شريط الأخبار

السوريون وراء الجدران.. يديعوت

11:30 - 10 حزيران / أغسطس 2012

بقلم: تولين دالوغلو – لواء الاسكندرونة

       (المضمون: استعراض لاوضاع وأحوال اللاجئين السوريين في تركيا قرب الحدود مع سوريا وبسط للمشكلات التي ثارت بين المحليين واللاجئين واعتراض المحليين على بقاء اللاجئين في المخيمات - المصدر).

       في مدينة هتاي في جنوب تركيا قرب الحدود السورية حقا يمكن ان نشم الخوف في الهواء. ان السكان عن جانبي الحدود مؤلفون من خليط من الاتراك والعلويين أبناء طائفة بشار الاسد – وهو خليط يتبين منذ بدأت الهبة الشعبية في سوريا انه قابل للانفجار بصورة مميزة. في التاسع والعشرين من نيسان 2011 اجتازت الحدود الى تركيا أول مجموعة من اللاجئين السوريين كان عددها 252 انسانا هربوا من الفظائع التي ينفذها الاسد في أبناء شعبه. ومنذ ذلك الحين اجتاز الحدود 78 ألف سوري على الأقل، واليوم بعد ان عاد عدد منهم الى بيوتهم أصبح يوجد في تركيا 50 ألفا منهم يعيشون في 8 معسكرات على طول الحدود.

          ينظر المحليون وكثير منهم علويون مؤيدون للاسد الى اللاجئين السوريين في تشكك. وهم يزعمون انه تعمل في المنطقة ايضا معسكرات تدريب لمقاتلين هدفهم اسقاط نظام الحكم في دمشق. "السوريون الذين يتدربون في هذه المعسكرات سيذبحون العلويين في سوريا. وهم يتجولون بيننا مع شعور بأن قتل سبعة علويين سيضمن لهم مكانا في الجنة"، يقول ييلديتش غاربي من سكان هتاي، "ونتساءل ماذا سيحدث الآن؟ هل تريد الحكومة التركية ان تنفق على قتلهم بمساعدة اموال ضرائبنا؟ ومن ذا يعلم الى أين ينتهي ذلك؟".

          يتحدث اللاجئون، زيادة على عداوة المحليين عن انه كيف استمر موالو الأسد في سوريا على ايجاد طرق للتنكيل بهم حتى بعد ان هربوا. وقد سمع مراسل شبكة "سي.بي.اس" الذي زار مخيم اونكوبينار القريب، سمع من اللاجئين كيف قصف الجيش بيوتهم في سوريا وأُدخلت أسماء الرجال في قوائم النظام السوداء. وقالت لاجئة تدعى فاطمة احمد: "أفضل الموت، فقد صار كل شيء صعبا جدا علينا".

          وفضل لاجيء سوري آخر ان يصب غضبه على بشار. "لا نريد ان يموت سريعا بل نريد ان يعاني"، قال. "نريد ان يذوق المعاناة كالتي جرت علينا ونأمل ان يُذل هو وعائلته كلها كما أذلونا بالضبط".

          قضيت نهاية الاسبوع الاخير في هتاي وزرت مخيمين هما: يايلاداجي واونكوبينار القريب من مدينة كِلّس. ولم أُعط تصريحا رسميا بالدخول لكن الناس الذين خرجوا ودخلوا الى المخيمات ومنها تحدثوا عن حياتهم فيها وعن الهرب من سوريا وعن محاربة جيش الاسد.

       اطلاق نار طوال الليل

          ان الحراسة حول معسكر يايلاداجي سهلة نسبيا. توجد بضعة جدران اسمنتية فقط ومواقع مراقبة تحيط بصفوف الحاويات التي لا تنتهي. والحراسة في مخيم اونكوبينار الذي حظي باسم "مدينة الحاويات" أكثر تشديدا بكثير. فالدخول والخروج يتمان فقط بتعرّف بصمة الاصبع، وتوثق 92 كاميرا حراسة كل حركة 24 ساعة في اليوم ويحيط بالمخيم جدار طوله 4.9 كم على طوله 15 برج حراسة.

          بيد انه برغم ما يمكن ان يخطر بالبال من ترتيبات الحراسة، فان المخيمين ليسا سجنا، فهذا هو البيت الجديد بالنسبة لكثير من اللاجئين. ويمكن ان نرى ان سكان المكان يحاولون جعله لهم وان يكسروا شيئا ما تجانس آلاف وحدات السكن المتشابهة. تخفق أعلام المعارضة السورية على الأسطح الى جانب أعلام تركيا. وعلى الجدران كتابات جدارية تدعو الى تحرير سوريا وأسماء المدن التي هربوا منها. ويجوز للاجئين في داخل الجدران الخروج بحرية والتجول في هتاي، وهو ما يثير غضب السكان المحليين.

          يوجد كل شيء تقريبا في المخيمات أو في ظاهر الامر على الأقل: من مراكز النشاط الاجتماعي الى غرف التلفاز، بل توجد اماكن لنحت التماثيل ونسج البُسط. ويذهب الاولاد بين الرابعة والثامنة عشرة الى المدارس كل يوم، بل يوجد للاولاد الصغار روضة لهو مع مراجيح وزحاليق، لكن عدم العلم متى يستطيعون العودة الى بيوتهم يجعلهم بلا صبر.

          تحاول حكومة تركيا على نحو عام الاهتمام بسد عوز اللاجئين بتوزيع ثلاجات صغيرة، ويمكن ان نرى حتى على أسطح بعض الحاويات أطباق الاقمار الصناعية، لكن هذا لا ينجح دائما. فقبل نحو من اسبوعين في الثاني والعشرين من تموز حدث شجار في مخيم كلّس ورمى اللاجئون المخيم بالحجارة لنقص الماء والطعام واضطر الجنود الاتراك الى تفريقهم بالغاز المدمع.

          جئت في ذروة شهر رمضان. ويبدو مخيم يايلاداجي الذي يضم 10.500 لاجيء سوري هادئا جدا في خلال النهار، والجو كئيب. يخرج الناس ويدخلون لكن لا يظهر الكثير من النشاط بين الجدران أو من الخارج على الأقل. تحدث سوريون من سكان المخبم تحدثت معهم عن ان جميع النساء في المخيم يحرصن على صوم رمضان وكذلك 60 في المائة من الرجال تقريبا. وتستعد منظمة الهلال الاحمر التركية بحسب ذلك وتقدم اربع وجبات في اليوم منها وجبات للسحور.

          في ساعات المساء المتأخرة من يوم السبت التقيت خارج المخيم اللاجيء السوري محمد عبد الله الذي جاء مع زوجته وزوجة أخيه رامية وأبنائهما الثلاثة. وقد جاءوا الى تركيا قبل نحو من خمسة اشهر بعد ان هربوا من العنف الوحشي لقوات الاسد في مدينة اللاذقية.

          "حينما بدأت الاضطرابات في سوريا خرجت أنا ايضا الى الشارع محاولا ان أناضل من اجل الحرية لكنهم اعتقلوني وزجوا بي في السجن"، يقول محمد. "رأيت اشياء كثيرة سيئة جدا. وجرى علي تعذيب وشهدت موت كثيرين. وأنقذتني المعارضة وحررتني".

          صعب على محمد وعائلته مغادرة وطنهم ولم يسارعوا الى المغادرة الى تركيا حينما سُرح من السجن فورا، بل حاول في البداية مثل متمردين سوريين كثيرين ان يجد ملجأ في القرى المجاورة، وحينما شعر هناك ايضا بأن عائلته ليست آمنة غادر. يقول وهو يخفض عينيه: "سمعنا اطلاق النار طوال الليل وبدأت أشعر ان المكان غير آمن هناك ايضا ولهذا أخرجت عائلتي الى تركيا".

          ان الاولاد الثلاثة يتركون أباهم يتحدث بلا تشويش حينما أزال محمد فجأة قبعة الأب المخلص الذي يحمي عائلته بكل ثمن واستبدل بها قبعته الثانية – قبعة المحارب المتمرد المملوء بالكراهية والعطشان الى الانتقام. يقول انه استأجر بيتا قرب المخيم حيث يسكن مع محاربين متمردين آخرين.

          منذ جاء مع عائلته الى تركيا يقول انه يجتاز الحدود الى سوريا مرة بعد اخرى لفترة عشرة ايام كل مرة ليحارب جيش الاسد. ويقول في فخر: "قتلت الكثير منهم". وفي نهاية كل فترة قتال يعود الى تركيا ويقسم وقته بين العائلة في مخيم يايلاداجي و"العائلة" في البيت المستأجر – رفاق السلاح. ويقول: "أنا الليلة باقٍ هنا لكنني سأعود غدا الى ميدان المعارك وتبقى النساء هنا". وحينما يعلم ان عائلته في أمن في تركيا يصبح القتال أسهل عليه.

          يُنكر عبد الله بشدة ان يكون الجيش التركي يزود المتمردين بالسلاح والذخيرة. "يساعدنا الجنود الاتراك على اجتياز الحدود لكنهم لا يعطوننا سلاحا"، يكشف، "هذا الى أننا نحصل على مال من العراق والسعودية ويساعدنا هذا بيقين على الاستمرار على القتال".

       يكفي حياة في خوف

          التقيت في حانوت حلوى في منطقة انطاكية وهي منطقة التجارة والاستجمام في قلب هتاي، التقيت دبام كراي – وهو جندي من مدينة إدلب انشق عن الجيش السوري وهو في تركيا منذ أكثر من سنة. "انشققت قبل زمن طويل حينما أمروني باطلاق النار على عائلتي"، يتذكر في ألم، "سرقت خمس بنادق كلاشينكوف من مركز الشرطة ونجحت في ان أنضم الى قوى المعارضة التي فرت الى هنا".

          ان كراي عضو اليوم في جيش سوريا الحر، لكنه ليس في دور قتالي بل يفضل انقاذ الناس من الهلاك. "عملي ان أنقل الجرحى من سوريا الى المستشفيات الحكومية هنا، دخلت الى سوريا هذا الصباح في الساعة السادسة ونقلت اربعة من المعارضين الجرحى، وحينما اقتربنا من الحدود بدأ جنود سوريون يطلقون النار علينا وغطانا جندي تركي أطلق النار عليهم.

          "لا تطلبي مني ان أبرهن لك على هذا"، يضيف، "لكنني أعلم ان تركيا تزودنا بالسلاح وبوسائل دعم اخرى ايضا". ويقول انه توجد شبكة كبيرة من الناس يُصرفون سرا اعمالا مع الاستخبارات التركية ومع جهات اخرى لاسقاط نظام الاسد.

          أثارت الحرب في نفس كراي شعورا بالرسالة فهو لا يحمل فقط الجرحى الى تركيا للحصول على علاج ولا ينقل فقط معدات طبية الى الجبهة بل هو مليء بالأمل ايضا في سوريا الجديدة التي ستنشأ بعد سقوط الاسد. وقد أخذت تقترب وهو متيقن من هذا. ويقول لي المنشق السوري: "هل تعلمين؟ كانوا يقولون لنا طوال الوقت: لا تتحدثوا في السياسة فللحيطان آذان. لكنني لم أعد أريد ان أحيا في خوف.

          "هناك من يزعمون ان الولايات المتحدة أو اسرائيل يقفان وراء الاحداث لكنهم ناس ليس لهم أي علم بمبلغ وحشية نظام الاسد. يوجد الكثير من القتلة يستخدمهم النظام ويجب ان ينتهي هذا العهد، ولا يستطيع الاسد ان يثبت لهذا وقتا طويلا. لن يكون في السلطة بعد شهر أو شهرين ان شاء الله، انتظروا ما سيحدث بعد صوم رمضان".

          وماذا عن اليوم الذي يلي سقوط الاسد؟ ان شيئا واحدا فقط واضح لدبام، فهو يقول: "لا أريد ان أرى الاخوان المسلمين يحكمون سوريا الجديدة. فنحن نكرههم ونرفض كل صراع على أساس المذاهب والطوائف".

       لا يسارعون الى الاحتضان

          استقر رأي حكومة تركيا في المدة الاخيرة على بناء خمسة مخيمات اخرى تستطيع ان تضم نحوا من 100 ألف لاجيء سوري، هذا الى المخيمات الخمسة الموجودة اليوم ومخيمين آخرين يضمان جنودا انشقوا عن جيش الاسد فقط. لا تكشف السلطات في تركيا عن العدد الدقيق للمنشقين في المعسكرين  وعن رتبهم العسكرية، والتقدير انه يوجد فيهما بين 30 – 35 جنرالا سوريا. في يوم الاحد الاخير فقط انشق جنرالان آخران هما عدنان هتاوة من مدينة حلب كان قائد اللوجستيكا، وتركي القاسم الذي كان في الماضي رئيس شعبة استخبارات الشرطة العسكرية في حلب.

          ان استقرار الرأي على استيعاب اللاجئين هو جزء من نهج حازم انتقادي جدا لتركيا في السنة الاخيرة على الاسد. أنفقت تركيا الى الآن أكثر من 220 مليون دولار على السوريين في المخيمات على الحدود، لكن السكان في هتاي بخلاف السلطة في أنقرة لا يسارعون الى احتضان الجيران الجدد، فهم يتهمونهم بجميع مشكلاتهم تقريبا من المس بالنساء والانتماء الى القاعدة الى الركود الاقتصادي الذي أصاب المنطقة بسبب وقف التجارة مع سوريا ويُشعر به في كل مكان. وهي اتهامات يمكن ان تبدو معروفة جدا في اسرائيل خصوصا التي تواجه مشكلة لاجئين.

          يسود هدوء محزن كورتولوش، وهو الشارع الرئيس في انطاكية. والحوانيت خالية من المشترين ويقعد الرجال بلا عمل في المقاهي. ولا يكف يوسف موطلو وهو صاحب دكان أسياخ كباب عن الشكوى. "انظروا هذا الآن وقت الغداء ويوجد هنا في الحاصل العام اثنان أو ثلاثة فقط".

          يقول بشار وكيل، وهو خياط من انطاكية في حزم: "لا نريد سوريين آخرين هنا. وللحقيقة أقول انهم لو عادوا الى بيوتهم لكان أفضل، فهم لا يفعلون أي شيء ايجابي في هذه المخيمات، لكن العمل كله توقف في المدينة بسببهم. قبل أكثر من سنة كانت شوارعنا مليئة بالبشر ونمت التجارة وربحنا جميعا مالا طيبا".

          بل يهدد وكيل بأنهم سيشعرون في القريب في كل أنحاء تركيا بالركود الاقتصادي الذي عرفته هتاي. "اعتاد الناس ان يبيعوا سوريا النسيج خاصة واشتروا المواد الخام من اسطنبول بحيث سيكون في القريب تأثير دومينو من طرف تركيا الى طرفها الآخر"، يقول ويضيف مواطن آخر: "سنبدأ في القريب نسمع بافلاسات ضخمة بل ان العائلات الحسنة الحال جدا على شفا ان تفقد كل ممتلكاتها".

          في الشوارع توتر يومي بين اللاجئين والسكان القدماء الذين يشكون من "السوريين ذوي اللحى الكثة والمنظر المخيف". ويزعم عدد منهم ان الحديث عن ناس من القاعدة متطرفين خطيرين. "لا نستطيع منذ جاءوا الاستمتاع بمتنزهاتنا"، اشتكت إيزيل، وهي ربة بيت محلية، "انهم يتعرضون للنساء في الشارع ولا يوجد شيء نستطيع فعله". وتحدث شرطي محلي عن ان عدد السطو على البيوت زاد في الشهرين الاخيرين بنسبة 50 في المائة.

          "توقعنا ان تكون المنطقة العازلة التي تستوعب السوريين الفارين في داخل سوريا"، يقول محمد علي أديب اوغلو، وهو ضابط من هتاي ينتمي الى أحد احزاب المعارضة في تركيا، "لكن الحكومة فضلت جعل منطقتنا منطقة حدودية. ويوجد الآن ناس يزعمون أنهم سوريون لكنهم في الحقيقة من افغانستان وليبيا والشيشان ومن دول مختلفة في افريقيا لها علاقات بالقاعدة، وهم يأتون الى هنا لمحاولة انهاء نظام بشار الاسد. ولا يمكن ان يحدث كل هذا من غير علم تركيا".

          يتحدث أديب اوغلو ايضا عن انه في العشرين من تموز اجتازت قافلة غامضة تبلغ نحوا من 30 حافلة منطقة انطاكية متجهة الى مخيم يايلاداجي قرب الحدود. "تحدث الناس الذين رأوا القافلة عن ان الكهرباء قطعت في الاماكن التي مرت بها. يبدو أنها حملت سلاحا وناسا الى الحدود السورية".

       علاج مع الابتسام

          لكن ليس الأصل العلوي والاحتكاك اليومي مع الغرباء وحدهما يؤديان بالمنطقة الى شفا الانفجار، بل يقوم فوق كل ذلك شعور عدد من السكان بأن حكومتهم تفضل عليهم اللاجئين السوريين. "تلقيت طلبا رسميا ان اعالج صحة أسنان السوريين والتزمت السلطات ان تدفع جميع الحسابات"، قال لي غانم تموساوغلو وهو طبيب اسنان محلي. "لا تتفضل الحكومة هذا التفضل على مواطنيها، فمن المؤكد اذا أننا نعارض هذا".

          لا يختلف الوضع في المستشفيات كثيرا. يتحدث سليم مكاف رئيس المكتب الطبي في هتاي عن انه قيل للاطباء في هذا المكان مرارا كثيرة ان يفضلوا المعالجين السوريين وان يحرصوا على التبسم حينما يعالجوهم. منذ بدأت موجة اللاجئين أجرى اطباء اتراك أكثر من 500 عملية جراحية لجرحى سوريين.

          "نبذل أفضل ما نستطيع بصفتنا اطباء"، يقول، "وتعتني الدولة بالحسابات. الشيء الوحيد الذي نأسف له هو أننا نسمعهم يقولون احيانا انهم لا يريدون ان يعالجهم طبيب علوي. وتوجد الى ذلك حالات كثيرة من التنكيل بالممرضات. نقلت هذه القضايا الى حاكمنا لكننا لم نسمع ردا على ذلك". ويتحدث مكاف ايضا عن اشاعة سمعها من شرطي محلي تقول ان اردوغان ينوي ان يمنح اللاجئين بيوتا وعملا.

          لا يتعلق الجدل في داخل تركيا وفي هتاي خصوصا باللاجئين فقط. فالسكان العلويون في تركيا غاضبون على اردوغان الذي أدار ظهره للاسد ويخشون التأثيرات التي قد تكون لتأييد دولتهم للمتمردين. وتشعر الطائفة العلوية ايضا باضرار خطابة اردوغان بها الذي يوميء في زعمهم الى ان العقيدة العلوية هي التي أفضت الى سفك الدماء في سوريا. "يحاول رئيس الوزراء ان ينشيء كتلة سنية بهذه الخطابة"، يزعم بهشات عمر اوغلو، وهو معلم متقاعد، "أنا سني وأقول لك برغم ذلك ان هذه السياسة التي تحاول ان تُقسم الشعب ولا سيما في هتاي بين السنيين والعلويين تتجه الى الاتجاه غير الصحيح. أُكتبي هذا".

          ان محمود سونماز، رئيس منظمة صداقة هتاي – سوريا على ثقة بأن كل يوم يمر من غير ان يوجد حل للوضع في سوريا يزيد التوتر في المنطقة وخطر ان ينتقل القتال الى دول جارة ايضا ومنها تركيا. "لا يحب الناس مواجهة الفظائع التي نفذها السوريون الذين يسكنون هذه المخيمات"، يقول متهما، "لكنهم سيتحولون علينا غدا ويهددون السلام هنا. ولهذا يجب على حكومة اردوغان ان تنهي هذه المخيمات فورا وان تكف عن مساعدة نشاطهم العسكري في سوريا. واذا لم يحدث هذا فلا نستطيع سوى ان ندعو الله ان يأتي بمعجزة تمنع هذه النار من احراق المنطقة".

          يجد سونماز اشارة الى نبوءاته الغاضبة في ارتفاع لهب الصراع الدامي المتواصل بين تركيا وحزب العمل الكردي. ففي الشهرين الاخيرين فقط خسرت تركيا 60 جنديا في المعارك مع الاكراد وتتهم حكومة اردوغان النظام السوري بمساعدة المتمردين الاكراد. ان كثيرين في هتاي ومنهم سونماز ايضا على يقين من ان ازدياد هجمات الاكراد قوة ينبع مباشرة من تشديد النغمة التركية على الاسد.

       اسرائيل متهمة مرة اخرى

          في حين يتهم سكان هتاي اللاجئين بجميع المشكلات اليومية فانه من الواضح لهم ايضا أي الجهات تتحمل تبعة نشوب الاحداث الدامية وراء الحدود. "كانت سوريا هي الدولة الوحيدة في المنطقة التي قاومت السياسة الاستعمارية والصهيونية"، يقول محمود سونماز، "هذا هو السبب الذي يجعلهم يريدون القضاء على سلطة الاسد. لا شك في ان اسرائيل والولايات المتحدة هما اللتان تقفان وراء جميع سخافات الديمقراطية والحرية".

          تهز صبرية بلال، زوجة مسؤول رفيع المستوى في حزب المعارضة رأسها علامة الموافقة. "ان الولايات المتحدة واسرائيل تتآمران مرة اخرى وتهيجان المنطقة. وهدفهما زيادة الاختلاف في سوريا"، قالت. "تحاولان انشاب حرب بين الكتل وجعل الاخوة والاخوات يقتل بعضهم بعضا. من هو بشار الاسد؟ انه علوي وزوجته سنية. ومجلسه الوزاري المصغر سني في أكثره وكذلك الجيش ايضا. وقد نجحوا في حل المشكلات وفي التعالي فوق الفروق الدينية في سوريا، لكن الولايات المتحدة واسرائيل تستعملان الاسلام المتطرف والغوغاء الجهلة لاثارة حرب بين الفصائل".

          ويوافق حسيب يجيتو اوغلو، وهو صاحب مصنع زيت للآلات في حلب على ان اسرائيل والولايات المتحدة تقفان وراء الحرب الأهلية، بل انه يضيف الباعث على ذلك وهو النفط. "لا يوجد شيء يمكن ان نقوله للدفاع عن نظام البعث في سوريا"، يقول "لكن من الكذب المطلق ان نقول ان الادارة السورية يحكمها العلويون تماما، بل هو حلف يشمل السنيين والمسيحيين ايضا، وقد استقر رأي اللاعبتين القويتين، الولايات المتحدة واسرائيل، على جعل سوريا دولة فيدرالية. وللحقيقة نقول ان هذه هي صورة الحكم الأنسب لسوريا، لكنهما تفعلان ذلك لأنهما محتاجتان الى جعل النفط من كركوك في العراق يظل يتدفق على اسواق في اوروبا ويوصل في الطريق ايضا بحيفا".

          ليست هذه النظرية ثمرة خيال يجيتو اوغلو فقط بل يؤيدها في واقع الامر كثيرون في هتاي، فهم يقولون ان القوى العظمى ومنها اسرائيل قد استقر رأيها على ربط المحافظات الكردية في العراق بسوريا بأنابيب نفط توصل بها اسرائيل ايضا. ويوجد ايضا جانب امني في الخطة. "توشك اسرائيل ان تعزز أمنها بانشاء لبنان أكبر"، يزعم حسان الذي كان يتولى في الماضي وظيفة حكومية رسمية في تركيا. "سيتصل لبنان اليوم بالجزء الذي سيحكمه العلويون من سوريا الجديدة في منطقة اللاذقية وبهذا تنتهي سلطة حزب الله وتأثيره في الدولة".

          ان اللاجئين السوريين هم الذين لا يتقبلون تفسيرات سكان هتاي التي تقول ان اسرائيل مسؤولة عن الحرب الدامية في سوريا. فهم لا يرون أية صلة بين القدس وبلدهم النازف. "كان هذا هو الزمن الصحيح لنهوضنا وقتالنا عن حقوقنا وحريتنا"، يقول دوران رضا الذي انشق عن الجيش السوري. "كانت وحدتي العسكرية في اللاذقية وطلب الينا ان نقمع التمرد وأمرتنا الاوامر العسكرية باطلاق النار على المتظاهرين وانشق نصف جنود وحدتي، لم نستطع فعل ذلك".

          في حين كان رضا يتحدث كان ابن عمه سميل يقف الى جانبه ويهز رأسه. "ان ما لا يفهمه الناس هو أننا أملنا في البداية حقا ان يكون بشار الاسد مختلفا عن أبيه"، يقول سميل. "وقد كان مختلفا في البداية حقا لكنه لم يظهر ما يكفي من التصميم والقوة لتغيير الجهاز وخيب ذلك آمالنا جميعا. وليس لنا علم الآن ما الذي ينتظرنا نحن السوريين في المستقبل".

انشر عبر