شريط الأخبار

مفاهيم بائدة لثقافة جامدة.. علي عقلة عرسان

04:41 - 26 حزيران / أكتوبر 2012

قد يختلف المجتهدون في تحديد مفاهيم ومصطلحات تحديداً علمياً منهجياً دقيقاً، وقد تطرأ على مفردات ومصطلحات ومفاهيم متغيرات وإزاحات في المعنى والمدلول، وهذا يستدعي من المتابعين العودة إلى مرجعيات مستقرة موثوق بها تساعد على التبيين والتحديد ومواكبة المتغيرات والتحديث المطلوب مع التواصل بالأصول ولو معرفياً.. وتبقى هناك مفاهيم ومصطلحات عصية على التطوير والتحديث بحكم مرجعياتها الحاكمة الجامدة، التي تتجذر في ثقافة جامدة تحكم الواقع وتتجلى في الممارسة. وفي هذا المجال فإن من أوثق المرجعيات وأدقها وأكثرها جموداً وتشدداً وثباتاً في الدلالة وحاكمية عملية لمفاهيم ومصطلحات وصفات مثل: "العنصرية، الفجور، الافتراء، الإرهاب، العدوان، النفاق.." هي مرجعيات الحركة الصهيونية وإرثها التلمودي الطويل وتجلياتها العصرية في منظماتها المنتشرة في العالم ودولة "إسرائيل" في تكوينها وقيمها وقوانينها وممارساتها، منذ زرعها بالإرهاب والعدوان والتآمر، دولةً دخيلة وقلعة للعدوان ودارة إرهاب مغلقة على التغيير والتطوير، وهي دولة محمية بقوة الإرهاب الإرهاب الأعظم الولايات المتحدة الأميركية التي قامت على التمييز العنصري واضطهاد السود وممارسة إرهاب الدولة المنظم.

لقد زرع ذلك الكيان العسكري سرطاناً في فلسطين، قلب الوطن العربي والموقع المفصلي الاستراتيجي بين مكونيه الجغرافيين والسكانيين الرئيسين الآسيوي والإفريقي، وعلى حساب الشعب الفلسطيني وأمن الأمة العربية واستقرارها وتطورها وازدهارها. فهذه الدولة المسخ تجسيد عملي، في كل مراحل وجودها ومكونات إرثها البشري الروحي والثقافي والسياسي والاجتماعي، للمفاهيم والمصطلحات التي أشرت إليها سابقاً، وهي لا تكف لحظة واحدة عن تأكيد ذاتها ومفاهيمها تلك بالإرهاب والعدوان وتصعيد التوتر وخلق الأزمات في المنطقة، وتتهم العرب عامة والفلسطينيين خاصة بأنهم من يسبب ذلك؟! وتعبر عن ذلك وتنشره وتؤكده بفجور لا نظير له في التاريخ. وهاهي تفجر وتفتري في آخر عدوان لها على السودان وقصفها لمصنع عسكري في منطقة اليرموك "، فهي تعمل وتتجاهل ما تعمل حين تريد.. وذاك دأبها وبعض فجورها الذي منه أنها:

-          تملك المفاعلات النووية والسلاح النووي منذ خمسينات القرن العشرين، وتلفه هذا الموضوع بغموض على الرغم من انكشافه المطلق وعلى أيدي يهود عاملين فيه منهم فعنونو، وتكدس ترسانة نووية تهدد بها العرب، وتتواطأ مع الغرب على إبقاء هذا الملف في الظل، والمشاركة معها والتغطية عليها في تحريك ملفات وشن غارات عدوانية وتدمير منشآت وتدبير حملات مستمرة على دول في المنطقة منها " العراق وسورية إيران " بذريعة أن تلك الدول تنوي أن تملك أسلحة نووية؟!

- تشرد الشعب الفلسطيني منذ خمس وستين سنة، وتقضم أرضه يومياً، وتقتل أبناءه وتقيم لهم معسكرات الاعتقال الأشد وطأة من معتقلات النازية، فتلك لم تدم أكثر من  ثلاث سنوات إبان حرب عالمية بينما معسكرات الاعتقال الصهيونية مستمرة منذ ستين سنة، وقد قضي فيها بعض المعتقلين الفلسطينيين أكثر من ثلاثين سنة، ومنهم من خرج منها إلى القبر بعد عمر مع الحبس والقهر. وهي تحتل كل أماكن سكن وتجمعات ما تبقى من الفلسطينين في وطنهم الأصلي فلسطين وتضيق عليهم سبل عيشهم، وتدعي أنهم يهددونها ويعتدون عليها؟!

-           احتلت أرضا لكل من مصر والأردن ولبنان وسورية، فضلاً عن فلسطين بكاملها، وتستمر في احتلال الجولان ومزارع شبعا والقرى السبع اللبنانية في العرقوب منذ عام 1967 وتدعي أنها مهددة بزعزعة الأمن والعدوان وحتى الزوال من الدول العربية التي تحتل هي أراضيها بالقوة، وتملك تفوقاً عسكرياً مطلقاً عليها وعلى أخواتها العربيات مجتمعة.. ومن عجب أن يسكت العالم على ذلك ويصدق ما يساهم حلفاؤها الغربيون في ترويجه من أكاذيبها المفضوحة تلك؟!

-           تشوه التاريخ والوقائع والحقائق الثابتة منذ ما قبل إبراهيم الخليل عليه السلام وحتى اليوم، وتضلل الرأي العام الدولي بإعلام هو الفجور بعينه والافتراء ذاته، وتقوم بذلك بالتعاون مع حلفائها وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأميركية.. وتتهم العرب الذين تشوه صورتهم ونضالهم وتسرق تراثهم وتحتل أرضهم وتقتلهم.. تتهمهم بالتضليل..؟!

-          تنتهك حقوق الإنسان، وتأخذ بالتمييز العنصري على الأرض ضد الفلسطينيين الذين تعاملين " مواطنيها منهم" معاملة أناس من الدرجة الرابعة والعاشرة، وتمارس ذلك انطلاقاً من رؤية خرافية كاذبة وملفعة بالكآبة الفكرية، فكرة تقول " بأن شعبها اليهودي شعب مختار من قبل الرب بوصفه شعبه المختار - جل الرب الذي خلق البشر متساوين –  أما بقية الأمم " الأغيار أو الغوييم" فهم عبيد اليهود وأدنى منهم درجات، لأنهم من السلالة الصاعدة من طين الأرض وديدانها أما هم فالهابطون من السماء، ملكوت الله ليكونوا شعبه المختار في الأرض؟! ودولة العنصرية والإرهاب تلك " إسرائيل" تدعي أنها المتمدنة والتمدن وأن العرب متوحشون بل وحوش، وتعلن للعالم ذلك بإعلانات وملصقات فاجرة في " ميتريو نيورك" وتدعو العالم لنصرة المتمدنين والمدنية على المتوحشين والتوحش " أنصر إسرائيل"؟!.. إنها تفعل ذلك في حضن الولايات المتحدة الأميركية التي تكذب كما تتنفس في غدعاءها البرء من داء العنصرية وتبني الدفاع عن حقوق الإنسان، وهي الدولة التي أبادت ملايين الهنود الحمر بذريعة "المتمدن يقتل المتوحش، وابن الرب يقتل أعداءه؟!" وأمثال ذلك من العفن الفكري والنفسي والضلال في المعتقد والتقدير والتدبير، وغيره من الأفعال والآراء والمواقف والممارسات التي لا تمت إلى لأخلاق والإنسانية والأديان الإلهية والقيم بصلة.. ويترافق ذلك مع فجور الإدعاء بأنها تمثل " الأخلاق والإيمان والقيم"؟!

إن كل تحرك وفعل، وكل قول وتنفس لمسؤول صهيوني – إسرائيلي، هو تجسيد للكراهية والعنصرية والغطرسة والعدوان، وممارسة وقحة  للإرهاب والفجور الصهيوني العريق.. ومع ذلك يشكو أولئك العنصريون البشعون من الاضطهاد والعنصرية والإرهاب، ومما يسمونه " معاداة السامية"؟! التهمية التي يشهرونها سيفاً بوجه كل من يصارحهم بحقيقتهم أو لا يخضع لابتزازهم، وحتى بوجه أولئك الخاضعين إذا ما رفعوا صوتاً ضد ذلك النوع الكريه من الابتزاز المزمن. ومن عجب وأسف أن يصدق عالمٌ مغفل عنصرياً صهيونياً مسربلاً بالإثم والفجور، وأن تدفع بعض دول العالم وبعض شعوبه " لإسرائيل" أموالاً طائلة وتقدم لها مساعدات مادية ومعنوية وسياسية وديبلوماسية، خوفاً وطمعاً، وتزودها مجاناً بآلة الحرب التدميرية ومنها غواصات نووية، وتطلب ودها ورضاها، وتساهم معها ومن أجلها في حصار ضحاياها وتؤيدها في العدوان على من تقرر أن تعتدي عليهم لأنهم قد يمتلكون قوة ويهددونها في يوم من الأيام!؟ّ

إليس هذا هو أبشع أنواع الإجرام الناتج عن تخلف مقيم، وأشد أنواع الفتك بالعقول والضمائر.. تمارسه جماعات مجردة من الأخلاق والضمير والقيم هي الجماعات الصهيونية ممثلة بدولة الإرهاب والعنصرية والفجور " إسرائيل".. دولة الإرهاب والافتراء التي تقوم على أكثر ثقافة تخلف ممتدة منذ التيه السينائي في عهد موسى حتى يوم الناس هذا، من دون أن يدخلها هواء نقي يجدد هواء الخيمة المقدسة لتلك الثقافة العنصرية البغيضة!؟ كما تقوم أيضاً على سياسة عدوانية تستبيح دماء الآخرين وأموالهم وممتلكاتهم"! أليس هذا كيان إرهابي فريد، يمارس أبشع الجرائم باستمرار ويفلت من العقاب باستمرار، وينشر شروره في منطقتنا خاصة ولا تسلم منه دول وشعوب في العالم بصورة عامة؟!.

في  كل يوم يلغ "الإسرائيلي" في دم الفلسطينيين في غزة والقدس والضفة أو فلسطين المحتلة منذ عام 1948 ويلغ الصهيوني مع شركائه وحلفائه بدم العرب والمسلمين.. وفي كل يوم تحاصر " إسرائيل" منطقة وتستبيح القدس والمسجد الأقصى، وتقتل الأطفال والشباب وتغتال الرجال في بيوتهم وفي غرف نومهم.. وفي كل يوم تهاجم قطعانُ عنصرييها الهمج بحماية جيش الاحتلال الصهيوني، قرى الفلسطينيين وبيوتهم ومزارعهم ويقطعون أشجارهم، ويدخلون الرعب في قلوبهم.. ومع ذلك كله تدعي " إسرائيل" أنهم يعتدون عليها.. ربما في أحلامهم؟!، وأنهم يهددونها بما يملكون من صواريخ عابرة للقارات كتلك التي تملكها؟!!

وضع بشع لا يمكن قبوله ولا يمكن تصور السكوت عليه، وعلى مدى الفجور في الحملات الإعلامية والسياسية والدبلوماسية التي تقلب الأوضاع والحقائق والمفاهيم والمصطلحات والقيم رأساً على عقب، فتجعل الضحية جلاداً والجلاد ضحية، والشر خيراً والخير شراً..إلخ؟!..

أمس كان نصيب السودان من العدوان الإسرائيلي، بعد عدة مرات سابقة من العدوان عليه من المصدر ذاته، وبذريعة أنه يصنع أسلحة تقتل مدنيين؟ عجيب ألا يصنعون في الكيان الصهيوني كل أنواع الأسلحة الفتاكة التي تقتل المدنيين الفلسطيني والعرب وتحمي الاحتلال والعنصرية؟! ألا  يصدرون تلك الأسلحة إلى حركات تمرد لإشعال فتن وتخريب دول، وإلى دول لتقتل مدنيين وتعتدي على دول وشعوب؟! أليس الكيان الصهيوني هو الرابع أو الخامس في ترتيب الدول التي تصدر أسلحة بين دول العالم، ومعظم ما يصدره يتم بطرق غير مشروعة؟! وفي الوقت الذي تم فيه العدوان على السودان ألم يكن العدوان مستمراً على غزة الصامدة، في ظل حصار خانق مفروض عليها منذ خمس سنوات؟!.. إن عدوان الصهاينة على قطاع غزة الباسل متعدد الشعب، يمتد من القتل إلى الحصار إلى إتلاف مقومات الحياة من زراعة وصيد وعمل منتج..؟! وضع عجيب تمارسه الحركة الصهيونية من مركز كبير من مراكزها هو " إسرائيل"، وتمتد الممارسة البشعة من سفك الدم البريء إلى قلع شجرة الزيتون المباركة التي يقتات منها الفلسطيني، ومع ذلك تشتكي في الوقت ذاته من التهديد والإرهاب الفلسطيني والسوداني والسوري والمصري واللبناني و.. والعربي والإسلامي عليها.. كما تشتكي من كل من يقول لها لا.. فكل من يتجرأ على رفع الصوت في وجه " إسرائيل" يرفع الصوت بوجه الرب؟! هكذا تقول ثقافة الشعب المختار ومن اختار أن يتثقف على هذا النوع من ثقافة العار.. الثقافة الجامدة ذات المفاهيم البائدة!! كل من يقول بانتهاك الكيان الصهيوني لحقوق الإنسان، ومن يحقق بنزاهة في جرائم ارتكبتها الدولة العنصرية المعجزة " المقدسة"، حتى لو كان يهودياً، فهو معاد للسامية، يعادي اليهود، ومشتبه به بوصفه نصيراً للإرهاب، أو إرهابياً كامناً في ثوبه ينتظر لحظة الانطلاق ليتفجر، وخائن لشعبه إن كان يهوديا، ومتطاول على الذات الإلهية في كل الأحوال!؟.

عجيب هذا العالم الذي يأكل من مائدة طعامها فاسد، وماؤها آسن، وقديدها يعود إلى ثلاثة آلاف وخمسمئة سنة تقريباً.. ويبقى مع ذلك طعاماً وشراباً "معاصراً وحداثياً وطازجا.. بل ومستقبلياً رائدا"؟! فهل فوق هذا البؤس الروحي والأخلاقي والسياسي من بؤس وإفلاس؟ وهل هناك بعد هذه الدرجة من  الغباء درجات من الغباء يا ترى؟! وضع عجيب لا يمكن قبوله على الأقل من عرب يقع عليهم عبؤه ويدفعون تكاليفه يومياً بصورة من الصور.. وأشد أنواع الاستهجان والمهانة تقع على عرب ومسلمين يواطئون هذا الكيان العنصري ويستسلمون لثقافته، ويعدونه مما يمكن الاعتراف به، والتعامل والتعايش معه، والركون إليه، وقبوله من مكونات وطنهم على حساب أبناء شعبهم ومستقبل أمتهم؟!

إن العنصرية الصهيونية شيء فريد غريب عجيب مريب، ويدخل في بابها من يتواطؤ معها أو يقاربها، ويدان بدرجة لا تغتفر عربيٌ وملسمٌ يغمضان العين عن هذا الكيان الكريه وعن جرائمه البشعة، ويذهبون إلى حد التعاون معه واستقبال رموزه رموز الإجرام، واستعدائه على شعوبهم وأٌقطارهم وأبناء جلدتهم؟!

تلك شؤون وشجون تداهمنا في عيد يفترَض أنه للفرح، عيد تم فيه فداء الإنسان بأضحية أحلها الله لبني الإنسان ليرتفع الخلق فوق مستوى الفتك بالخلق، وهو من ثم عيد خلاص وإخلاص وإيمان واطمئنان ومحبة وفرح.. ولكنه من أسف شديد أن يأتي العيد اليوم على بعض أبناء أمتينا العربية والإسلامية بثوب حزن، ولحظات يقطب فيها الزمن بوجه بلدان وشعوب جراء ما يصيبها من بؤس وما يقع بينها من ضحايا بسبب ذلك الكيان وحلفائه وعملائه ومؤمراته على الخصوص، واحتلاله وإرهابه وعدوانه المستمر، وكل مسكوت عنه مما يقوم به.. وذاك شأن نضج بالشكوى منه ومن بعض قومنا ممن يساهمون باستمراره وطغيانه على نحو ما.. وندعو إلى اٌيمان والوعي والفقه الحق للمفاهيم والمصطلحات والممارسات لنميز ونقيم على أرضية من التمييز والمسؤولية مواقف ومواقع ننصر فيها العدل والإنسان والقيم الخيرة.

تلك شؤون وشجون تداهمنا في أيم عيدنا ولله سبحانه في خلقه شؤون.

دمشق في صبح الأضحى 27/10/2012

                 

                                                                         علي عقلة عرسان      

 

انشر عبر