شريط الأخبار

ألا من مستجيب أو تذكر سلمى.. علي عقلة عرسان

07:26 - 30 كانون أول / ديسمبر 2011


ألا من مستجيب أو تذكر سلمى.. علي عقلة عرسان

تذكَّرَ سلمى إنه لطَرُوبُ       على حين أَن شابَت وكادَ يَشِيبُ

أَلَمَّت بِنَا مِن أَذرُعاتٍ فَسَلَّمَت  منَ الليلِ أو رؤيا المَنَام كَذُوبُ

فواللَه ما أدري أسلمى تَقَوَّلَت        أم الحِلمُ أم كُلٌّ إليَّ حَبيبُ

فإن تَكُ سَلمَى قَد أمَرَّ حَديثُهَا        فَقَد كانَ يحلُو مَرّةً ويَطيبُ

هذا القول لعُقبة المضرب، وهو عقبة بن كعب المزني، ومناسبته تزيد من وقعه المؤثر في نفسي، وتصهر حاله في حالي، وتقرّب زمانه من زماني.. لنكون على حال شبيه بحال الأمة على نحو ما.. كما أن قوله وحاله يعيدان سَجْري، من وقت لوقت، بالصاب والعسل على التناوب، فما أدري إلى أي حال أحول.. وليس لي من سلمى وأذرعات ما كان له من حلم وحب ومكان.

كان عُقبة قد شبب بامرأة من بني أسد، فضربه أخوها بالسيف مئة ضربة، وظنَّ أنه مات، لكن عقبة لم يمت، وظل مغشياً عليه في سبات الموت، وأُخذت له الدية،  وحين أفاق أنشأ يقول شعراً يرثي حاله.. ولَحالي في وضعنا اليوم مثل حاله بالأمس، بجراح ودماء وسبات يقرب من موتى وأموات في أذرعات وغير أذرعات.. لكن من دون تشبيب بسلمى، ومن دون أمل بنجوى.. فسلماي، سلمانا نحن اليوم، وطننا وأمتنا ومبدئيتنا وحريتنا، وسلمى المرأة هي بعضنا ومنا وفينا في المحنة، وهي أملنا في الخروج بنجاح من الامتحان، لأن في المرأة يكمن رمز الولادة والانبعاث من جديد، وهي مصدر إلهام وموضع حسابات كثيرة لمن يرى فيها الأم والأخت والزوجة والبنت والحبيبة والبيت الذي يأوي إليه والعرض الذي يحميه ويصونه.

نحن نُضرب بالسيف لأننا شببنا بوطننا وأمتنا وحريتنا، ورفضنا أن نستكين لغير الله، وأن نستعين على أمرنا بآخرين من عدونا.. ولأننا أردنا أن نكون أهل الحل والعقد في ديارنا وأمورنا وقضايانا، وأن نتحاور ونتفاهم ونتعاون، كلنا أصبح يُضرب بالسيف، ويُعطي الدية ولا يأخذها، ولا ندفع عنا بالحكمة ما لا يدفع بسواها.. وربما لهذا وسواه يحلو مر هذا الحدث ويطيب، عن القضية والمعاناة والزمان والمكان، ولأنه في نهاية المآل دفاع عن النفس والحال، ورغبة في أن نكون نحن.. نحن في الحل والترحال، لا ممن يتبع فيضطبع ويفقد المشيتين، ويصبح كالمنْبَتِّ لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى.

  من يرفض منا الآخر اليوم، شريكاً في الرأي والتدبير والمصير، لا أعرف مع من سوف يعيش غداً إذا اختار وطنه ولم يختر سواه مكان إقامة وعيش، ومن سيحكم وكيف، إذا كان يتطلع إلى حكم شعب يقدره ويحترمه ويرتضي منه مسؤولية وطنية وأخلاقية؟ ومن يقتل منا الآخر اليوم لا أدري كيف سيستمر في بُحران الدم وهو يتسنم الحكم أو يسعى إليه؟ أو كيف يحكُم أخاه وابن بلده وعلى يديه من دمائه حناء وحللاً وأثوابا؟!.. ولا أكاد أتبين غاية أو أدرك نهاية لمسارات الإرهاب والتخريب والدمار والفوضى والحقد والكذب والموت وتشويه الآخر.؟! أقيلونا من هذا العثار الذي سيخرب الأنفس والديار، وتعالوا إلى بيت الشعب وإرادة الأمة وكلمة سواء بين الناس بصفاء روح ونقاء ضمير ورغبة في الخروج من الظلمات إلى النور، تعالوا إلى حيث تعلو الحكمةُ على السيفَ وتجدِّيه وتهديه طرقه، وإلى حيث يلجم العقلُ الانفعالَ الأعمى والافتعال الجديب، والفوضى المدمرة، وإلى حيث يسود القانون باسم الشعب السيد، ويسل السيف على المعتدي تحريراً للأرض وحماية للوطن، وإلى حيث يضع حداً لمن يعبث بكل مقوماته الشعب وقيمه وثقافته ومصالحه.

 لن ينفعنا سوانا، ولن يحكّ جلدنا مثل ظفرنا، ولن يخسر إلا وطننا إذا خسر أي منا، هذا إن كنا نتبارى حقاً في خدمة الوطن وإعلاء شأن الشعب وتوفير حرية وعدالة للمواطن وكرامة واحتراماً للإنسان؟! فكل مواطن هو للوطن درع وقوة، وله من قوة الوطن حصن ومكانة وكرامة وعيش آمن وأمن من جوع وخوف.. وعلى من يقفز فوق حقائق الحياة والتاريخ أن يتعظ بغيره، وأن يعيد قراءة مجريات أحداث الحياة وكتب التاريخ، وعليه أن يتواضع ويفعل ذلك ليعرف أكثر وينهج نهجاً أسلم، أياً كان موقعه وموقفه وهدفه والأسباب التي يبني عليها تصرفه أو يسوِّغ بها ذلك التصرف.. عليه أن يتواضع ويتعلّم إذا كان يعنيه شأن المواطن والوطن فعلاً، وإذا كان يدرك جيداً أن أية مهمة عليا هي خدمة وتكليف، وأن الكبار يكبرون بأفعالهم وتضحياتهم ونكرانهم للذات أمام استحقاقات المواطنة والشعب والكرامة والعيش المشترك.. إن إضعاف الوطن لا يبني الوطن ولا يحميه، وقتل الشعب لا ينعش الشعب ولا يرفعه ولا يبقيه، وأية قوة غير القوة الوطنية المخلصة المتبصرة المنتمية للأرض والمنغرسة في تربة الثقافة والحضارة والعقيدة لا تخدم شعبها ووطنها فعلاً.. فلا يمكن لقوة أجنبية أن تقدم تضحيات وخدمات مجانية لوطن وشعب آخر على حساب مصالحها، ولسواد عيني من يقصدها ويستعين بها من أبناء الشعوب الأخرى، تعلقاً منها بمبادئ وقيم.. دنيا اليوم مصالح، وأفعال براغماتية قد تتقاطع مع مصالح آخرين ولكنها لا تخلو أبداً من طمع وجشع وخفايا واستراتيجيات أكبر وأعمق من قدرة من يعتقدون أنهم قادرون على كشف الخبايا وعلى إفشال مخططات واستراتيجيات كبرى لقوى عظمى.؟! إن حلف الأطلسي اليوم، وبصريح العبارة، قوة تدخل استعمارية منظمة وممولة وإجرامية منهجية مكشوفة، تعيد تحالفات القرون الوسطى وغزو الفرنجة لبلاد العرب والمسلمين، إنها تحتل وتقتل وتدمر وتشعل الفتن الطائفية والمذهبية والقومية بين أبناء الوطن الواحد والعقيدة والثقافة والحضارة الواحدة، وتدمر تاريخ التسامح وتشوه وطنه وموطنيه في سبيل تحقيق أهدافها وفرض هيمنتها وتأمين مصالحها.. وهي تفعل كل تلك الأفاعيل تحت سُتر وأسباب كثيرة، ظاهره فيه الرحمة وباطنه من تحته العذاب، ولكل من يحركونها ذرائع ووسائل وأدوات كثيرة وأساليب خبيثة لا تنتهي، ولها تاريخ في الإجرام موصوف، ونهب الشعوب واستعباد لها معروف، ولكثيرين من القيمين عليها ضمائر مهترئة تماما.. وعلى من يرضى أن يضع وطنه، لأي سبب من الأسباب وتحت أية ظروف ونتيجة أي تصرف وحساب وهدف مهما كان، أن يضعه في متناول مخالب تلك القوى، عليه أن يعرف أنه لن يرحمه الشعب بصرف النظر عن حكم التاريخ، وسيكون أداة بيد أولئك البغاة، وعليه أن يتذكر أن شعبه وأمته ودينه وثقافته وحضارته كل أولئك معرض للعدوان والتدمير وسيدفع الثمن دماً ودماراً وإهداراً للحرية والكرامة والحقوق والمصالح والثروات، وأن الوقوع تحت ذلك النير سيستمر عقوداً وعقوداً من الزمن هي المعاناة المرة، ولن يرفعه إلا استشهاد ملايين من الناس.. ولنا جميعاً فيما حصل في الجزائر، وفي العراق، وفي ليبيا قديماً وحديثاً، وفي أفغانستان، ودول جنوب شرق آسيا.. وفي غيرها وغيرها من البلدان التي حل فيها بلاء ذلك الاستعمار وتحالفاته أمثلة وعبر.. والمحظوظ من يتعظ بغيره.

أنا لا أقر ظالماً على ظلمه، لا أقبل استبداداً من أحد، ولا أدعو أحداً إلى قبول الظلم والاستبداد، ولكن أدعوا إلى التبصر وتحمل المسؤولية والبحث عن الحلول العقلانية والوطنية والأخلاقية المسؤولة، لكل القضايا ومن كل الفئات، لكي نبقي على شيء من الوطن للأجيال من بعدنا، إذا كنا لا نسأل عن شيء نبقيه لنا من وطننا وفيه ولأمتنا ومن أجلها.    

إن من يتجاهلون أو يصادرون كل مبادرة وخطة وخطوة ونية ترمي إلى حل يقوم على الوفاق والاتفاق ويخرجنا من ضيق الأزمة إلى رحابة الثقة وحب الوطن، قبل أن يتبينوا خير ذلك من شره، هم رهن مواقف وأحكام مسبقة، وانفعالات بدائية، ونزوات مقيتة تحكمهم وتحجب عنهم الرؤية الواسعة السليمة والحكمة المفيدة المنقذة، وهم بذلك لا يخدمون أنفسهم ولا خياراتهم ولا القضايا التي يحملون والشعار التي يرفعون والشعب الذي يستهدفون والوطن الذي يعلون..  لأنهم بذلك يخسرون أنفسهم من حيث لا يقصدون، ويكشفون عن مخبوء لا يتماشى مع المعلن من قول وفعل، أو هم يعززون معلناً من المنطق والمواقف والخيارات لا يوافق دعواهم الوطنية وادعاءاتهم الإنسانية، وفي ذلك خسارة للقضية، ومجافاة للصواب، ومعاداة للحقيقة، وإضعاف للمنطق، وحكم مسبق على الأمور قبل أن يتبيَّن لهم شيء منها.. استناداً إلى ما كان أو ما يقررون أنه سيكون، من دون أن يأخذوا بالاعتبار تغير الظروف والمعطيات والأحكام والمواقف والرؤى بفعل ما جرى وما يجري وتأثير ذلك على الأشخاص والمناخ العام الذي ترسم فيه السياسات وتتخذ فيه القرارات.. وكل هذا لا يفيد ويرتد على صاحبه بغير ما يريد.. وعلى من يقود ويرتاد ويناضل ويضحي ويتطلع إلى السيادة أن يتأمل ويحاكم الأمور، ويأخذ بما يفيده من نتائج ما يتأمله ويستقرئه بحكمة وحنكة وعمق.. وهذا، لمن يتخذه نهجاً أو يحكمه في منهجه، ينطوي على إنصاف للذات وللآخرين، وللشعب الذي يقدم التضحيات وتُقدَّم من أجله ويتطلع إلى مستقبل أفضل.. لأن فيه العدل والصواب، وهو طريق الفوز بالثقة، ثقة الآخر الشريك والشعب المستهدَف بالتضحية والنضال، وثقة العالم الذي يراقب ويتابع ويبصِر ويتبصَّر.. ألا هل من مستجيب؟!.

دمشق في 30/12/2011

                                                        

 

انشر عبر