرائيل وحماس قواعد لعب. وسُحقت القواعد بالتدريج في غير مصلحتنا بنشاط الفلسطينيين في مواجهة الجيش الاسرائيلي والرخص التي أباحتها حماس لنفسها ولمنظمات اخرى لتطلق الصواريخ على بلدات اسرائيلية. سيوقع الجيش الاسرائيلي بالمنظمات سلسلة من الضربات الجوية وتتدخل مصر. ويُحرز وقف اطلاق نار يقوم على قواعد اللعب السابقة ثم يحدث انسحاق مرة اخرى وتوجد جولة اخرى ثم انسحاق ثم جولة وهكذا دواليك.

أدرك الجميع ان اجراءين فقط يستطيعان كسر الحلقة المفرغة إما احتلال غزة وسيطرة جنود الجيش الاسرائيلي عليها وإما تسليم اسرائيل لحماس. ونتنياهو غير مستعد للموافقة على واحد منهما.

كانت الدروس التي تم تعلمها من عملية "الرصاص المصبوب" تكتيكية: فقد تحسنت المعلومات الاستخبارية وأمكن الهجوم في يوم بدء العملية على أهداف أكثر نوعية؛ وتطور استعمال وسائل الطيران على اختلاف أنواعها؛ وتضاءلت اصابة المدنيين في غزة جدا وشعر الاسرائيليون في الجنوب وفي المركز بأنهم أكثر حماية بفضل القبة الحديدية.

لكن ذلك لم يغير شيئا في الجوهر. فبعد خمسة ايام من الصدام المسلح تواجه الحكومة نفس المعضلة التي عذبت الحكومة السابقة، فحماس لم تستسلم، ونظامها لم ينهَر؛ وهنية لم يخرج من الوكر مرفوع اليدين، بالعكس – ما تزال حماس تطلق القذائف الصاروخية وهي وإن لم تنجح في قتل اسرائيليين فانها تشوش بيقين على حياتهم اليومية من بئر السبع الى تل ابيب.

بل ان الظروف ساءت قياسا بعملية "الرصاص المصبوب" لأن اسرائيل كانت تستطيع آنذاك ان تُجند مصر لفرض هدنة على حماس، أما اليوم فان قلب حكومة مصر مع حماس. فهي معنية بهدنة لكن كتلك التي تعرض حماس على أنها منتصرة. وآنذاك تمنى جزء كبير من العالم العربي سقوط حماس واليوم تقف تلك الحكومات نفسها الى جانبها.

ما الصحيح فعله؟ في خلال نهاية الاسبوع أدرك نتنياهو وجود مشكلة. فموافقة اسرائيل على انهاء العملية بلا حسم، مع شعور بالتعادل، سيستقبلها الجمهور استقبالا سيئا. هذا ما حدث في نهاية عملية "الرصاص المصبوب" إذ خابت آمال الناخبين ونقلت الانتخابات التي تمت بعد ذلك بثلاثة اسابيع نائبين من كديما الى اليمين وكان نتنياهو آنذاك في الجانب المستفيد أما الآن فهو في الجانب ذي المسؤولية.

اختار طريقة اخرى وهي ان يهدد مصر وحماس بعملية برية. ان باراك الذي حث حينما كان وزير دفاع في "الرصاص المصبوب" على الخروج في هذه المرحلة بالضبط لم يرَ مفرا سوى الانضمام الى التهديدات. ويرمي تجنيد جنود الاحتياط الى تصديق هذه التهديدات.

حينما نهدد لا يكفي تجنيد القوات بل يجب الاقناع بأن للعملية البرية هدفا يُسوغ الكلفة وهي سقوط الجنود وقتل المدنيين في الجانب الثاني وفقدان التأييد في العالم. وقد أوضح باراك في التوجيهات التي أصدرها الى الجيش الاسرائيلي انه لا يؤمن بأن العملية البرية ستغير الوضع، وهو يلتزم بالأهداف التي حددها في الحد الأدنى ومنذ ذلك الحين مرت خمسة ايام.

وهكذا تجد اسرائيل نفسها مرة اخرى كما كانت في 2006 وفي 2008 توشك ان تتورط. فبدل الاكتفاء بأن أُحرزت الأهداف تُعذب قيادة الحكومة العليا نفسها بسؤال كيف نخرج من هذا الامر مع شعور بالنصر. وماذا سيقولون في غزة وماذا سيقولون في العالم العربي، والشيء الأساسي هو ماذا سيقول الناخبون بعد شهرين. والثقة بنا ماذا ستكون حالها. انه يتبين لها مرة اخرى ما تبين لسابقاتها وهو ان كل بداية سهلة لكن كل خروج صعب.

انشر عبر