شريط الأخبار

بروتوكولات مروان البرغوثي.. بقلم: عاموس هرئيل وآفي يسسخروف..هآرتس

03:27 - 20 تموز / أبريل 2012

(المضمون: محاضر التحقيق ومذكرات كتبها المحققون لدى التحقيق مع مروان البرغوثي بعد اعتقاله في اطار حملة "السور الواقي" لسحق الانتفاضة واعادة احتلال المناطق - المصدر).

          على مدى السنين يوصف بانه الامل الاكبر للوطنية الفلسطينية، خليفة ممكن لياسر عرفات ومحمود عباس (ابو مازن) الرجل الذي قد ينقذ سكان الضفة الغربية من العناق المشتد للاسلام الراديكالي. غير قليل من السياسيين الاسرائيليين يتحدثون ثناء على مروان البرغوثي. بل ان بعضهم حج الى أمين سر التنظيم السابق في زنزانته في السجن، وهو الذي يعتبر كبير سجناء فتح المسجونين في اسرائيل. آخرون يرون فيه بالونا منتفخا، قيمته الانتخابية ستخبو ما أن يتحرر من سجنه.

          في شهري نيسان – ايار 2002، فور اعتقال الجيش الاسرائيلي للبرغوثي في حملة "السور الواقي" حققت معه المخابرات في المعتقل في المسكوبية في القدس. الوثائق التي توثق التحقيق، والتي تنشر هنا لاول مرة انكشفت في مداولات قضائية تجري هذه الايام في دعوى تعويض مدنية رفعت ضد البرغوثي والسلطة الفلسطينية وعثر عليها مراسل "هآرتس" حاييم لفنسون.

          لا يدور الحديث عن سجل موضوعي تماما. هذه مذكرات سجلها رجال المخابرات في اثناء التحقيق، مسنودة في حالة واحدة ايضا بتفريغ مفصل لنص مسجل. ليس في أيدينا الاشرطة السمعية أو صور الفيديو للتحقيق. ومع ذلك، فان الوثائق العديدة توفر إطلالة نادرة على سلوك الزعيم المحتمل. برغوثي غرفة التحقيق هو ارهابي في ضائقة.

          في الوقت الذي كان يحقق فيه مع البرغوثي، كان الجيش الاسرائيلي والمخابرات الاسرائيلية لا يزالان يلاحقان مهندسي العبوات الناسفة ومرسلي الانتحاريين في قصبة نابلس وفي حطام مخيم اللاجئين في جنين. في ريشون لتسيون فجر نفسه انتحاري حماس في نادي "شبلد كلاب" فقتل 16 اسرائيليا. رئيس الوزراء، في حينه، ارئيل شارون، رفع الحصار عن رئيس السلطة ياسر عرفات في المقاطعة في رام الله، تحت ضغط أمريكي وتراجع عن نيته توسيع حملة السور الواقي الى قطاع غزة.

          المخابرات استثمرت جهدا لا بأس به في التحقيق، الذي استمر لساعات طويلة. في احدى الوثائق يشار الى أنه حضر في التحقيق "الشريف"، لقب رئيس قسم التحقيقات في حينه. محقق كبير آخر موقع على مذكرات احد التحقيقات، يعمل اليوم رئيسا للقسم. رجال المخابرات ركزوا على قناتين اساسيتين: دور البرغوثي في توجيه خلايا القتل، والاتصال الذي تم بواسطته بينها وبين عرفات. الساحة الاسرائيلية طورت هوسا بالنسبة لعرفات. في اسرائيل بحثوا عن أدلة على اتصال مباشر بين الرئيس والانتحاريين الذين واصلوا الضرب في المدن. هذا الجهد استمر، عبثا، حتى يوم وفاة عرفات.

          البرغوثي يتردد في التحقيق، يتلوى، يقلص ويوسع بدلات رواياته. في نهاية المطاف يوفر للمحققين الحبل الذي سيشنقه، قانونيا. اعترافاته الجزئية، الموثقة في التحقيقات، استخدمت بعد سنتين لادانته في ثلاث عمليات: قتل يوئيلا حن قرب جفعات زئيف، قتل (عقب خطأ في التشخيص) لراهب يوناني قرب رام الله وعملية اطلاق النار التي قتل فيها ثلاثة مواطنين في مطعم "سيفود ماركت" في تل أبيب. وبرأت المحكمة ساحة البرغوثي في بنود اتهام حول المشاركة في عمليات اخرى، لم تنجح النيابة العامة في اثباتها.

          أما بالنسبة للرئيس، فقد كان البرغوثي أكثر حذرا. يبدو ان عرفات كان اذكى من ان يقع في الفخ الاسرائيلي. من اعترافات البرغوثي يتبين أن رئيس السلطة وفر مثابة توجيه عام للعمليات، ولكنه حرص على الا يدخل في تفاصيل ممكن أن تدينه. البرغوثي لم يوفر المسدس المدخن ضد عرفات، والذي بدا محققو المخابرات متحمسين جدا لايجاده.

          التحقيق يسمح بنظرة الى التغيير الذي طرأ لدى البرغوثي في السنتين الاوليين من الانتفاضة الثانية. النشيط السياسي الموهوب، الذي روج قبل ذلك بتطبيق اتفاقات اوسلو وسار في المظاهرات كتفا الى كتف مع اليساريين الاسرائيليين، انجرف عند اندلاع الانتفاضة الى عربدة الارهاب التي اجترفت المناطق. وحسب قرار المحكمة، فقد شارك البرغوثي مشاركة جوهرية في هجمة عمليات اطلاق النار (ولاحقا العمليات الانتحارية) التي بادر اليها رجال فتح.

          فقد أقام اتصالات وثيقة مع عصبة من المخربين، من رجال الذراع العسكري للمنظمة في ارجاء الضفة. والى مكتبه في رام الله جاءت مئات طلبات المساعدة من رجال فتح والبرغوثي درج على نقلها الى مكتب عرفات في المقاطعة، مضاف اليها توصياته. في بعض من الحالات استخدم المال لتمويل نشاطات الارهاب، لشراء السلاح وللدفع للنشطاء. رؤساء الخلايا اطلعوا احيانا البرغوثي على نشاطها. في حالات معينة لم يقرر سياسة الرد، وفي اخرى اطلع على تفاصيل العملية او صيغة البيان الذي يتبنى المسؤولية عن الهجوم.

          المبررات لخطوة فتح التي شارك زعيمها عرفات قبل اشهر قليلة من ذلك في محادثات السلام في قمة كامب ديفيد في تموز 2000 كانت متنوعة. في المستوى الاساس كانت الحجة الايديولوجية التي اعتقدت بانه توجد حاجة للعودة الى الكفاح المسلح بعد فشل المسيرة السلمية. وكلما تدهورت المظاهرات في بداية الانتفاضة الى تبادل لاطلاق النار مع الجيش الاسرائيلي، والتي تكبد فيها الفلسطينيون عشرات القتلى، ازدادت رغبة الثأر باسرائيل. الاسرائيليون، كما اقنع رجال فتح أنفسهم، سيتراجعون فقط بعد أن يدفعوا ثمنا أليما.

          كانت ايضا اعتبارات شخصية وتنظيمية. البرغوثي تحفز بداية من خلال المنافسة مع خصم مرير من الداخل، رجل فتح حسين الشيخ. في غضون وقت قصير اضيف اعتبار هام آخر الى الصورة: الخسائر الفادحة دفعت الى التطرف بمواقف الجمهور الفلسطيني، وقادة فتح خشوا من فقدان الشارع لحماس والجهاد الاسلامي اللتين قادتا هجوم العمليات الانتحارية.

          فتح، بقيادة البرغوثي، اجتازت خطين احمرين في شتاء 2002: رفاقه بدأوا ينفذون عمليات انتحارية (كحركة علمانية، امتنعت فتح عن ذلك في الماضي). كما عادوا الى الهجوم في نطاق الخط الاخضر، خلافا للسياسة المعلنة التي آمنت بالصراع ضد الجيش الاسرائيلي والمستوطنين فقط.

          ومع أن البرغوثي ادعى بانه هو وعرفات عارضوا ذلك، يبدو أنهما لم يتخذا خطوات لوقف الميل.

          نتائج الخطوة كانت هدامة للفلسطينيين. موجة عمليات "اذار الرهيب" (133 قتيلا اسرائيليا، معظمهم مدنيين) أدى الى قرار شارون اعادة احتلال مدن الضفة في حملة السور الواقي. اسرائيل سحقت السلطة بقيادة عرفات وهذه لم تنهض من حطامها فقط بعد سنتين ونصف من ذلك، بعد موت عرفات وتعيين عباس خليفة له.

       قائد عسكري

          في 15 نيسان 2002، هذا الاسبوع قبل عشر سنوات، اعتقل البرغوثي على ايدي قوة خاصة من مستعربي دفدفان في رام الله. وسبق اعتقاله اسبوعان من لعبة القط والفأر مع الجيش والمخابرات اطلق فيها الاسرائيليون تهديدات مبطنة بالتصفية. بعد نحو سنتين ادانت المحكمة المركزية في تل ابيب البرغوثي بالمشاركة في عمليات قتل فيها خمسة اسرائيليين واصيب عشرات. وحكم البرغوثي لخمسة مؤبدات متراكمة. وخلافا لاماله، لم يتحرر في صفقة شليط.

          واليكم اقتباسات تطرح بايجاز، من وثائق التحقيق:

       التحقيق في 21 و 22 نيسان 2002:

          محقق يدعى موفاز كتب في مذكرات التحقيق ان "الموضوع هو التحقيق في نشاطه كموجه للعمليات ضد اسرائيليين، في أنه مول نشاطا عسكريا ضد اسرائيليين وفي عمليات قتل كان مسؤولا عنها. وافاد المذكور بانه لا يعتبر قائدا عسكريا في اطار المجتمع الفلسطيني وانه رجل سياسي ايضا، زعيم ومنتخب من الجمهور. أوضحنا للمذكور بانه ليس متهما هنا في نشاط سياسي شرعي، وهو يوجد تحت التحقيق لانه خلافا لمنتخبي الجمهور الاخرين، اشتغل في العمليات".

          رجال المخابرات يقولون للبرغوثي انه في ايديهم ادلة على ادانته بالقتل. البرغوثي يرد على أنه على علم بالافادات ضده "ويعرف انها تكفي لادانته وأنه سيحكم لسنوات طويلة في السجن". "شرحنا للمذكور باننا ننسب له ذكاء ورؤيا سياسية بعيدة المدى وأننا نتوقع من شخص في مكانته ان يعرف كيف يستخلص من وضعه الحالي أقصى ما يستطيع ايضا"، كتب المسمى موفاز.

          رد البرغوثي: هو "معني بانهاء" التحقيق ولكنه يحتاج الى زمن كي يقرر كيف ينهيه.

          المحققون: نحن نفهم بانك قررت الاعتراف ولكنك متردد بالنسبة للطريقة.

          البرغوثي، هكذا في المذكرات، "أكد وقال انه يريد أن يروي عن كل نشاطه من زاوية نظره". وله فقط طلب واحد: ان يلتقي مع رئيس المخابرات في حينه، آفي ديختر، او ما نائبه (وخليفته لاحقا)، يوفال ديسكن قبل أن يعترف. "توجد امور شخص في مكانته يجب أن يحرص عليها للمستقبل، من أجل مصالحي ومصالح رجالي"، كما يمكنني أن اساعد في تهدئة الوضع الامني، يدعي البرغوثي. المحققون يطالبون بداية "برؤوس اقلام" عن الاعتراف.

          البرغوثي يؤكد انه كان على اتصال مع خلايا مختلفة من الذراع العسكري في الضفة ويعترف بان نشطاء في الخلايا طلبوا وتلقوا منه مساعدة مالية. المحققون يقولون ان في ايديهم شهادة ناصر عويس، رئيس خلايا فتح في منطقة نابلس، كان اعتقل قبل يومين من البرغوثي (وادين لاحقا بـ 14 عملية قتل)، عن مساعدة تلقاها من البرغوثي.

          المحقق معه يعترف: سلمت لعويس 20 الف شيكل تقريبا "ولكن ليس من أجل العمليات".

          المحققون غير راضين. أفدتنا بأمور عامة، يقولون للبرغوثي. من اجل افادة كهذه لن نهين أنفسنا أمام ديختر.

          "المذكور طلب الا نغضب من أنه يتحدث بشكل عام وشرح بانه يعتذر، ولكن الان عليه أن يكون حذرا في اقواله والا يعترف بكل شيء"، كتب في المذكرات. "المذكور وعد بانه ما أن يأتي رئيس المخابرات (سيعترف) في كل العلاقة بالاموال، تمويل النشاط وشراء السلاح".

          التحقيق بدأ في الساعة 18:45 وانتهى في الساعة 8:00 صباح الغد. البرغوثي، يشير المحقق، "ضُيف بعدة مرات بشراب بارد وساخن، ضُيف بصحن حمص وصحن طحينة مع خضار وخبز وكذا فاكهة".

       تحقيق في 23 نيسان:

          البرغوثي يشرح للمحققين بانه لا يزال يتردد في موضوع الاعتراف. هذا قرار شخصي، يقول. سيكون له تأثير كثير على مستقبلي السياسي. المحققون يحذرون: كلما تأخرت، الظروف ستتغير في غير صالحك. البرغوثي يرضى ويروي لهم عن عمله اليومي كأمين سر فتح في الضفة. كل يوم، يقول، يدخل الي اناس ويطلبون مساعدة مالية لاغراض مختلفة، من العناية الصحية وحتى وسائل القتال. أنا أنقل بعض الطلبات الى عرفات. وعندما اصادق على مساعدة لشراء السلاح، العنوان هو "مساعدة شخصية".

          المحققون يطلبون اعترافا على المستوى التفصيلي وليس المستوى العام. البرغوثي يقترح: اعطوني مثالا. اذا كان الاتهام صحيحا، أعترف به  وأتحمل المسؤولية، كدليل على صدق نواياي في انهاء التحقيق. المحققون يذكرون اسم ردايدة. البرغوثي يؤكد بان الرجل، اسماعيل ردايدة معروف له – تأكيد يكلفه بعد ذلك بالمؤبد الاول الذي حكم به. وحسب البرغوثي، جاء اليه ردايدة وطلب مساعدته في تنفيذ عملية انتحارية. البرغوثي قال للردايدة ان فتح لا تنفذ عمليات كهذه ولكن وجهه الى مهند ديرية، من كبار القوة 17 في السلطة، التي تعنى بحراسة عرفات. بعد وقت قصير من ذلك بُلغ ان ردايدة قتل راهبا يونانيا. كان هذا قتلا بالخطأ. رجال فتح اعتقدوا بان الراهب هو اسرائيلي، بسبب السيارة التي سافر فيها.

          "جاء اسماعيل ويقول لك: "انا يوجد معي بضعة أشخاص..." يصف المحقق الحدث للبرغوثي (والاقتباسات من هذا التحقيق تظهر بالنص الكامل، ع. ه وأ. ي)".

البرغوثي: "لا، لم يتحدث معي في شيء. آه، ربما يكون لي جملة".

المحقق: "جملة، ما هي؟".

البرغوثي: "وهو فورا خرج، هذا هو".

المحقق: "أنا أريد القيام بعمليات؟"

البرغوثي: "نعم".

المحقق: "ماذا قال؟"

البرغوثي: "انا والله لا اذكر. يعني، لا اذكر بالضبط ماذا قال".

المحقق: "قل بشكل عام".

البرغوثي: "اراد تدريبا... اراد تنفيذ عملية".

المحقق: "ركز في تفكيرك وحاول أن تتذكر".

محقق آخر: "اعطيه دقيقة. دقيقة اخرى ليفكر وننتظر".

البرغوثي: "بالتأكيد كان هذا هكذا".

المحقق: "انت تقول ان مهند (ديرية)، عرفته من القوة 17، يوجد معه أناس وهم في الماضي نفذوا عمليات".

البرغوثي: "نعم".

المحقق: "وما صلتك بمهند؟"

البرغوثي: "لا شيء".

المحقق: "إذن كيف تبعث به الي؟"

البرغوثي: "هذا معروف بان..."

المحقق: "دعك، انت تتصرف كولد صغير".

البرغوثي: "ماذا تعني؟"

المحقق: "قبل لحظة انت تقول بانهم عرفوا بانه في الماضي سبق أن نفذ عمليات".

التحقيق في 24 نيسان:

          وتتراوح التحقيقات بين تفاصيل الشبهات ضد البرغوثي، اعترافات جزئية، تصريحات سياسية وتحليلات معمقة من المحقق معه. البرغوثي يقول للمحققين انه مقتنع بان في المستقبل سيقوم السلام بين الشعبين. الانتفاضة الثانية، كما يؤمن، ستكون جولة الاخيرة لان للفلسطينيين احساس بانهم أستعادوا كرامتهم الذاتية من خلال العمليات. نشأ توازن بين الطرفين، مثلما حصل لاسرائيل مع الرئيس المصري أنور السادات مع حرب يوم الغفران.

          البرغوثي يروي "بحب شديد"، على حد وصف المحقق، عن المؤتمرات الصحفية الكثيرة التي عقدها. وهو يصف عرفات بانه قائده المباشر. "مثلا، عندما اراد الرئيس وقف النار"، كتب المحقق، "كان يتوجه الى جهات عديدة، بمن فيهم المذكور، كي يحرص على ان تتوقف النشاطات في الميدان اما عندما كان الرئيس يريد استمرار النشاطات، فهم ذلك النشطاء بمن فيهم المحقق معهم، من ردود الفعل أو من عدم ردود الفعل المعينة من جانب الرئيس".

          البرغوثي يرفض طلب المحققين الدخول في تفاصيل عن أي ردود فعل يدور الحديث. وهو يروي عن علاقاته مع احمد البرغوثي، مساعده وحارسه، الذي اعتقل معه وادين بعد ذلك في سلسلة عمليات. "المحقق معه يروي بان احمد نسق عمليا العمليات العسكرية وكان مرتبطا ببعض الخلايا، ولكن المحقق معه ادعى بانه نفسه ليس ضالعا في تفاصيل التفاصيل، رغم أنه يعلم بان احمد مسؤول عن عمليات عديدة".

          ويصف مروان البرغوثي العلاقات مع كبار رجالات الذراع العسكري لفتح بمن فيهم احمد وناصر ابو حميد في رام الله، رائد الكرمي في طولكرم وناصر عويس في نابلس.

          مروان البرغوثي روى ايضا عن وقف النار المؤقت الذي تحقق في 16 كانون الاول 2001، عند وصول المبعوث الامريكي الجنرال زيني. وبأمر من عرفات، يقول البرغوثي، نسقت وقف العمليات مع خالد مشعل من حماس ورمضان شلح زعيم الجهاد الاسلامي، كلاهما في دمشق.

          العنف استؤنف بكل قوته بعد نحو شهر، بعد ان اغتالت اسرائيل رائد الكرمي. ويعترف مروان بأنه في خيمة العزاء التي أقيمت في رام الله للكرمي قال لاحمد البرغوثي وللحاضرين بأنه يجب الثأر لموته. "وبالفعل، في نفس اليوم أو في الغداة، حرص احمد على عملية اطلاق نار قرب جفعات زئيف قتلت فيه مواطنة اسرائيلية. بعد العملية بلغ احمد المحقق معه".

          ويروي مروان بأنه نقل مالا من عرفات الى رائد الكرمي، وسلم بنفسه المال لناصر عويس. المحققون يحثونه على تقديم افادة كاملة عن دوره في العمليات. البرغوثي لا يزال يتردد، وهو يخشى من ان "التعاون في التحقيق سيكون ضده في سياق طريقه السياسي في اوساط شعبه".

          الخط الاخضر

       التحقيق في 24 – 25 نيسان

          أمين سر التنظيم يصف لمحققيه الانتفاضة بأنها "كفاح لازالة الاحتلال الاسرائيلي" وبالتوازي ايضا ككفاح في سبيل السيطرة في الشارع الفلسطيني، بين فتح والمنظمات الاسلامية. أنا، يقول، كنت مع الكفاح بلا هوادة ضد الاحتلال بكل الوسائل؛ كفاح في المناطق، ضد الجيش والمستوطنين.

          المحققون يسألون عن العملية في "سي فود ماركت". ناصر عويس من نابلس بعث بمخرب أطلق النار على نزلاء المطعم التل ابيبي وقتل بطعنات سكين مواطنين وشرطي. عرفات، يقول البرغوثي، غضب جدا من ان هذا حصل في تل ابيب. البرغوثي نفى أمام عرفات بأنه كان على صلة بالعملية، ولكنه بعث برسول الى عويس وبلغه بغضب عرفات وأمره، باسم الرئيس، بوقف العمليات في نطاق الخط الاخضر. أنا آخذ على نفسي المسؤولية الكاملة عن عمليات فتح، يقول البرغوثي للمحققين، ولكن ليس على العمليات في الاراضي الاسرائيلية.

          الانتفاضة، يقول البرغوثي للمحققين، "كان يفترض ان تكون شعبية، ولكن الامور خرجت عن نطاق السيطرة". وهو يعدد الاسباب التي دفعت برأيه الفلسطينيين الى استخدام العنف: التوسع الاستيطاني، فقدان الأمل بالسلام بعد الفشل في كامب ديفيد، عدم ايفاء عرفات بوعده بالوصول الى الاستقلال، فساد السلطة ومشكلة اللاجئين. الاضطرابات التي اندلعت في الحرم بعد زيارة شارون هناك في ايلول 2000 لم تكن على حد قوله سبب الانتفاضة، "هذه كانت القشة التي قصمت ظهر البعير".

          "في نهاية التحقيق وقبل نزول المذكور الى الزنزانة، سأل المذكور اذا كانت المذكرات التي كتبتها ستكون دليلا في المحكمة"، يكتب المحقق "إميل". "شرحت انه في اثناء تمديد الاعتقال ستكون المذكرات جزءا من المادة السرية" وسيُطارد لاحقا بعد رفع لائحة الاتهام. "المذكور رد وقال انه في المحكمة سينفي بأنه اعترف أمامي. طلبت من المذكور بأنه اذا فعل ذلك، فعلى الأقل ليؤكد أنني لست كاذبا. المذكور ضحك". التحقيق استمر 12.5 ساعة. البرغوثي، يشير إميل، "ضُيف بشراب ساخن وبارد، بساندويشين محمصين بالجبنة البلغارية، البندورة والنعنع. وضُيف باللبن".

15 قطعة سلاح

       تحقيقات اضافية، 26 – 28 نيسان:

          البرغوثي يبدأ باعلان نواياه: "بصفتي مقاتلا في سبيل السلام، فانني مقاتل ضد الاحتلال وضد المستوطنين في اثناء الانتفاضة"، يقول للمحققين. ويروي عن شراء 15 قطعة سلاح لغرض العمليات وعن تجربة فاشلة أجراها رجال فتح في اطلاق هاون في منطقة رام الله.

          وسُئل البرغوثي عن جهاد جعارة، رجل جهاز الامن الفلسطيني في بيت لحم، الذي كان مشاركا في العمليات. فأجاب بأن جعارة "قائد خلايا وتوجه قبل نحو شهر حتى شهرين الى المذكور هاتفيا، وطلب مساعدة مالية للنشاط. ومنذئذ، من يدير الاتصال مع جهاد هو احمد البرغوثي.

          "في نفس الفترة بلغ احمد البرغوثي المحقق معه بأن رجال جهاد يعتزمون تنفيذ عملية انتحارية في القدس. المحقق معه، على حد قوله، قال ان لا مشكلة، ولكنه وجه ألا تنفذ العملية داخل نطاق اسرائيل بل في المناطق المحتلة. وعلى حد قوله، تلقى (لاحقا) تقريرا من احمد بأن العملية الانتحارية فشلت ورجلي الخلية قُتلا... وأشار المحقق معه الى انه عمليا كل النشاط هو نشاط منظمة فتح وكل موضوع الاسماء – التنظيم، شهداء الاقصى – ليس لها أي معنى. هذه فتح".

          "تجدر الاشارة"، كتب المحققون، "بأن المحقق معه ذا حس دعابة متطور وزودنا بعدد من النكات الاستثنائية".

التحقيق من 1 حتى 2 أيار

المحققون يضغطون على البرغوثي لكشف ما يعرفه عن قضية "سي فود ماركت". "المذكور أشار الى ان بالفعل عرف قبل تنفيذ العملية بأنها ستنطلق على الدرب. عرف من احمد البرغوثي وهو نفسه وجه احمد بألا تنفذ العملية إلا في الاراضي المحتلة وأن تنفذ إما في مستوطنة أو في حاجز عسكري بين رام الله والقدس". البرغوثيان تحدثا في هذا الشأن وعندها، كما يشهد البرغوثي، "توجه لأموره وذهب للنوم". قبل الصباح تحدث مع احمد الذي بلغه بأن العملية وقعت في النهاية في مطعم في تل ابيب. "المذكور فوجيء جدا" ودعا احمد الى الاستيضاح. وهذا روى بأن "شباب ناصر عويس بالفعل حاولوا الوصول الى الهدف، ولكن بسبب مشكلة ما نشأت قرروا نقل العملية الى تل ابيب".

       التحقيق في 5 أيار و6 أيار

          البرغوثي سُئل عن عملية اطلاق النار في حفلة البلوغ في الخضيرة والتي قتل فيها ستة اشخاص، ردا على اغتيال رائد الكرمي. وهو يقول للمحققين انه "تحدث مع منصور شريم (خليفة كرمي في قيادة فتح في طولكرم) بعد عدة ايام وهذا قال ان لهم يدا في تنفيذ العملية. ويدعي بأنه قال لمنصور انه يفهمهم من حيث طريقة عملهم ردا على موت الكرمي، ولكن العملية داخل اسرائيل هي موضوع حساس ويتعارض مع خط فتح". ويعترف البرغوثي بأنه نقل طلبا الى عرفات من شريم بمساعدة مالية بمبلغ 6 آلاف شيكل.

          البرغوثي يقول انه "كان بين اولئك الذين قرروا ان الانتفاضة هي تكتيكا يشكل جسرا للسلام وليس قرارا استراتيجيا، وعليه فقد دعا وعرض خطا يدعو الى الكفاح ضد الاحتلال داخل المناطق". هذا لم يكن ثرثرة فارغة. حسب المقابلات التي أجريناها في الماضي مع زعماء الانتفاضة من فتح، في السجن وخارجه، البرغوثي هو الرجل الوحيد في الضفة الذي يمكن ان نرى فيه كمن بادر وخطط لخطوات بشكل موجه في بداية المواجهة. في السنوات الاخيرة اعترف البرغوثي في احاديث مع زوار اسرائيليين في سجنه بأنه على علم بأن قرار استخدام السلاح كان خطأ.

          رجال المخابرات كانوا لا يزالون يبحثون عن الدليل المظفر حول علاقة عرفات بالعمليات. "لسؤالي، أجاب انه لم يطلع عرفات على العمليات التي انطلقت أو بعد تنفيذها. كان نشطاء كثيرون فعلوا ذلك كي يحظوا بنقاط استحقاق لدى الرئيس ونيل المال"، كتب المحقق. البرغوثي يشرح بأنه شعر من الواجب المشاركة في العمليات الارهابية "كي في المستقبل يتمكن من الاشارة الى نفسه كمن عمل سواء في سبيل السلام حين كانت حاجة الى ذلك، وكذا في الحرب". هكذا، يقول، سيحظى بعطف الجمهور الفلسطيني على حساب زعماء آخرين، رفضوا توسيخ أيديهم. الفلسطينيون، يضيف البرغوثي، لا يحتاجون الى هدايا سياسية من الاسرائيليين. "الدولة يجب ان تقوم (بذاتها) وجزء من العملية هو سفك الدماء".

       التحقيق في 10 أيار وفي 11 أيار

          البرغوثي يدعي بأنه لم يتلق أبدا تعليمات صريحة من عرفات حول العمليات. "ولكن، بمجرد حقيقة ان عرفات أعرب عن معارضته لتنفيذ العمليات داخل اسرائيل، فلو أنه كان يعارض الكفاح المسلح داخل المناطق ضد الاحتلال، لحرص على أن ينقل لكل ذوي الصلة أمر التوجيه الصريح. فضلا عن ذلك، يشير المحقق معه الى انه فهم من ذلك انه يمكنه ان يعمل... يعود ويشدد على ان سير النشاط في الانتفاضة ما كان يمكن ان يستمر دون تمويل من عرفات وذلك لأن كل الاموال التي وصلت الى النشطاء خرجت من مصدر واحد هو أبو عمار. يدعي بأن عرفات يتصرف حسب الاحداث كما تخدم المصلحة الفلسطينية، حيث ان كل واحد من الفصائل في الكفاح المسلح يفهم الامر حسب رد عرفات على تنفيذ العمليات".

          المحققون يواصلون الضغط: "أوضحت للمذكور بأن هو ايضا يفهم بأنه الى ان يقول الحقيقة عن دور أبو عمار في اصدار العمليات، لن ينهي تحقيقه".

          البرغوثي: ما كانت حاجة لتعليمات مباشرة من عرفات. الامور فُهمت بين السطور. المحققون يطلبون شرحا. البرغوثي: "عندما كان عرفات يدعو الى وقف النار كان يجمع قادة التنظيم ويأمرهم ويضيف بأنه اذا نفد وقف النار، فانهم يعرفون ماذا ينبغي لهم ان يفعلوا، فيما يكون واضحا لكل واحد بأن هذا يعني استمرار النشاط العسكري".

          أحد المحققين يروي للبرغوثي بأن نشطاء فتح الكبار يقولون بأن الانتفاضة وجهت ايضا ضد السلطة الفلسطينية. يحتمل ان نكون ارتكبنا أخطاء في ادارة الانتفاضة، يقول البرغوثي، "ولكن من الصعب تغيير أبو عمار مثلما من الصعب لابن ان يغير أو ينتقد سلوك أبيه".

          "صبياني"

       التحقيق من 11 – 14 أيار

          التحقيقات تصبح مكثفة ونهج المخابرات أشد. المحققون يقولون انه في فحص آلة الكذب وجد البرغوثي يكذب في سؤال هل تلقى من عرفات تعليمات مباشرة للعمليات. "أوضح للمحقق معه بأنه كذاب ويتصرف بشكل صبياني". البرغوثي يصر: أنتم لا تفهمون كيف يعمل أبو عمار. هو لا يقول أمورا صريحة. لو أراد وقف الانتفاضة والعمليات، لفعل ذلك. المحققون لا يتأثرون. أنت تحاول ان تغطي على الرئيس، يقولون للبرغوثي، خشية ان يتهمك بعد ذلك بخيانة الفلسطينيين.

          البرغوثي سئل مرة اخرى عن دور احمد البرغوثي وناصر عويس في العمليات. كلاهما، يقول، بلغوه بعد الفعل عن العمليات في جفعات زئيف، في الخضيرة وفي "سي فود ماركت". احمد البرغوثي اشترى ايضا لي سلاحا نقل الى خلايا فتح. "لم ننزل الى التفاصيل"، يدعي مروان.

          في اللقاء التالي مع المحققين يشكو البرغوثي من ان المخابرات سربت عن قصد معلومات وكأنه اعترف في التحقيق، وأنه تلقى تعليمات من عرفات بالعمليات. محاميه روى له ذلك. كان هذا تلاعبا من جانبكم، اتهم المحققين. رغم جهودهم، لا ينجحون في ان ينتزعوا منه معلومات ادانة بدور عرفات في الارهاب. وتنتقل المحادثة الى المنظور التاريخي. "الطرفان اخطآ في ادارة الامور، ولكن ما أفشل المسيرة السلمية كان أساسا اغتيال اسحق رابين"، يُجمل المحقق، "روبرت"، اقوال البرغوثي.

          الساعة هي 7:30 صباحا. التحقيق الأخير استغرق 11 ساعة ونصف.

          في نهاية عقد

          مروان البرغوثي كان سيكون قريبا ابن 54. عشر سنوات في السجن لم تحسن له. ومع انه في السنوات الاخيرة يحرص على تدريبات اللياقة. وهو يقرأ الصحف بالعبرية، يشاهد التلفاز (عندما لا يكون في العزل) ويبقي على اتصال وثيق مع كبار رجالات السلطة. بين الحين والآخر يزوره أفراد عائلته، أو محاميه الياس صباغ. السنوات العشرة الاخيرة لم تمحوه من الوعي العام الفلسطيني. وحسب كل الاستطلاعات في المناطق، يتبين البرغوثي كالخليفة المؤكد لمحمود عباس (أبو مازن). البرغوثي يحتفظ بآراء صقرية قياسا بعباس ومؤخرا دعا الى الغاء التنسيق الامني مع اسرائيل.

          محاميه، الصباغ، يرفض التعليق على سجلات التحقيق لمحققي البرغوثي لأن "ليس كل ما هو مكتوب فيها صحيح. منذ سن 17، البرغوثي لم يوقع أبدا على افادة، كما أنه لا يعترف بصلاحية المحكمة في اسرائيل"، يقول.

          ويدعي الصباغ بأن البرغوثي لا يزال لم يقرر اذا كان سيتنافس في الانتخابات لرئاسة السلطة. وعلى حد قوله، السياسة الفلسطينية تدار اليوم بين ثلاث أضلاع: رئيس السلطة عباس، رئيس الحكومة سلام فياض والبرغوثي. "طالما الضلع الثالث في السجن، المثلث لا يؤدي دوره جيدا"، يقول الصباغ.

          وهو يتملص من الاجابة باسم البرغوثي على سؤال بشأن امكانية استئناف الكفاح المسلح من جانب فتح، ولكن شدد على ان مروان البرغوثي لا يؤيد قتل المدنيين. وعلى حد قوله "اليوم، مثل كل القيادة الفلسطينية، يؤيد فكرة الكفاح الشعبي غير العنيف. الاسرائيليون ايضا يشاركون في هذه المظاهرات. يمكنني القول فقط انه مؤمن كبير بحل الدولتين. هذا حل مقبول وعملي برأيه".

انشر عبر