شريط الأخبار

أين كنت في الجيش يا مصطفى؟ -هآرتس

01:05 - 04 حزيران / يوليو 2012

بقلم: تسفي برئيل

          (المضمون: الجيش الاسرائيلي بطبيعته الحالية أداة لتصنيف المواطنين في اسرائيل الى أخيار وأشرار والعرب بالطبع في جانب الأشرار لأنهم لا يخدمون في الجيش. فينبغي تغيير صبغة الجيش هذه ليصبح جيشا مختصا مهمته حماية الوطن فقط - المصدر).

          "هل كنت تؤجر عربيا شقة؟"؛ "هل كنت تؤجر عربيا خدم في وحدة مختارة، شقة؟". ان الاجابة المتشابهة عن هذين السؤالين تعرض الخدعة الكبيرة التي تسمى "بوتقة صهر الجيش الاسرائيلي"، برمتها. ليس الجيش فقط جسما انشأته الدولة لحماية حدودها، بل هو وكيل اجتماعي (واقتصادي) خولته الدولة صلاحيات منح نعت المواطنة الجيدة. فالحقوق الأساسية كمخصصات التأمين الوطني واماكن العمل المفضلة، والأجرة الدراسية المتدرجة، تُحدد بحسب الاشارة المناسبة في الاستمارة التي فيها السؤال الذي يُفرق بين مواطنين أخيار وأشرار وهو "الخدمة في الجيش". وتحدد قائمة الحقوق هذه أصلا ايضا المكانة الاجتماعية والاقتصادية الى يوم موت المواطن.

          والنتيجة هي ان الخدمة في الجيش الذي حظي بالمهمة الوطنية التي هي انشاء مواطن اسرائيلي جديد مصهور، يمتزج في كيانه كل الثقافات والهويات في هوية واحدة، قد أصبح هو نفسه آلة تصنيف عظيمة تقرر من يستحق نعت مواطن ومن لا يستحقه. ومن لم يجتز في آلة التصنيف يُطرح في حاويات القمامة المدنية. وتعمل آلة التصنيف على العرب بصورة أكثر اعوجاجا، فهم في البداية يُصنفون ما بين عرب أخيار – الدروز والشركس والبدو – يخدمون في الجيش، وعرب أشرار – وهم الباقون جميعا. لكن حينما يُسرحون من بوتقة الصهر يعودون ليصبحوا "عربا" لا تساعدهم الخدمة في الجيش على استئجار شقة في حي يهودي.

          لكن من الذي يتحدث أصلا عن "صهر" العرب في المجتمع الاسرائيلي؟ فقد حل محل هذا المصطلح مصطلح "التساوي في العبء". فطلب "التساوي في العبء" يُسمع بصورة أفضل وليس مهددا مثل "بوتقة الصهر"، التي قد تنشيء صنفا مسموما من عرب يشبهون اليهود، وهو يشبه لحافا يستطيع كل المواطنين ان يشعروا تحته لا بأنهم متساوون في واجباتهم بل يضاف الى ذلك ايضا ان يجربوا "التجربة الشعورية الاسرائيلية" المازجة.

          يحاول هذا التصور زيادة على التناقض الراسخ فيه – لأن من يطلب ذلك يقرر في واقع الامر ان اسرائيل هي دولة كل مواطنيها ولهذا فانها لا تستطيع بعد ذلك ان تتمسك بشعار "دولة يهودية وديمقراطية" – يحاول ان يلغي قسرا الفروق الحضارية والعرقية والعقائدية التي تميز مجتمعا متعدد الثقافات، مجتمع تعترف فيه الأكثرية بالفروق الراسخة بينها وبين الأقليات فيه، دعْ أن ذلك المجتمع قد أسهم اسهاما كبيرا في التمايز القومي لتلك الأقليات.

          ان ما يصح على العرب يصح على الحريديين ايضا. والفرق بينهما هو في صورة نظر الاجماع الاسرائيلي اليهودي اليهما. فالمجتمع اليهودي في اسرائيل مستعد لأن يتحمل بل ان يؤيد عدم خدمة العرب في الجيش في حين يُرى رفض اليهود الحريديين الخدمة في الجيش خيانة للوطن وخطيئة على المواطنة. لأن عدم رغبة العربي في الدفاع عن يهودي أمر "طبيعي" لكن من غير المحتمل ان يرفض يهودي الدفاع عن يهودي. ولهذا يجوز ايضا ان نرتاب في أن التخلي للعرب عن الخدمة العسكرية غير متصل فقط بتصنيفهم على أنهم طابور خامس بل يتصل ايضا بصورة تعزيزهم لشعور الوحدة اليهودية في اسرائيل. وهنا يكمن تناقض منطقي أصعب: فالذين يطالبون بترك العرب وشأنهم يُعظمون ويؤبدون تمايزهم، والذين يطلبون ان يشملهم قانون الخدمة الالزامية قد يصدم سور عداوة تُغذي التمايز أكثر. وستكون كلفة التساوي في العبء في الحالتين غير محتملة.

          يمكن التغلب على هذا التناقض المنطقي بطريقتين، فبدل الحديث عن التساوي في العبء أو عن "الخدمة الوطنية" يحسن ان يتم تبني تعبير "التكافل المدني". وليس الحديث عن خدعة لغوية بل عن نقل مركز الادعاء على العرب من "عدم الولاء للدولة" الى طلب المشاركة بين المواطنين. لكن العلاج الجذري سيأتي مع تغيير التصور لجوهر الجيش وصبغته وهو تغيير لا يتعلق بالعرب بل باليهود خاصة، وهو يقتضي انشاء جيش مختص تتعلق مكانته الجليلة بقدراته على مجابهة تهديدات من الخارج لا بقدراته باعتباره وكيلا اجتماعيا أو تربويا، ويكون جيشا يغربل في حرص في صفوفه وأجوره المستحقين والمطلوبين، ولا يكون بوتقة يُوسم بها الوعي المدني أو الهوية الجماعية.

انشر عبر