شريط الأخبار

هل يُعيد حزب الله صياغة رؤية الإسرائيلي لنفسه؟..محمد فضل الله

05:34 - 15 تموز / مايو 2012

هناك مقاربتان للعلاقة بين الحرب واللغة. الأولى هي تقصّي اللغة المستخدَمة في الحروب وموقعها. هنا يمكن التساؤل مثلاً ما إذا كانت الحرب هي امتداد للسياسة بوسائل أخرى (كلاوزفيتز) أو السياسة هي امتداد للحرب بوسائل أخرى (فوكو)؛ وما إذا كان ممكناً استبدال مجموعة من الكلمات بمجموعة من البنادق؛ أو تتبُّع تطوُّر الأدبيات المرافقة لكل مرحلة من مراحل الحرب... لكن المقاربة الثانية أكثر إثارة: تبادل الطلقات والنيران باعتباره نظاماً رمزياً يمكن تحليله كما اللغة. كان كلود ليفي ــ ستروس يَعتبر أنّ تبادل النساء والهدايا ومجمَل الممارسات الاجتماعية هي نظام تواصل وتداول يمكن تحليله كما لو أنّه تبادل لغوي. بهذا المعنى فإنّ الأسلحة المتطورة هي تراكيب دلالية معقّدة، والحصول على أسلحة أكثر تطوراً هو امتلاكٌ لموقع تواصلي أقوى، في نظام التبادلات الرمزية. هناك مساحة ثالثة، وهي الخطاب حول السلاح. هنا تَلتقي المقاربتان.
لا يتعلّق الأمر هنا بالمرافعات التي يُلقيها أطراف المعركة لتبرير دوافعهم. الأمر يتعلق بجهاز تبادل خطابي مادته هي السلاح بالضبط، بحيث يصبح ذِكر أُسُس الصراع هامشياً. حديث السلاح يتضخّم إلى حدّ يَستبطن داخله مجمَل نظام الإشارات الحضارية والإشكالات والرهانات التاريخية المؤسِّسة للصراع.
الحديث عن سلاح حزب الله بات نظاماً تواصلياً متضخّماً. هناك النصوص التي ترحّب وتندّد بهذا السلاح، نصوص تتنبّأ بحجم هذا السلاح وتطوره وتموضعه وشروط استخدامه الإقليمية والدولية ومدة صموده ومستوى الجهاز البشري المشغِّل... إضافة إلى مناورات خطابية معقّدة من قِبَل الحزب تَكشف وتَكتم المعلومات حوله.
السلاح لم يعد للتهديد فقط. تطوُّر السلاح أصبح شأناً حضارياً. امتلاك سلاح متطوِّر هو إشارة إلى تقدُّم حضاري، وإلى قدرة أي مجموعة على تحقيق تنظيم كانت متهمة سابقاً بالعجز بنيوياً وفكرياً عن تحقيقه. عبارة «حرب الأدمغة» أهم لدى حزب الله من الأسلحة نفسها: إنّها استعادة للثقة الحضارية بالنفس (عبارة «استعادة» إشكالية بالطبع).
لكن ماذا عن تفكيك منطق الخصم؟ لا إسرائيل ولا حزب الله يقومان بذلك. فخطاب السلاح يَشغل فعاليات التداول كلها.
اليوم يَستمع أصحاب القرار في تل أبيب، والجمهور الإسرائيلي عموماً لخطابات السيد حسن نصر الله. هذا الرجل قادرٌ على تنفيذ ما يعد به؛ إنّه العربي الوحيد الذي تُصغي إليه إسرائيل. اهتمامنا بالاستماع إلى طرفٍ ما يتزايد مع تزايد قدرته على تهديد وجودنا الفيزيائي. مع تغيُّر علاقات القوة، فإنّ قناة الاستماع باتت مفتوحة بعكس العقود الماضية، حين كان الإسرائيلي غير مستعدّ لإضاعة الوقت في الاستماع لعربي. السؤال التالي هو: ماذا يمكن أن نَملأ هذه القناة؟ يمكن الخطاب التهديدي المقرون بالصدقية أن يؤتي ثماراً. هذه بروباغندا تقليدية. لكن هناك مستوى أكثر تطوراً من الخطاب: أن نُعيد صياغة رؤية الطرف الآخر لنفسه. هناك خطاب يَدفع المدروسَ إلى تغيير رؤيته لذاته. فقط الخطاب المقرون بالقوة الحقيقية يمكنه تحقيق ذلك. ليس من داعٍ هنا لكتابة ادوارد سعيد مجدداً.
هل يمكن حزب الله أن يُعيد صياغة رؤية الإسرائيلي لنفسه؟ اليوم، وليس بالأمس، هذا ممكن. طبعاً، يتوقّف ذلك على مدى الجهد الإبداعي الذي سيُصرَف على ذلك.
رغم كل ما تسعى إسرائيل إلى بثّه حول تفوّقها النوعي، فإنّ تجربتها حتى الآن تُشير إلى إخفاقات كبيرة في التفكير الإبداعي والاستراتيجي. خلال ثمانية عشر عاماً من احتلالها لجنوب لبنان، كان يمكن لإسرائيل أن تَستجلب إلى جامعاتها ثلاثة أجيال من الشباب اللبنانيين المتفوقين في الشريط الحدودي المحتلّ. وبما أنّ الجامعات الإسرائيلية متقدمة، بفضل علاقاتها الأميركية والأوروبية، فإنّ ذلك كان سيَجعل أفضل الأطباء والمهندسين والاقتصاديين اللبنانيين هم أولئك الذين دَرسوا في إسرائيل. هل يمكن تقدير حجم الضرر الوطني اللبناني لو كانت إسرائيل قد فَعلت ذلك؟
من جهة أخرى، ليست هناك قناة إسرائيلية باللغة العربية تَجذب الجمهور العربي، لا سياسية ولا ترفيهية ولا رياضية. لقد رأينا الإعلام الإسرائيلي خلال حرب تموز 2006 في أسوأ حالاته. لم تتمكّن إسرائيل من زعزعة خيارات ولو شريحة من جمهور المقاومة، وكانت الرسومات الورقية التي رمتها طائراتها دلالةً على قحط في الإبداع السياسي الإسرائيلي.
كنا قد طَرحنا قبلاً إشكالية عدم مساهمة حزب الله في اقتصاد الأفكار والمصطلحات في المستوى العربي. إسرائيل أيضاً ليست مساهماً؛ إذ يبدو أنّ العقل الأمني هو ذاته في كلٍّ من إسرائيل وحزب الله. كثيراً ما يصبح الأعداء متشابهين بعد طول الصراع.
لكن اليوم هناك فرصة لحزب الله للمساهمة في اقتصاد الأفكار والمصطلحات الإسرائيلية وأن يُدير الكلام عن إسرائيل والصهيونية، بحيث يَرجع الإسرائيلي إليه حين يَتفكَّر ذاتَه.
دراسات حزب الله عن إسرائيل هي بمجملها دراسة أساطيرها الدينية والشخصية اليهودية وبُنية إسرائيل الاجتماعية والسياسية... وهي ذات طابع أمني استعلامي في الأغلب. ولكن ليس هناك بعد «صهيونولوجيا» «Zionology». حين تَبتكر حقلاً، تَمتلك السلطة عليه وعلى حيوات أفراده حتى، فتُعيد تشكيلهم وفق تصوراتك. ليس هناك نصر يتفوّق على نجاحك في صياغة الفرد لرؤيته لنفسه.
إحدى مزايا «الصهيونولوجيا» هي أنها ذات روابط عالمية تمتدّ حيث يوجد نفوذ يهودي. كذلك لا يزال مجال الدراسات اليهودية «Jewish studies» خالياً من «الأسماء الكبيرة»، وهذه فرصة لفرْض نظام ما في هذا الحقل.
بعيداً عن الشيطنة (كما فعل السوفيات)، على «الصهيونولوجيا» أن تكون حقلاً ما بعد حداثي، يُبدِع لوجستياً في تَفكُّر الآخَر. حقلاً بدون الأوهام العلموية للقرن التاسع عشر. سيؤرَّخ للـ«صهيونولوجيا» باعتبارها أول ذات تُولَد في المجال الإعلامي.
هناك الكثير ليُقال في «الصهيونولوجيا». ولادة قسمة يهودية جديدة، مثلاً. ليست قسمة أشكيناز/سفرديم التقليدية، بل قسمة اليهود الإسرائيليين/اليهود غير الإسرائيليين؛ بالذات يهود إسرائيل مقابل يهود الولايات المتحدة.
فيهود إسرائيل هم مجتمع شديد العسكرة والاعتماد على مخططات الدولة، مجتمع تَرتفع فيه نسبة التديُّن ويَنخفض فيه الإنتاج الفكري، كما تَنخفض «الروح» التجارية التي اتسم بها اليهود تاريخياً. ولهذا الأمر تداعياته. منذ تأسيس دولة إسرائيل، التي تَحوي أربعين في المئة من يهود العالم، حصل 131 يهودياً على جوائز نوبل، بينهم ثمانية فقط إسرائيليون، ثلاثة منهم حازوا نوبل للسلام. ودولة إسرائيل هي من أكثر الدول «الغربية» فساداً. وفي حربه الأمنية مع إسرائيل، اكتَشف حزب الله حقائق تتعلّق بالاحترام الإعلامي دون الواقعي للمواطن في إسرائيل.
علينا بالدرجة الأولى التفكير ليس في الأساطير المؤسِّسة لإسرائيل، بل بالمخاوِف المؤسِّسة لإسرائيل. قد يتطلّب ذلك حتى التفكير بمخرج لمآزق الذات الإسرائيلية الكثيرة. براغماتياً، سيمكّن ذلك من حكم الفرد الإسرائيلي في تصوُّره لذاته. إسرائيل هي مشروع استعماري، ولكن ليس لهذا السبب يُقاتِل جنودُها.
حين تُفتَح قناة إعلامية عبرية، سنَكتشف أنّ الفكرة الصهيونية أكثر هشاشةً مما يُعتقَد. ومع رجل قوي لا تعوزه الخطابة، كالسيد نصر الله، ستكون النتائج مميّزة ولا شك. طبعاً، على القناة أن تكون قريبةً من حزب الله وليست جزءاً منه. أن تكون قادرةً على توجيه النقد لحزب الله، وفي الآن نفسه تفكيك الذات الإسرائيلية.
بمناسبة اثني عشر عاماً على تحرير جنوب لبنان، بات ضرورياً إطلاق قناة عبرية، مقدمة لـ«صهيونولوجيا»، أول ذات ما بعد حداثية تولَد في الإعلام، تُعيد خلط التصورات.
*صحافي لبناني

انشر عبر