شريط الأخبار

سنته الاولى.. يديعوت

05:54 - 20 حزيران / يناير 2012

بقلم: اليكس فيشمان

(المضمون: رئيس هيئة القيادة العامة الاسرائيلية بني غانتس يحاول تغيير الخطط العملياتية داخل الجيش وبناء تصور جديد ويرى ان الحرب القادمة يجب ان تكون حرب انتصار ساحق لا انتصار في الوعي فقط - المصدر).

استغرق الامر نحوا من سنة الى ان أدرك بني غانتس ان المعادلة التي عملت من اجله حتى اليوم لم تعد تعمل، وأنه لا يستطيع الاستمرار في كونه لطيفا مع الجميع وعلى كونه رسميا الى درجة التطرف. فهذا لا يُفسر تفسيرا صحيحا في هواء القمم العكر المؤمن بالقوة للقيادة السياسية. فاذا لم يكشر عن أسنانه، فهم رئيس الاركان العشرون، فسيجتاز ولايته بصفة خريج هاوٍ لا يكاد يحافظ على الموجود، لا بصفة قائد ومصلح ذي رؤيا يترك آثار بصماته على الجيش.

وأدرك غانتس أكثر من ذلك انه قد يبقى وألا يُتذكر كمجرد خريج هاوٍ بل خريج هاوٍ مع حاضنة روضة في صورة محاسب من وزارة المالية يُبين له كيف يبنون القوة العسكرية ويُبين له من خلل ثقب القرش ماذا يجوز له وماذا لا يجوز – وهو شيء لم يحدث قط لأي رئيس هيئة اركان.

اذا انفجر آخر الامر. ودهش عدد من الوزراء عرفوه منذ سنين من اسلوبه الجديد وقال واحد منهم: "انقضت ايام الفتى اللطيف. انه يحارب آخر الامر عن الميزانية وعن الخطط وعن موقفه كما يجب".

ليس غانتس ساذجا كما يحاولون تصويره. فمن يصل مكتب رئيس هيئة الاركان لا يمكن ان يكون ساذجا. لكن له معايير مغروسة في اماكن اخرى. فهو لا يفهم مثلا كيف يمكن ان يصوت وزراء على ميزانية الدفاع من غير ان يعلموا ما الذي يصوتون عليه بالضبط. وحينما قالوا له ان وزير المالية بعد جلسة الحكومة رفع كأسا مع رؤوس مكتبه للاحتفال بحقيقة انه نجح في ضرب رئيس هيئة الاركان وفرض أمره عليه، لم يفهم ذلك. كان يخيل اليه أنهم في المجموعة نفسها التي تحارب لاحراز الهدف نفسه. وهو الآن يفهم انهم يحاولون استغلال اسلوبه المضبوط لحصد انجازات شخصية وفئوية.

فتح فمه اذا وما يزال ذلك في حدوده المضبوطة لكن هذا يعتبر بالنسبة اليه تحطيما لمعيار اخلاقي تقريبا. وقد أجاب بشدة شتاينيتس الذي وبخه، وبين لموظف مالية انه يتحدث سخافات، وأعظم الفعل في جلسة هيئة القيادة العامة هذا الاسبوع بحضرة رئيس الحكومة، حينما عرض بصورة صارمة معاني تقليص ميزانية الدفاع. وكان يجب عليه ان يفعل هذا في أحدّ صورة – كي يوحي الى الجنرالات ألا يتبلبلوا وألا يخطئوا هم ايضا في اسلوبه وان يعلموا أين يقف الامر: وهو ان رئيس هيئة الاركان بدعم من وزير الدفاع لا ينوي ان يدع القرار يمر كما هو.

يستطيعون في وزارة المالية الاحتفال، لكن الحرب من وجهة نظر غانتس لم تنته. سينتقل الامر بعد رئيس الحكومة الى اللجنة الوزارية لاعداد القوة وبنائها، ومن هناك الى الثمانية ثم الى المجلس الوزاري المصغر في نهاية الامر. وسيُلاشي ايضا "الشفافية" التي فتحوا من اجلها زجاجات النبيذ في وزارة المالية.

       المظليون يعودون

أنهى رؤساء هيئة الاركان الثلاثة الآخِرون عملهم مع طعم مر في أفواههم. ولم يحظ أحد منهم بأن يحصل من المستوى السياسي على السنة الخامسة التي هي بمثابة شوط الفوز في الملعب الرياضي بعد جري ماراثون مدة اربع سنين. وليس عرضا ان عينت الحكومة مرة بعد اخرى رئيس هيئة اركان هو ضد سلفه بالضبط. فقد كان دان حلوتس المشحوذ والذكي هو الضد لبوغي يعلون ابن الكيبوتس ومحارب دورية هيئة القيادة العامة. وكان غابي اشكنازي الذي حل محل حلوتس يُرى قائد قوات مشاة صارما وقائد جنود. ويعيدنا غانتس الى عصر الأمراء ذوي النواصي الحسنة من قوات المظليين ممن سارت امورهم سيرا مريحا: فقد كانوا في المواقع الصحيحة وفعلوا الامور الصحيحة وغفروا لهم دائما حتى حينما اخطأوا.

منذ كانت حرب يوم الغفران الى حلوتس جلس أصحاب القبعات الحمراء على مقعد رئيس هيئة الاركان. وحينما لم يُعين غانتس فوجيء، وحينما عرض عليه اشكنازي وثيقة هرباز التي تصف كيف يشوشون عليه التعيين، عزز ذلك لديه فقط الشعور بأن الحديث عن مؤامرة. اذا اعتقد أحد آنذاك انه سيجري حاملا الوثيقة الى وسائل الاعلام للاضرار بوزير الدفاع فانه أضاع بذلك وقته. وغانتس يؤمن بالرسمية الى حد البكاء. وحتى حينما تحدث عن "عفونة في الغرفة" – خرج من الغرفة العفنة من غير ان يصفق الباب، بل انه اليوم ايضا ما يزال لا يفهم ما الذي حدث بالضبط في تلك القصة.

لم يأت غانتس معه بالخصائص الثقافية المقبولة لقائد رفيع المستوى مثل: عروض القيادة والصرامة وعدم الاصغاء، وقادة يعرفون كل شيء ومعيار يقول بأن عدم المعرفة ضعف، وشعور بأنه لا يوجد ما يتم تعلمه من الصغار. وهو لا يؤمن بالشعار السائد وهو "يجب علي ان أُنشيء فخفخة القيادة كي لا أكشف قط عن علامة ضعف". فهو يتحير ويشاور ولا يسرع الى بت الامور – وهو أقل عدوانية وأقل تهديدا – وهذا ما منعه ان يكون مرشحا طبيعيا لرئاسة هيئة الاركان.

ما يزال هذا التصور عنه يطارده ويغضبه. وبعد ان تم تعيين ثلاثة جنرالات جدد – لقيادة المركز ولواحد من الطوابير البرية ولطابور العمق الجديد – نشرت وسائل الاعلام ان التعيينات تمت بخلاف رأيه وأن وزير الدفاع فرضها عليه في الحقيقة. واستشاط غانتس غضبا. فقد أنفق في التعيينات تفكيرا كثيرا ويحاول شخص ما ان يطعنه في نقطة ضعف صورته كي ينشيء توترا بينه وبين اهود باراك. وآنذاك ولأول مرة ثار علنا يعارض أي نشر اعلامي في مراسم انهاء في معهد للامن القومي. وقال "هذا الضجيج حولنا يرمي الى النميمة بلا تسويغ".

       هو لا ينتظر احيانا

ان الارتقاء من رتبة لواء الى رتبة فريق ليس ارتقاءا من رتبة الى رتبة، وقد بدأوا في الجيش يتعودون على غانتس مختلفا شيئا ما. وقد بين فورا بعد ان دخل مكتب رئيس هيئة الاركان انه لا يمكن وضع يُنشر فيه قرار مبدئي للجيش لا يوافق عليه رئيس هيئة الاركان. حدث هذا مرة واحدة في الاسابيع الاولى، وانتهى بمحادثة توضيح مع واحد من الجنرالات الكبار ولم يحدث بعد ذلك.

قبل نحو من شهر عرض واحد من الجنرالات الجدد – عينه غانتس – ملخص تدريب عسكري. ولم تكن صورة الملخص وعمقه مناسبين، هذا اذا لم نشأ المبالغة. ونظر الجميع الى رئيس هيئة الاركان. ولم ينتظر الى نهاية الملخص بل نهض وبيّن للجالسين في الغرفة انه لن يحتمل بعد مستوى كهذا ثم خرج ببساطة. لم يصرخ ولم يُهن ولم يستشط غضبا. وبعد ذلك دعا الاشخاص ذوي الصلة وبيّن لهم أين كان تهاونهم وما الذي يتوقعه منهم.

كان ذلك الامر حديث اليوم في هيئة القيادة العامة. وقد حصل غانتس على ما يريد من غير أن يقطع الأعناق. وهذا هو النهج. بعد شهرين من توليه عمله اختُرق الجدار الحدودي في منطقة مجدل شمس وتدفق مئات من السوريين على اسرائيل. رأى المحيطون بغانتس هذه الحادثة فرصة لاظهار الزعامة: فرئيس هيئة الاركان سيأتي الى المنطقة ويجري تحقيقا ويعزل قائد اللواء ويوبخ قائد الفرقة وتحصل الصحف على ما تشاء من الفضيحة وتنزف العناوين الصحفية ويحظى رئيس هيئة الاركان بنصيبه من تشجيع الجمهور بقولهم: "يوجد هنا رب عمل". فهذا ما اعتاده عدد من أسلافه.

وقد جاء غانتس الى الميدان حقا وأخذ قائد الفرقة وقائد اللواء للاستيضاح، فحقق معهما ثلاث ساعات ودرس الأخطاء التي قاما بها وخلص الى استنتاج ان قائد اللواء يدرك جيدا أخطاءه واستقر رأيه على التخلي عن حيلة القيادة وان يعطيه فرصة اخرى من غير اخراج مسرحي اعلامي متنوع. وفي مؤتمر هيئة القيادة العملياتية الاول في حزيران صعد قائد الفرقة الى المنصة وعرض التحقيق. وبين بتوسع جميع الأخطاء التي تمت تحت قيادته. ومدحه غانتس على الانفتاح والاستقامة بحضرة جميع الضباط وأشار بقوله هكذا أريد ان أرى تحقيقا.

لا نكوي بل ننتصر

ان طريقة ادارة غانتس تطابق شخصيته: فهو يؤمن بالتعاون وتثوير الأدمغة. في الاسبوع الماضي في معهد "دادو"، وهو معهد بحث المعركة التابع لهيئة القيادة العامة في غليلوت جلست مجموعة من الجنرالات على رأسها رئيس هيئة الاركان وأجرت مدة سبع ساعات نقاشا في خطة عملياتية مخصوصة.

واجه اللواء الذي عرض الخطة انتقادا من قبل زملائه. وبرغم ان الحديث في ظاهر الامر عن شأن بري، فقد عرض قائد سلاح البحرية اللواء رام روتبرغ خطة معاكسة تماما وبلغ الجدل عنان السماء. وجلس رئيس هيئة الاركان كعادته الى رأس الطاولة وأمامه ورقتان فارغتان. في بداية النقاش قسم كل صفحة الى اثنتين بخط مستقيم وبدأ يملأ كل نصف بخط يدوي صغير جدا وهو يسأل اسئلة ويصغي ويكتب. وفي نهاية النقاش تحولت الحروف الصغيرة الى عشرة توجيهات عملياتية.

يسمي غانتس هذا "لعبة تفكير" قبل "لعبة الحرب" و"مجموعة الأوامر العسكرية". وقد أدخله باعتباره مرحلة ثابتة في عمل مقر القيادة وهو يرى ان هذا تكتيك يوحي بأنني أحترم رأي الناس حولي وأن ليست الحلول كلها عندي في جيبي.

بعد ان انتهى بناء التصور العام في الشؤون المركزية، جرى في هيئة القيادة العامة نقاش استخباري شامل وبعده ورشة عمل لبناء القوة يفترض ان تنتهي بالخطة المتعددة السنين "حلميش". وأصبحت تبدو على الخطة بصمات تصور رئيس هيئة الاركان العملياتي.

يرى غانتس ان يتم بدء الحرب بأكبر قوة كي تكون الأقصر ايضا، بغرض مضاءلة الاضرار للسكان المدنيين. ويتحدث الى ذلك عن حماية الجبهة الداخلية ايضا بوسائل هجومية وعن انهاء الحرب بـ "الحسم": لا حسم تصوري بل حسم في الوعي، فليس الحديث عن لذع الوعي بل عن سحق. غانتس يتحدث عن نصر.

ان الخطط العملياتية لجميع الجبهات يفترض ان تكون مختلفة تماما عن تلك التي تم استعمالها في حرب لبنان الثانية. وغانتس يجر وراءه تلذيعين عميقين من هذه الحرب، الاول هو اهمال تدريب الجيش البري. وباعتباره قائدا للذراع البرية كان موكلا اليه تدريب الطوابير التي دخلت في صيف 2006 الى القتال غير مستعدة كما ينبغي. ولهذا فحينما يتحدثون عن تقليص ميزانية الدفاع لا يكون مستعدا للاستماع الى تغييرات في رسم التدريبات البياني.

وتمس الصدمة الثانية تغيير الخطط. فقد تم تغيير خطة الحرب لقيادة الشمال عشية الحرب بيد ان الاستعدادات لم تستكمل ولم توافق عليها هيئة القيادة العامة، وقد بدت المعركة بالفعل مثل خليط خطط في حين لم تستعمل الخطة الأصلية التي كان غانتس باعتباره قائد منطقة الشمال مسؤولا عن تخطيطها، على يد من حل محله وهو أوري آدم. وهو اليوم لا يتجرأ على الخروج للحرب مع خطة لم تستكمل.

وزيادة على جميع الجبهات – القديمة والجديدة – وضع غانتس على الطاولة مع تفضيل أعلى، حرب السايبر هجوما ودفاعا. وفي هذا المجال – كما في مسألة التفوق الجوي وتعميق القدرة على جمع المعلومات الاستخبارية – يجرون اليوم الى الأمام ولا ينتظرون استكمال الخطة المتعددة السنين.

عرض رئيس هيئة الاركان على وزير الدفاع وعلى الثمانية الاتجاهات الجديدة لـ "حلميش" وحصل على دعاء السفر من رئيس الحكومة ومن الوزير ايضا. والتزم الاثنان رزمة ميزانية بيد انه حدث آنذاك زلزال هو الاحتجاج الاجتماعي، وتوقف كل شيء واحترقت أوراق اللعب.

وهكذا انقضت سنة 2011 من غير ان يكون للجيش الاسرائيلي خطة عمل بعيدة الأمد. انتهت السنة الاولى من ولاية رئيس هيئة الاركان وهو لا يستطيع ان يعطي المنظمة الضخمة التي يرأسها اتجاهات واضحة للسنين القريبة. تخضع "حلميش" لاعتراض وتفكير عند نتنياهو وفي المجلس الوزاري المصغر ايضا في المستقبل – وكانت هذه السنة من جهة بناء القوة سنة ضائعة ستكون لها أثمان في المستقبل.

سيضطر غانتس في السنة الثانية كي يجسر الهوة التي نشأت – بغير ذنب من الجيش – ان يزيد في قوة الانطلاق. وان يكف عن كونه شخصا لطيفا لأن هناك جبهات لن تنتظر تسويف الحكومة مثل الجبهة الجنوبية. والخطط التي بناها لهذه الجبهة يجب ان تبدأ في التشكل ويصح هذا بالنسبة لسائر الجبهات ايضا.

لا يمكن ادارة منظمة ميزانيتها 50 مليار شاقل بغير خطة متعددة السنين. ولهذا منذ اللحظة التي ستُقرر فيها نهائيا الميزانية، يجب على الجيش ان يصدر في غضون عشرة ايام خطة مُحدثة. وأول ما سيتم الاضرار به اللوجستيكا والقوة البرية والتنصت وسفن سلاح البحرية الميدانية.

انشر عبر