شريط الأخبار

بعد ستين سنة من اتفاق المدفوعات .. اسرائيل اليوم

02:42 - 07 تموز / سبتمبر 2012

بقلم: يوسي بيلين

        (المضمون: وصف للمعارضة الشديدة التي كانت من بعض فئات المجتمع الاسرائيلي وأحزابه لاتفاق مدفوعات التعويض بعد الحرب العالمية الثانية، بين المانيا واسرائيل - المصدر).

        قبل ستين سنة في العاشر من ايلول 1952، وقع مستشار المانيا كونراد اديناور ووزير خارجية اسرائيل موشيه شريت في لوكسمبرغ على اتفاق المدفوعات. وحصلت دولة اسرائيل باعتبارها مفوضة الشعب اليهودي على ثلاثة مليارات مارك من المانيا الغربية (رفضت المانيا الشرقية دفع حصتها) عن الفظائع التي جرت على الناجين من المحرقة. وأُعطيت المدفوعات للدولة باعتبارها ممثلة ضحايا المحرقة والناجين للمساعدة على اعادة تأهيلهم. وانقضى بذلك واحد من أصعب ما مر على الدولة الديمقراطية الاسرائيلية الفتية وأثار للحظة علامة سؤال تتعلق بقدرتها على تحمل اختلاف يمزق القلب.

        أُثيرت فكرة ان تدفع المانيا بعد الحرب تعويضات لليهود من ضحايا النازية، في اثناء الحرب العالمية الثانية. فقد قدّم رئيس الهستدروت الصهيونية حاييم وايزمن طلب التعويضات الى الحلفاء في 1945. وزعموا أنه لا يمكن بحث الطلب لأن الحديث عن شعب لا عن دولة.

        بعد نشوء الدولة وحين وجه الطلب مرة اخرى الى الحلفاء الذين كانوا ما يزالون يسيطرون على المانيا، كان الجواب انه لا يمكن زيادة تعويضات على التعويضات الباهظة التي فُرضت على المانيا.

        بعد اعلان استقلال المانيا الغربية والمانيا الشرقية لم تنوِ اسرائيل محادثتهما مباشرة. فقد كانت القطيعة مع المانيا مطلقة وكُتب في جوازات آبائنا "الى جميع البلدان ما عدا المانيا".

        أُزيلت فكرة التعويضات أو المدفوعات من المانيا عن برنامج العمل الى ان هدد الوضع الاقتصادي في اسرائيل قدرتها على البقاء. فقد جعلت أمواج الهجرة الكبيرة خزينة المالية فارغة ولم تستطع اسرائيل قضاء ديونها.

        في شباط 1950 استقر رأي الحكومة على بدء محادثات مباشرة مع المانيا الغربية في تعويضات شخصية للناجين من المحرقة، وأُنشئت في ايلول لجنة لعلاج التعويض القومي، وفي غضون مدة قصيرة انتقلت الحكومة من رفض مطلق للاتصال مع المانيا الى ان عرضها رئيس الوزراء دافيد بن غوريون باعتبارها "المانيا الاخرى" والى الاستعداد لمحادثتها مباشرة.

        كان زعمه الرئيس ان اسرائيل محتاجة احتياجا شديدا الى مساعدة اقتصادية وأنه لا يوجد أي تسويغ لاعفاء المانيا من دفع تعويضات باعتبارها قاتلة ووارثة ايضا. واحتاجت المانيا الشابة الى شرعية دولية. ولم تكن أية دولة تستطيع ان تمنحها شرعية أكثر من اسرائيل الصغيرة الضئيلة. وكان لقاء المصالح واضحا للجميع.

        في نهاية 1951 كان مناحيم بيغن زعيما مهزوما. فقد خسر حزبه "حيروت" ستة نواب في الانتخابات التي أُجريت في شهر تموز، وترأس حزبا فيه ثمانية اعضاء كنيست. وأعلن بعد الانتخابات أنه يترك الحياة السياسية، ويبدو انه كان سيفعل ذلك لولا ان ظهر موضوع المدفوعات في برنامج العمل الوطني.

        أغضبه ذلك وكأن كل عائلته تقريبا قُتلت في المحرقة، وكأنه رأى ذلك تسليما لا يمكن فهمه لالمانيا التي ظلت نازية في نظره. وقُبيل التباحث في الكنيست في مطلع كانون الثاني 1952، امتلأ حماسة من جديد وقال للأمة أشد ما قال من الكلام المتطرف.

        تم التباحث في مقر الكنيست السابق في بيت فرومين واستمر ثلاثة ايام. وحصل اعضاء الكنيست من الائتلاف من الناجين من المحرقة على حرية تصويت. وعارض مبام وحيروت بشدة. وعارض "الصهاينة العامون" معارضة أقل تطرفا.

        لكن وقع الزلزال في اليوم الثاني للمباحثات بتظاهر نحو من عشرة آلاف شخص نظمته حركة حيروت في ميدان صهيون في القدس، وخطب بيغن هناك خطبة حياته أو الخطبة التي كان يريد ان ينساها. وقال انه في هذه المرة وبخلاف أمره في واقعة "ألتلينا" بعدم اطلاق النار على قوات الأمن سيصدر الأمر قائلا "نعم".

        ونعت بن غوريون بأنه "الطاغية الصغير"، ونعت اديناور بأنه "قاتل" ووعد بأن يبذل مهجته لمنع التفاوض مع الالمان الذين ظلوا جميعا نازيين كما قال: "أقول للسيد بن غوريون لن يكون تفاوض مع المانيا، ونحن مستعدون جميعا ان نبذل مهجاتنا من اجل ذلك. سنُقتل ولن يتم اجازة ذلك، ولن توجد تضحية لن نضحي بها لاحباط هذه المؤامرة... ستكون هذه حرب حياة أو موت... ولن تُدفع الضرائب الى حكومة تتجه الى التفاوض مع الالمان".

        وتابع بيغن في شدة: "إما المال الالماني وإما المال اليهودي، ولا يمكن ان يوجد الاثنان معا، ستحصلون على الضرائب بالقوة وستحصلون على الخدمات بالقوة... قطيعة مع طالبي السلام مع المانيا. ان هذه الحكومة التي ستدخل في مفاوضة معها هي مجرمة. وبن غوريون مجرم. وشريت مجرم. ولن يحدث هذا إلا على جثثنا وعلى نفوسنا ودمائنا".

        وفي الخامسة والنصف بعد الظهر سار بيغن في مسيرة من ميدان صهيون الى الكنيست وتابع يخطب من فوق منصة الكنيست بكلام مشابه. وقد نعت بن غوريون بأنه فاشي وأزعر. ولم يوافق على النزول عن المنبر. ورمى عدد من المتظاهرين الذين صاحبوه جلسة الكنيست بحجارة من الشارع. فكسر أحدها واجهة زجاجية وجرح عضو الكنيست حنان روبين من مبام. وجُرح 200 متظاهر و140 شرطيا.

        كانت نتائج هذه الخطبة ان أُبعد بيغن عن الكنيست بضعة أشهر، وكانت نتائج الاقتراع: 61 يؤيدون الاتفاق و50 يعارضونه (كنتيجة الاقتراع على اختلاف لا يقل شدة – اتفاق اوسلو).

        اعترف الاتفاق الذي وقع في ايلول بأن اسرائيل ممثلة الشعب اليهودي. واستعانت به اسرائيل لقضاء ديونها ولانشاء بنى تحتية في البلاد كلها ولاستيعاب مهاجرين آخرين. وحصل الناجون على مخصصات شهرية خففت عنهم عُسر حياتهم وساعدتهم على صعابهم اليومية.

        وماذا كان من شأن مناحيم بيغن؟ تخلى عن العصيان المدني الذي أعلنه في ذلك المساء الشتائي في ميدان صهيون. وحينما انتخب لرئاسة الوزراء بعد ذلك بـ 25 سنة ترك الاتفاق على حاله وكذلك ايضا العلاقات الدبلوماسية بين اسرائيل والمانيا التي لم تتغير قط في الحقيقة كما كان يرى.

انشر عبر