شريط الأخبار

مظاهرة يافا يوم الأرض ودلالاتها.. عوني فرسخ

07:10 - 06 كانون أول / أبريل 2012


هدت فلسطين المحتلة من النهر إلى البحر ومحيطها العربي فعاليات بمناسبة الذكرى السادسة والثلاثين ليوم الأرض، راوحت بين المسيرات إلى الحدود مع الكيان الصهيوني والمحاضرات والمعارض الفنية .

صحيح أنه لم تكن هناك مسيرات مليونية كما كان قد أعلن منظمو تلك المسيرات، وأن مصر لم تشهد مسيرة أو أنشطة في مستوى دور مصر القومي . ولقد أوردت وكالات الأنباء أن صناع القرار الصهيوني أبدوا ارتياحهم لما بدا من تدني مستوى فعالية يوم الأرض هذا العام . وإن كان ما تناقلته وكالات الأنباء بهذا الخصوص لا يعكس في تقديري حقيقة فعاليات يوم الأرض هذا العام لتميزها بظاهرتين غير مسبوقتين في تاريخ إحياء ذكرى يوم الأرض .

الظاهرة الأولى مشاركة نشطاء من ثمانين دولة آسيوية وأوروبية وأمريكية شمالية وجنوبية، وقد تحملوا والهيئات التي ينتسبون إليها نفقات سفرهم وإقامتهم . وإن كانوا محدودي العدد، إلا أن مشاركتهم تدل بوضوح تام على تنامي تأييد شعوب العالم للحقوق الوطنية المشروعة للشعب العربي الفلسطيني، وعدم اقتصارها على حقوق مواطني الضفة الغربية وقطاع غزة المحتلين واللاجئين في الشتات، وإنما أيضاً حقوق المواطنة للأقلية العربية في الأرض المحتلة سنة 1948 . ما ينطوي على فضح عنصرية الكيان ومساس خطر بأسطورة ““إسرائيل” واحة الديمقراطية في الشرق الأوسط” .    

أما الظاهرة الثانية فتتمثل بمشاركة مواطني يافا في مظاهرة بالمناسبة للمرة الأولى في تاريخ إحياء ذكرى يوم الأرض . وهي مظاهرة وإن كانت محدودة في عدد المشاركين، وقصيرة المدة الزمنية التي استغرقتها قبل قمعها، تدل على التطور الكيفي في واقع الذين استطاعوا البقاء في عروس المتوسط عام النكبة، وصمودهم برغم قسوة الممارسات العنصرية التي اخضعوا لها واقترفت بحق مدينتهم عن سابق قصد وتصميم، انتقاماً من دور يافا ومواطنيها في مقاومة المشروع الصهيوني منذ إقامة تل أبيب في جوارهم في السنوات الأولى من القرن العشرين .

والجدير بالتذكير به أن يافا كانت على مدى العقود السابقة لنكبة 1948 في مقدمة مدن فلسطين في نشاطها الثقافي، ودورها الاقتصادي، وحراكها الوطني . إذ كانت منارة للثقافة والفن الرفيع، وعلى تواصل مع القاهرة والإسكندرية في المجالين، كما كانت المنبر الإعلامي العربي الفلسطيني الأول ومركز الصحافة الأكثر ازدهاراً ووضوحاً في الموقف من الاستيطان الصهيوني . ويذكر لجمهور يافا تصديه لغلاة الصهاينة مطلع إبريل/نيسان ،1936 مسهمين بذلك في استكمال ما ابتدره الشهيد عز الدين القسام من إسقاط نهج المساومة الذي غلب على ممارسات النخبة السياسية منذ بداية الاحتلال البريطاني لفلسطين في ديسمبر/ كانون الأول ،1917 واضعين فلسطين على عتبة ثورتها المجيدة خلال سنوات 1936 - 1939 . كما يذكر لرجالات يافا إعلانهم الإضراب العام يومها، وتشكيلهم لجنة وطنية لتنظيم الإضراب والإشراف على الحراك السياسي الوطني، مشكلين بذلك قدوة لنابلس وبقية المدن والبلدات من بعدهما .

ولقد أصاب يافا بعد احتلالها في 26 إبريل /نيسان 1948 من غلو الممارسات الصهيونية، ما يفوق ما أصاب أياً من مدن فلسطين التي احتلت قبلها أو بعدها . وذلك يعود إلى عاملين متفاعلين: الأول، أن جوار يافا لتل أبيب جعل مواطنيها الأسرع مبادرة إلى الاشتباك مع المستوطنين الصهاينة، والأكثر إيقاعا بهم رغم تفوق الصهاينة في الإمكانات والقدرات العسكرية والإعداد للمواجهة . والثاني، التوجه الصهيوني لتشويه واقع المدينة التي كانت منارة على شاطىء المتوسط حتى عشية احتلالها، واتخاذ كل ما يمكن لإظهار مواطنيها بمظهر المتخلفين عن العصر . غير أن نهوض مواطني يافا ومشاركتهم في يوم الأرض هذا العام، هو بكل المقاييس دلالة على التحول الكيفي في واقع المدينة التي لم يأل الصهاينة جهدا في مسخ صورتها وإفساد مواطنيها . ما يؤشر إلى مستوى التطور الكيفي في واقع الاقلية العربية في الأرض المحتلة سنة 1948 .

وكما أحدثت انتفاضة أطفال الحجارة سنة 1987 نقلة نوعية في الصراع التاريخي بين شعب فلسطين وأمته العربية، وبين التجمع الاستيطاني الصهيوني  ورعاته على جانبي الأطلسي، إذ جعلت من الأرض المحتلة سنة 1967 مسرح الصراع الأول بعد أن كان الكيان الصهيوني معتمداً استراتيجية نقل الصراع إلى خارج حدود الأرض المحتلة سنة 1948 .

والمرجح عند أكثر من محلل سياسي مختص أن الصراع التاريخي الممتد على عتبة نقلة نوعية جديدة تجعل من الأرض المحتلة سنة 1948 مسرحه الأول . ولأن حقوق المواطنة للأقلية العربية ستكون محور الصراع مع صناع قرار الدولة المراد اعتبارها “دولة يهودية”، فالأمر المؤكد أن يكتسب  الصراع في مسرحه الجديد بعداً ديمقراطياً إلى جانب بعده الوطني بحيث يلقي طرفه العربي تأييداً أوسع على المسرح الدولي، وبالذات في الأوساط الأوروبية والأمريكية التي عرفت تاريخياً بتأييدها المطلق للمشروع الصهيوني .

وعليه يمكن القول وبكثير من الثقة إن مظاهرة يافا، وإن كانت محدودة المشاركين وقصيرة الزمن، إلا أنها عميقة الدلالة على المستجدات والمتغيرات التي لماتزل تتراكم في صراع الوجود واللاوجود بين شعب فلسطين وأمته العربية وبين التجمع الاستيطاني العنصري الصهيوني ورعاته على جانبي الأطلسي . وهو مؤشر جدير بالاعتبار لدلالته على مستقبل الصراع  العربي الصهيوني في زمن الربيع العربي الذي يعيش مخاضاً طويلاً واعداً .

انشر عبر