شريط الأخبار

في عين العاصفة .. علي عقلة عرسان

02:24 - 27 حزيران / يوليو 2012

كان التركيز الإعلامي والسياسي على موضوع الأسلحة البيولوجية والكيمياوية في سورية " التي يشتمل مخزونها، حسب ادعاء جهات غربية وإسرائيلية على:" غاز الأعصاب وغاز الخردل وغاز السيانيد"، يتنامى قبل أيام من طلّة الناطق باسم وزارة الخارجية السورية والمغتربين علينا بتصريح لا يندرج في المعقولات المقبولات سياسياً حتى لو كان في معرض الرد على تلك الحملة الاستفزازية الاستدراجية، لا سيما في هذه الظروف. وقد استحلِب كلام الناطق أو حرِّف ليجعل سورية في موقع المعترف بامتلاك ذلك النوع من الأسلحة والدفاع عن نفسها على نحو ما في هذا المجال، وأصبح الكلام عن تهديد سوري باستخدام أسلحة محرمة دولياً عاصفة رملية في صحراء استوائية، واعتبر أنه أنه تلويح باستخدام أسلحة الدمار الشامل يتنافى مع معاهدات دولية تنطبق عليها.

وسواء أكان هذا يُعدُّ فخاً نُصِب فسقط فيه من نُصِب له، أو كان انزلاقاً دفعت إليه عناصر وظروف وأشكال من الاستتدراج في تركيز سياسي وإعلامي مدروسين، فإنه أدى إلى ما كان قد رُسم له من أهداف، واستثمر أبشع استثمار عند وقوعه. ولا يخامرني شك في أن الذين زجوا من المعارضة السورية في التركيز على مخاطر استخدام النظام لأسلحة كيمياوية وجرثومية ضد المدنيين، وبالغوا في الحديث فيه، قد قاموا بعمل قد يكون الهدف منه استعجال التدخل العسكري في الشأن السوري من خارج مجلس الأمن الدولي، لكنه عملياً فعل لا تستفيد منه إلا إسرائيل بالدرجة الأولى، سواء أقصد بعض المتكلمين في الأمر من السوريين وسواهم ذلك الأمر أم لم يقصدوه، وأصبح الطريق ممهداً، بنظر العدو الصهيوني وحلفائه، لتدمير المخزون السوري من "أسلحة الدمار الشامل" التي تملكها سورية، بيولوجية وكيمياوية وصواريخ استراتيجية تدخل في هذا المجال"؟!.

لقد بذلت سورية خلال العقود الماضية جهوداً مضنية للحصول على شيء مما يحقق بعض التوازن الاستراتيجي مع العدو الصهيوني، وما يضمن حدوداً دنيا من الردع له عن العدوان واستخدام أسلحة فتاكة محرمة دولياً ومتطورة جداً، تقليدية وغير تقليدية، منها مخزونه الكبير من السلاح النووي الذي استنفره ليستخدمه في أكثر من مواجهة مع مصر وسورية، منها حرب تشرين/أوكتوبر 1973، ومنعه من القيام بعدوان واسع أو شامل عليها ينهي قدرتها على التدخل وربما الوجود الفعال في مواجهته. وقد تحمل الشعب العربي في سورية تكاليف باهظة وبذل جهوداً مضنية لتحقيق توازن من نوع ما مع بعض ما يملكه العدو الصهيوني من أسلحة نووية وغير نووية يهددنا بها ويجري التعتيم عليها بتواطؤ دولي منذ توجهه لتصنيعها وتطويرها ابتداء من عام 1956، من دون أن يطاله لوم أو سؤال أو حتى حملة إعلامية مجدية تضعه موضع المساءلة عما يملك من أسلحة دمار شامل ، وهو المحتل والمعتدي والعنصري ومصدر القلق والعدوان في منطقة ما زالت متوترة بل ومشتعلة منذ وجد بقوة الإرهاب والتواطؤ الدولي في قلب وطننا العربي على حساب الشعب الفلسطيني والأمة العربية، وأُبقي سلاحُه النووي المعروف للجميع والمكشوف أمام الجميع موضع تعتيم وغموض وشك وتعويم، منذ نصح كيسنجر بذلك في ستينيات القرن العشرين وحتى اليوم. ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل قام الكيان الصهيوني بتدمير أية منشأة أو قوة عربية تحاول أن تقترب من فكرة امتلاك سلاح نووي أو كيمياوي كما فعل في العراق/مفاعل تموز، وفي سورية مبنى قيل إنه سيكون مقراً لمفاعل نووي سوري قرب دير الزور، وكأن له كل الحق في ذلك كله، وفي أن يدمر النوايا والأفكار، بينما يحتفظ بمخزونه من أسلحة الدمار الشامل على أنه أسرار. 

لقد وضعت سورية، الغارقة في دمائها ومشكلاتها من جراء أزمتها، في عين العاصفة، وفي غمرة اندلاع تلك العاصفة الرملية، عاصفة الأسلحة الكيمياوية والجرثومية السورية، أنذر الرئيس أوباما سورية بقوله: "نظرا لأن النظام لديه مخزونات من الأسلحة الكيماوية فسنستمر نوضح للأسد ومن حوله أن العالم يراقبهم وأن المجتمع الدولي والولايات المتحدة سيحاسبانهم إذا أقدموا على ارتكاب الخطأ المأساوي المتمثل في استخدام تلك الأسلحة"، وصرح بان كي مون الاثنين 23 تموز 2012 إنه "يشعر بالقلق من احتمال أن تستخدم سورية أسلحتها الكيماوية بعدما حذرت من أنها قد تنشرها إذا شعرت أنها مهددة بالتدخل الخارجي.. إذا استخدم أحد في سورية أسلحة للدمار الشامل فسيكون ذلك أمرا يستحق الإدانة". وقال وليام هيغ وزير خارجية بريطانيا: إنه "وهم كامل" أن سورية تواجه أي تهديد خارجي، وأنه من غير المقبول أن تقول أنها قد تستخدم الأسلحة الكيماوية في أية ظروف"، وأكد وزير الخارجية الألماني غيدو فيسترفيله أن "التهديد باستخدام الأسلحة الكيماوية أمر شائن". وقال المعهد الملكي البريطاني للدراسات الدفاعية والأمنية في بيان إن دولاً غربية وتركيا والأردن بصدد وضع خطة للتدخل في النزاع السوري لمنع القوات الحكومية والمعارضة المسلحة من الاستخدام المحتمل للأسلحة الكيماوية.".

وعلى الرغم من تأكيد وزارة الخارجية الروسية على أن تلك الأسلحة تحت سيطرة تامة من الجيش العربي السوري، وأنها ليست بالقدر والحجم اللذين وصل إليه التهويل الإعلامي والسياسي إلا أنها ذكرت سورية في بيان صدر عن الوزارة جاء فيه: "نريد أن نشدد على أن سوريا انضمت في العام 1968 إلى بروتوكول جنيف للعام 1925 الذي يحظر استخدام الغازات الخانقة أو السامة أو أي غازات أخرى من أي نوع.. إن روسيا استمعت باهتمام إلى تصريحات ممثل عن وزارة الخارجية السورية أثناء مؤتمر صحافي في 23 تموز الحالي في ما يتعلق باحتمال استخدام سلطات البلاد للأسلحة الكيميائية في حال عدوان خارجي.. إن الجانب الروسي ينطلق من مبدأ أن السلطات ستواصل التزامها التام بتعهداتها الدولية." أما إسرائيل فبدأت تستعد لتدمير مخزون الأسلحة تلك، وسيكون لها الحماية الدولية التي تحتاج إليها كما فعلت دائماً. وبينما قام بيني غيتس رئيس أركان جيش العدو الصهيوني " بصب الماء البارد على الرؤوس الحامية في الكنيست"، كما يقولون كان يستعد عملياً للتحرك على الأرض.  
 لقد وضعوا سورية في زاوية، ولن يجدي ما قدمته على أنه تصحيح لتحريف تم لما قاله الناطق الصحفي من قِبَل وسائل إعلام انتهجت هذا النهج وبالغت فيه، فقد انسكب الماء على الأرض والماء لا يلم إذا انسكب. والذين اختلقوا موضوع أسلحة الدمار الشامل العراقية وشنوا حرباً مدمرة على العراق بذرائع مختلَقة تماماً، لديهم اليوم " جملة غبية " لناطق صحفي، وكلام لسوريين معارضين كان أهمهم لواء في الجيش العربي السوري حدد مواقع بأرقام وكميات عن أسلحة استراتيجية قال إن سورية تملكها وتسعى لتطويرها منذ سبعينيات القرن الماضي"، وفي ذلك ما فيه من سلبيات وإساءات بالغة مما يقدر حجمه وآثاره المختصون في المجال العسكري والاستراتيجي على الخصوص، حيث يعتبر ذلك من أسرار الدولة والجيش.

هل ذلك الذي حدث من النظام والمعارضة، بالتركيز السياسي الإعلامي والزحلقة الإعلامية السياسية.. مقصود ومخطط له وتم بوعي تام لأبعاده وانعكاساته؟ لا يمكن إلا أن أفترض بعض الذكاء في من يقومون بهذا الفعل، وإن كنت أظن أنه أدنى من ذكاء من يحرك ويستخدم ويخطط ويوجه، ممن يترصدون سورية نظاماً ومعارضة لأنها هي المستهدف بالنتيجة. إن هذا التوجه، بصرف النظر عن خلفياته لا يمكن إلا أن يخدم جهة واحدة هي إسرائيل، ولا يحقق سوى أهداف إضعاف سورية اياً كان من يحكمها أو من سيحكمها.. وهو توجه يعمل على إجبارها مستقبلاً على قبول ما كانت ترفضه منذ عقود من الزمن وتتحمل في سبيله الكثير. ولا يمكن أن يدخل في حسابات من يحكم سورية أو من سيحكمها أي " السلطة والمعارضة" اللتان تتناحران دموياً للوصول إلى البقاء في الحكم أو الوصول إليه، لا يمكن أن يدخل في حساباتهما استعادة القدرة على امتلاك سلاح ردع للعدو الصهيوني إن هو دمر ما لدينا من سلاح، وذلك في وقت منظور.. لا سيما في ظل ما هو قائم وما هو منتظر، وما يمكن أن يتغير في عالم اليوم، وفي المدى المنظور، بعد الدمار والخراب والخسائر المادية والمعنوية والجراح التي لحقت بالبنية الاجتماعية والنسيج السكاني والمفاهيم السليمة للوطنية على الخصوص.. لقد أضحى الوضع اليوم في حكم الاستهانة المطلقة بقوة الوطن ومقدراته ومصيره ومستقبله، حتى لا نقول الاستهانة بالتآمر عليه في هذا الباب، سواء أوعي من يقوم بذلك وقصد أم أنه لم يع ولم يقصد.. إن سورية اليوم في خطر أشد من خطر صراع دام على السلطة بين فرقاء من أبنائها، وهي في فوهة احتمال الدخول في مجهول بل مجهَل، إذا لم يتم التفاهم على مبدأ تداول السلطة وفق أسس دستورية وقوانونية وعقلانية ومنطقية يؤدي إليها حرص الأطراف المعنية على ما تبقى من سورية. إن انتقال السلطة بالقوة سيفتح باب القوة من جديد لانتزاع السلطة، وسيؤدي هذا إلى صراع عليها يتجدد باستخدام القوة، ويدوم زمناً ويكون مكلفاً إلى أبعد الحدود، ويفاقم من إضعاف البلد والشعب. وتلك دوامة دامية لا يطيقها الشعب، صاحب السيادة والقرار، ولا يقبلها ولا يجوز أن يحاصَر بخيارات من هذا النوع فقط.

إن الخوف قائم من أن نصبح جميعاً ممن يرقصون على جثة سورية الوطن وسورية الشعب، أعني بذلك الذين يحكمون سورية والذين يسعون إلى حكمها والصامتين والخائفين والمشردين في ربوعها وخارج ربوعها من أبنائها.. إننا نغرق أو نكاد في حرب أهلية ذات أبعاد وأهداف لا تشرف أحداً ولا تبقي على أحد، ونكاد ندخل مرحلة تقاسم البلد الصغير ذي الطموح القومي الكبير، أو الذي كان ذا طموح قومي كبير، ونفتح الباب أمام من سيدمر أركان قوتنا على رؤوسنا.. فهل يعقل هذا؟ وهل تصور سوري مخلص لبلده وأمته، وعلى قدر من الوعي والقيمة، أن نصل ويصل بلدنا إلى ما نحن عليه اليوم؟! اللهم ثبت علينا العقل والدين، وأعد إلينا الرشد والبصر والبصيرة، وآمنا في بلدنا من بعد جوع وخوف، إنك على كل شيء قدير.

27 تموز 2012

                             علي عقلة عرسان

انشر عبر