شريط الأخبار

فيا وطناً.. علي عقلة عرسان

01:44 - 01 تشرين أول / يونيو 2012

 

حين تتكلم عن مذبحة يذهب ضحيتها أبرياء معظمهم من الأطفال والنساء، بوصفها عملاً سياسياً، أو مقدمة لعمل سياسي أياً كان.. فإنك تسقط في التزوير والتشويه وانعدام الحس الإنساني السليم، فالمذبحة، أية مذبحة من هذا النوع هي وحشية فريدة في بابها.. إنها دماء وأرواح وحيوات وحقوق وأجساد تباد بحقد أعمى، وتستهدف الناس كافة بوصفهم مستهدفين في وجودهم وإنسانيتهم لمجرد أنهم يمكن أن يكونوا وقوداً للفتنة ومادة للتعبير عن الحقد.. والمذبحة تقدم صورة مرتكبيها بوصفهم "بشراً" في مكان وزمان محددين، انسلخوا عن مقومات الجنس البشري وقيمه، وانحطوا إلى درك أدنى من الوحوش، وتردوا في هوة لا نهاية لانحدارها. وذاك الفعل الإجرامي " أي قتل البريء" ينحدر بمن يقوم به إلى مستوى تجريده من الإنساني والأخلاقي والديني والوطني، وتصنيفه نوعاً خاصاً من المخلوقات تفتك لتفتك فقط.

المذبحة الفظيعة التي جرت بعد ظهر الجمعة 25 أيار/مايو 2012 في الحولة وتل دوّ والشومرية من أعمال محافظة حمص ليست الأولى في سورية أثناء أزمتها الراهنة ولن تكون الأخيرة، ولكنها تأتي في سياق توظيف سياسي يجعلك تحتقر السياسة، وترمي إلى أهداف أياً كانت تجعلك تحتقر مرتكبيها وأهدافهم وكل ما يتصل بذلك الفعل الشنيع من قريب أو بعيد. تسعة وأربعون طفلاً وأربع وثلاثون امرأة لا ذنب لهم يقتلون إما بالسلاح الأبيض، أو بالرصاص عن قرب، أو بالقذائف؟!.. أية فظاعة ووحشية تكمنان في استهداف للبراءة والحياة من هذا النوع، وأية استهانة بالدم البشري وبإنسانية الإنسان.؟!

المرعب في هذا الحدث الذي أشير إليه، من خلال مجرياته ومتابعات له وتوظيفه وتراشق الاتهامات بشأنه وما بني ويبنى عليه من مواقف وسياسات وتوجهات وخطط وقرارات، بقصدية فاقعة.. أنه يأتي في إطار توظيف سياسي أو يرتبط بسياسة وتوظيف سياسي.. وإذا كانت مادة السياسة هي الدم البريء فلا بوركت ولا كانت.. فالفهم المنطقي ووالعقلاني والبعد الأخلاقي والإنساني للسياسة أنها لخير الناس والحفاظ على حياتهم وتقديم العون لهم على الحياة والتقدم في معارجها وحمايتهم من جوع وخوف وحماية الأوطان لتكون ديار أمان.. إلخ، وليست فتكاً بهم لتحقيق أغراض، وإمعاناً في الإرهاب والرعب والدموية المتوحشة للوصول إلى السلطة أو للاحتفاظ بها، أو لركوب رقاب أكبر قدر من الناس وتطويع إرادة البلدان وقهر الشعوب بالشطارة " والفهلوة".

ليست المذبحة التي جرت في القرى الثلاث من أعمال محافظة حمص السورية أبشع جرائم العصر، ولا هي أفظع مذابحة من حيث المدى والشمول وعدد الضحايا وكوامن الأحقاد والأهداف.. ولكنها مأساة قاسية على الضمير وبشعة بكل المقاييس، من حيث كونها أو كون أية مذبحة غيرها تعرض لو بريئاً واحداً لمصير من هذا النوع، في سياق أحداث وتحقيقاً لأهداف من هذا النوع أيضاً.

وللذين لا يرف لهم جفن، وهم يتحدثون عن هذا النوع من "البطولات!؟"، ولا عندما تذكر لهم الفتنة والحرب الأهلية أو يذكَّرون بهما وبما تجرانه على البلاد والعباد من كوارث، لأولئك الذين سمعوا على الأقل بمذابح أكبر، وما زال يصل إليهم صداها على نحو ما، أقول: فكروا بسواكم ممن يصبحون وقود نار الفتنة التي توقدون، ومادة الحرب التي تثيرون، ممن لا ذنب لهم ولا يريدون الدخول في هذا الباب، وليس لهم ولا لوطنهم ولا لأمتهم مصلحة في الموت والتدمير والفوضى والطغيان والتردي في المحن والوقوع في قبضة الأعداء.. فكروا بمن يكدحون ليعيشوا، ويعانون ليتنفسوا بحرية وراحة وأمان، وبمن يتشردون ويخافون في نومهم مثلما يخافون في يقظتهم من جراء الأحداث المؤلمة.. ويصرخون ولا يستمع أحد لصوتهم، وهو ينادون بغير ما ينادي به من يركب رأسه أو يتاجر بالمآسي البشرية ويمضي إلى ساحات الدم والفوضى والفتنة والحقد نافخاً أوداجه، ليحقيق أهدافاً سياسية أو مصالح له أو لسواه، على جثث الأبرياء ومصالح الناس وحياة الأوطان وكرامتها وحقوقها واستقلالها ومنعتها.. فكروا بالأبرياء الذين يعانون الأمرين.. إن كل ادعاء مهما كبر وارتفع وترفع يسقط عند عتبة الحياة عندما يستبيحها، وعند عتبة دم الأبرياء عندما يرخصه ويخوض فيه.. ويصبح الادعاء ممجوجاً ومفضوحاً وأكثر فجاجة وفجوراً وأشد نفاقاً وإيلاماً وفجيعة عندما يدعي صاحبه أنه يفعل ذلك من أجل الوطن والناس في الوقت الذي يدمر فيه الوطن ويقتل الناس؟ ومن عجب الادعاء أن صاحبه يدمر الوطن ليبنيه، ويقتل الناس ليحيهم؟! " عجبي.." !؟ وهو ليس بمستطيع.. قد يقتل، وأثبت أنه قادر على ذلك، ولكنه لا يحيي ولن يحيي بمعنى بعث الروح في الجسد وإعادة الحياة لجثة همدت.. إنه يشقيهم بذريعة إسعادهم ولكنه لن يسعدهم بمال الآخرين وبمشروع مارشال وبوعود من تدفق المن والسلوى، لأن من يدخل الناس في الشقاء أولى به ألا يدخلهم فيه، ومن يفعل ذلك لا يملك أن يخفف من الشقاء لأنه ليس بمستطيع فالشقاء مثل الحرب تعرف متى تبدأ ولكن لا تعرف متى تنتهي ولا كيف، وفاقد الشيء لا يمكن أن يعطيه، فمن يشقي يشقي فحسب.. وإن ادعاء القائلين بجنة عدن تأتي على أجنحة الفتنة والموت هو الادعاء الأجوف بعينه، وهو الذهاب في أبوابه ومساربه بعَمَهٍ إلى مدى الصلف الذي يجر الإفلاس والتلف، ولن ينفع صاحبه ولا الناس ولا الوطن أبداً.. ومن أسف أن من يرفع الادعاءات الكبرى في فضاء وطننا وعند أسماع شعبنا لا يعاني ما نعانيه، ولن يتعرض لما نحن فيه ولا لما يمكن أن نتعرض له إذا وقع الأسوأ لا سمح الله.. لأنه وراء الخطر وفوق الحاجة. ومع كل هذا القول الذي نقول، والمعاناة التي نرفع عقيرتنا بها وبسببها، سيبقى في البقاع شقاء ويبقى في الأرض ادعاء، ويبقى فتك وتسيل دماء على الرغم من كل معاناة وقول.. أما نحن فلا نملك إلا أن نرفع صوتنا لعلهم يسمعون.. ولمن يعنيهم أو قد يعنيهم هذا الأمر، أمر الناس والوطن، سواء أكانوا في بؤرة الاستهداف أو خارجها، من الذين يستهدفون الوطن والناس أو ممن يقعون في دائرة الاستهداف.. نقول:

نحن نصرخ وأنتم لا تسمعون، نحن نكتب وأنتم لا تقرؤون، نحن نعاني وأنتم لا تشعرون..!! ماذا نفعل كي يصل صوتنا إليكم فيتوقف الاقتتال وتبادل الاتهام، ويصبح الوطن لكم جميعاً، لنا جميعاً، بيتاً.. وإرادة الشعب ومصلحته سقفاً وحاكماً؟! هل نحمل طبولاً ومزامير ونقف عند مفارق الطرق وعتبات البيوت ونطوف العواصم لنقول لكل من يعنيه الأمر ويدخل فيه بصورة مباشرة أو غير مباشرة: نحن هنا لا نريد الفتنة والموت والاقتتال والهلاك واستعداء الأعداء على الآباء والأبناء؟!كيف نجبركم على السماع والقراءة وأنتم لا تسمعون إلا أنفسكم وقليلاً ما تقرؤون؟ هل نجبركم على الإنصات والإنصاف.. كيف وبأية وسيلة؟! إن الصوت المؤثر هو صوت الحكمة وصوت الضمير والعدل..  وصوت العقل والشعب قبل كل شيء.. وإذا لم يُسمَع الصوت فليس البؤس في الصوت..وإنما البؤس في المدى والصدى والفضاء والآذان والقلوب والضمائر والبصائر.. كل من يعنيه شأن الشعب والوطن وحفظ حياة الناس وعيشهم بأمن وحرية وكرامة واستقرار.. عليه أن يصغي إلى الآخر الذي يجده في نفسه حين يتخلص من التورم الذي يمرِض نفسه، فيشفى ويحسن الإصغاء لذاته المعافاة، وعليه يتقي الله في نفسه وفي سواه.. والتقوى حكمة ومعرفة وفهم وإدراك وتبصُّر ومسؤولية ومناقب وقيم.. مما يقوم عليه كله الإيمان ولا يقوم بسواه، حيث يتميز المخلوق الإنسان عن سائر المخلوقات، ويتميز إنسان عن إنسان.. فلنحذر فلسفة وسياسة تذهبان بالأحياء إلى الموت بالجملة، وتفنى في ظلهما إنسانية الإنسان.. ولنخش مكابرة تقود إلى التهلكة؟ قد تسمعون وقد لا تسمعون ولكنا لانملك إلا أن نصرخ وأن نكتب وأن نقول.. فهل نملك يا ترى ألا أن نفعل ذلك وقد بلغت القلوب الحناجر، ونشب السكين في الحلق، وركب فرسان الفتنة خيولهم المطهمة وأخذوا يجوبون البلاد، وأصبح أوار النار على مسافة من كل نفس ودار.؟! كلا لا نملك أن نسكت، ولا يجب أن نسكت.. فإذا كانت الشاة تثغو عند الذبح أفلا يكون من حق الإنسان أن يصرخ عندما تصبح السكين على نحره؟! إن من حق الفرد ومن واجبه، ومن حق الشعب ومن واجبه.. أن يرفع صوته باسم الحق في الحياة، وباسم القيمة التي للإنسان في الوجود، وباسم الوطن الذي لا غنى للإنسان عنه ليعيش في دائرة أمنه والحدود.. ومن حق المواطن في الوطن ومن واجبه أيضاً أن يرفع صوته، وأن يُحترم رأيه إذا شكل رأيه جزءاً من رأي أكثرية على نهج قويم.. وليس من حق أحد أن يفرض على شعب الفتنة والتبعية والاقتتال والهلاك، ولا أن يسلم بلداً عامراً موحداً إلى التفتيت والدمار من أجل أي غرض كان وتحت أي شعار كان.. فمهما كان أمر أي بلد فهو لشعبه الذي ليس له إلا بلده داراً ومستقراً ومأمناً وملاذاً، ومهما كانت شكوى أي الشعب في بلده يبقى له بلده ليس إلا، ومن حقه أن يكيفه ويتكيف معه ليحيا، وحتى لو شكا وبكى فيه فإنه لن يشعر بالاستقرار إلا فيه أولاً وله وعليه أن ينشد الأمان والحرية والعيش الكريم فيه ثانياً بما يبقي عليه حياً وعلى الوطن سيداً مستقلاً موحداً ومستقراً.. وأياً كان الحاكم وطالب الحكم فهما في خدمة الشعب والوطن وليس العكس.. ومن ألم وحرقة وبؤس أن يقول المرء منا، وهو في خضم انسكاب الدم واستعداء الأمم على الشعب والوطن الأم.. 

فيا وطناً كاحتراق الشموع،

لنا منه فيض الدما والدموع،

ولنا في أرضه أن نجوع..

متى يستوي الناس في ضفتيك..

ويأمن طيرٌ، وتأمن دار..

وتصبح للعدل نور النهار..؟!

وكنت الأمان، وكنت المنار.؟!

 دمشق في 1/6/2012

                                                 علي عقلة عرسان

انشر عبر