شريط الأخبار

دعوا الجيش الاسرائيلي يخسر..يديعوت

12:59 - 16 تموز / ديسمبر 2011

بقلم: ناحوم برنياع

كان يوم الثلاثاء واحدا من ايام الشتاء الرائعة التي يعرف هذا البلد انتاجها. فقد أشرقت الشمس صافية لطيفة. وكان هناك برد لذيذ عذري، بعث الحمرة في وجنات الاولاد في طريقهم الى المدارس. وبرغم هذا نهض رئيس الحكومة من مخدعه غاضبا. أو ربما أظهر وجه الغاضب فهذا امر يصعب ان نعرفه عند رئيس الحكومة.

        في الليلة الماضية شاغب شباب المستوطنات في ثلاثة مواقع في الضفة. ولم يكن العدو هذه المرة مسجدا أو بستان زيتون أو سيارات في قرية فلسطينية. كان العدو هو الجيش الاسرائيلي وهذا ما أغضب رئيس الحكومة. فهو يعلم ان الاسرائيليين يغفرون كل جريمة سوى جريمة تُنفذ في جنود الجيش الاسرائيلي. "لماذا لم توقفوا عشرين شخصا"، وبخ الضباط الذين دُعوا الى مكتبه. وأُحرج الضباط. واستقر رأي قائد منطقة المركز آفي مزراحي الذي قضى جزءا كبيرا من الليل ازاء المشاغبين على ان يرد فقال: "لنقل إننا أوقفنا عشرين، ماذا كان يحدث؟ كانوا سيُفرج عنهم في غضون 12 ساعة".

        دهش رئيس الحكومة. فهذا شيء لم يخطر بباله. وسأل وزير العدل يعقوب نئمان: "قل لي أهذا صحيح؟"، وأجاب نئمان مصدقا "هذا صحيح".

        لم يعرف الحضور ما الذي يحزنهم أكثر أتبين ان رئيس الحكومة لا يعلم ما الذي يجري من تحت أنفه – فهو لا يقرأ الوثائق التي ينقلها اليه السكرتير العسكري ولا يفتح الصحف ولا يشاهد التلفاز – أم تبين ان رئيس الحكومة يخدعهم في حضورهم.

        الغضب قوة. وغضب رئيس حكومة قوة كبيرة. وتوقع الحضور ان تنقلب الارض وان تنقل قوات الى الميدان وان تُخلى بؤر استيطانية غير قانونية وأن يجري التحقيق مع حاخامين ويتم تغيير اجراءات التحقيق. أمر رئيس الحكومة الجميع باعداد توصيات وبالعودة اليه من الغد. والى شروق الشمس في يوم الاربعاء كان غضب رئيس الحكومة قد زال كعادة الغضب. التقى في الكنيست مع الوزير نئمان والوزير اهارونوفيتش وقد عينهما ليبرمان. ووعده الاثنان باصدار أوامر إبعاد لمشاغبين معروفين ومحاكمة مشتبه فيهم في محاكم عسكرية وزيادة فرق التحقيق. هل يعلن ان المشاغبين منظمة ارهاب؟ يعارض هذا المستشار القانوني فينشتاين معللا ذلك بأن القاعدة القانونية للقرار ضعيفة. واستقر رأي رئيس الحكومة على ألا يعلن بأنهم منظمة ارهاب. وقد تمسك بالقاعدة القانونية لكنه لم يفكر سوى بالقاعدة السياسية.

        لم يكن أي شيء جديد في القرارات التي تم اتخاذها ما عدا هواءا ساخنا. فقد زيدت فرق التحقيق منذ زمن: وأخرج القائد العام للشرطة دنينو تحقيق الحالات الصعبة من منطقة يهودا والسامرة المستخذية ونقلها الى الوحدة القطرية للتحقيق؛ وبذل "الشباك" موارد كبيرة في وحدته اليهودية؛ وخصصت قيادة المركز قوة خاصة من حرس الحدود. ولم تكن لجميع هذه الجهود نتائج لأن اليهود لا يتكلمون في التحقيقات والجمهور الذي يؤيدهم لا يشي بهم.

        وكذلك حال أوامر الابعاد: فكل ما تفعله الأوامر هو ان تنقل الارهاب اليهودي من الضفة الى داخل اسرائيل. فالشخص الذي أحرق المسجد في طوبة الزنجرية نقل نشاطه الى الجليل بعد ان تلقى أمر إبعاد. و"الشباك" والشرطة والنيابة العامة والجيش على يقين من أنه هو الشخص. وبرغم هذا فانه يتجول في الخارج حرا سعيدا: فلا يوجد ما يكفي من الأدلة لادانته في المحكمة. وتلقى المشتبه فيهم أنهم دنسوا المسجد في القدس أول أمس أوامر إبعاد عن الضفة ايضا، فقد قالوا لأنفسهم ان يهودا والسامرة هي هنا، قالوا وفعلوا.

        في مواجهة مخالفي القانون من المستوطنات لا يختلف رئيس الحكومة الحالي عن رؤساء الحكومة الذين سبقوه: ان يده قصيرة. فهم أقوى منه في كل ما يتعلق بهم وبأجسامهم وبحريتهم وبؤرهم الاستيطانية.

        بقيت الحيلة فقط: فأول أمس في الليل اهتم ديوان رئيس الحكومة بأن ينشر بشرى ان رئيس الحكومة لا يتعوج. وهو لا يخاف من اليمين المتطرف. انه يقرر ويعمل وينفذ. وطوبى لمن يُصدق.

        كراهية في العيون

        قامت البؤرة الاستيطانية رمات جلعاد قرب ضيعة تاجر الاراضي موشيه زار عند طرف مستوطنة كرنيه شومرون. ويزعم زار انه اشترى الارض من فلسطيني. وقد حقق فريق من الادارة المدنية في زعمه تحقيقا عميقا. وفي نهاية التحقيق صدر رأي استشاري مدروس وقع عليه الرائد رومان من الاستشارة القضائية للادارة. وورد في الرأي الاستشاري ان زار لا يستطيع ان يبرهن على ملكية. وعلى حسب القانون التركي الذي ما يزال ساري المفعول حتى اليوم، يحق له ان يفلح الارض من اجل الزراعة ولا يحق له ان يبني عليها، فالبؤرة الاستيطانية غير قانونية.

        جُعلت رمات جلعاد في موضع عال من قائمة البؤر الاستيطانية التي التزمت الحكومة باخلائها. وقد تمت مباحثات في قيادة المركز وأُعدت خطة. وكما هي العادة في عمليات الاخلاء، سيكون رجال الشرطة والشرطة الخاصة وحرس الحدود في الحلقة الداخلية ويحرس الجنود في الحلقة الخارجية. وقد قضى قائد المنطقة بألا يحمل رجال الشرطة سلاحا حيا، ولن يحملوا ايضا هراوات وكل ذلك لتهدئة نفوس المُجلين.

        وحينما جاءوا للتباحث في اخلاء الكنيس قال نائب قائد منطقة شاي (السامرة ويهودا): لن يُخلي رجال شرطة الكنيس. فالمنطقة تحت سلطة الجيش الاسرائيلي فليُخلها الجيش. ورفض اللواء مزراحي طلبه رفضا باتا. فالكنيس تابع للحلقة الداخلية والجنود لن يُخلوه بل سيخليه رجال الشرطة. وهذا الجدل يثبت بالطبع الاحجام في الجيش الاسرائيلي وفي الشرطة ايضا فلا أحد يريد هذا الصداع، مع رفض الأمر العسكري والصور الصعبة والشتائم في الانترنت والمظاهرات قرب البيوت.

        في يوم الاحد أمر وزير الدفاع الجيش الاسرائيلي باخلاء رمات جلعاد. وطلب قائد منطقة المركز الحصول على الأمر خطيا ووقع باراك. وبدأ الجيش يستعد. وفي الصباح هاتف الوزير بيني بيغن قائد المنطقة. "أنا في رمات جلعاد"، قال. "ثم احتمال ان نتوصل الى تسوية. قم بتأجيل الاخلاء".

        قال القائد: "سيدي الوزير عندي الاحترام والتقدير كلهما لجهودك. وأنا اؤيد اتفاقا. لكن لي قادة فتحدث اليهم".

        تحدث بيغن الى باراك وأمر باراك بتأجيل الاخلاء.

        ان الاتفاق الذي حاول بيغن صوغه قضى بشيء بسيط هو انه يوجد على مبعدة خمسين مترا من مكان البؤرة الاستيطانية الحالي اراضي دولة. فتنتقل البؤرة الاستيطانية الى هناك وبعد ذلك توافق الدولة عليها. وطلب موشيه زار وابنته ميخال سيدا البؤرة الاستيطانية زمنا للتفكير. وكان هناك من وبخوهما قائلين: أنتما، رائدا الاستيطان ونبيلا المستوطنين، كيف توافقان على الاخلاء طوعا. ماذا سيقولون في البؤر الاستيطانية الاخرى.

        وفي يوم الاثنين امتلأت المنطقة باشاعات عن اخلاء قريب. وأصدرت لجنة مستوطني "يشع" اعلانا يقول ان باراك لا يفي بالاتفاق. يجب انقاذ رمات جلعاد. تعالوا بجموعكم. خرج شباب من كرنيه شومرون الى الشارع 55 فرموا سيارات فلسطينية بالحجارة. ورد الجيش الاسرائيلي على الحادثة بارسال جنود. اعتقد المشاغبون ان الجنود دُعوا لاخلاء البؤرة الاستيطانية. فهبط شباب ملثمون من رمات جلعاد الى الشارع 55 وانشأوا حاجزا من الحجارة ورموا الجنود ونائب قائد اللواء وقائد اللواء بالطوب. وكانت عندهم كراهية في العيون كما قال أحد الضباط. ولم يحسبوا حسابا للبزات العسكرية ولا للرتب العسكرية. لم أر في حياتي كراهية كهذه.

        وجاءت مجموعة اخرى في ثلاث حافلات الى قصر اليهود في غور الاردن. ومع افتراض ان قيادة المركز كلها مجندة لاخلاء البؤرة الاستيطانية، أرادوا ان يصرفوا قوات اليهم. وتقام في الغور كتيبة من القوات النظامية تتبع قيادة الجبهة الداخلية.وحينما اخترقوا الأسلاك الشائكة، بدأ في الجيش الاسرائيلي اجراء الفارس التركي. وسمع قائد عسكري خرج الى ذلك المكان جلبة وأطلق النار في الهواء ولم يعرف ان الحديث عن يهود.

        دخل الشباب – كان واحد منهم فقط حدثا – مبنى كنيسة مهجورة بين الأسلاك الشائكة وحدود الاردن. ليمكثوا هناك، أمر قائد المنطقة. وفي النهاية كسر البرد عزيمتهم فغادروا قُبيل الصباح.

        وخرجت مجموعة ثالثة من المعهد الديني مركاز هراف في القدس ومن مستوطنة يد بنيامين فداهموا معسكر لواء افرايم في كدوميم.

        استدعاء دم

        يعترفون في الجيش والشرطة والنيابة العامة و"الشباك" بالفشل. وكالمتوقع يوجهون في كل ذراع اللوم على الذراع الاخرى. ومع ذلك يبدو ان الجميع يتفقون على ان جُل التبعة يقع على المستوى السياسي. لا على رئيس حكومة واحد ولا على وزير دفاع واحد بل على الجهاز السياسي كله.

        كان يجب على الحكومة ان تقضي بأن يكون حكم واحد للمواطنين تحت الاحتلال: الاسرائيليين والفلسطينيين واليهود والعرب. وحكم واحد لرُماة الحجارة وحكم واحد لمُدنس مكان مقدس وحكم واحد لمُخل بالنظام. ولن يحدث هذا بالطبع.

        كان يجب عليه ان يوقف سياسة الاشارة الخفية. فالحكومة تلتزم في المحكمة باخلاء بؤرة استيطانية وتهتم في موازاة ذلك بربط البؤرة الاستيطانية بشبكة الكهرباء والماء والهاتف. وهي تشق شارعا الى البؤرة الاستيطانية وتقيم قوة من الجيش الاسرائيلي تحرسها. ويتعلم الشباب في المستوطنات قواعد اللعب. وهم لا يعرفون الله.

        حينما يكتب شخص منهم "محمد خنزير" على جدار مسجد ويعتقل يُتهم في المحكمة بافساد عقار، بحسب نفس المادة التي يُتهم بحسبها أحد سكان تل ابيب كتب على جدار بيت "الشعب يريد عدالة اجتماعية" أو "أحبك يا سيغي". العدل أعمى: فهو لا يميز بين كتابة جدارية واخرى. وهو لا يفهم الفرق: فالكتابة في تل ابيب هي في الأكثر ضرر جمالي في حين ان الكتابة في المسجد هي دعوة الى عملية واستدعاء دم.

        تتصرف الحكومة بجبن. فحتى حينما يستقر رأيها على مجابهة مخالفي القانون تفضل ان تخطو بحذر. وكل بنات مستوطنة يتسهار، على تل هنا وتل هناك غير قانونية، والمعهد الديني "عود يوسف حي" (ما يزال يوسف حيا) الذي يعمل هناك ينشيء على حساب الدولة جيلا من المشاغبين. وقد أعلن قادة الجيش الاسرائيلي عدة مرات أنهم مستعدون لاخراج كل ما يعمل هناك خارج القانون ومنه المعهد الديني. وكان الأمر هدم كرفان واحد. ما الداعي الى الاكتفاء بكرفان واحد، سألوا في الجيش. فهم من الغد سينشئون بدلا منه عشرة كرفانات ومهما يكن الامر فستكون مواجهة.

        أوضحت الحوادث هذا الاسبوع ان قواعد اللعب تتغير. فينبغي ألا يُخرج من دائرة الامكان ان يستعمل المشاغبون في المواجهات القادمة سلاحا حيا. والتفكير بأنه يمكن تنفيذ مهمة بلا سلاح حي بل بلا هراوات كان خطأ. يجب التفكير من جديد، وليس هناك فقط، فعند أجزاء واسعة من الجماعة الصهيونية المتدينة يوجد ذلك. وكما كانت الحال بعد مقتل رابين تعلو هناك الآن الاصوات التي تدعو الى محاسبة النفس. ومن المؤسف ان يعذب هؤلاء الناس الطيبون أنفسهم بهذا القدر. فليشوا بدل الندم على الخطيئة. ليشوا بأبناء الجيران، وبالحاخام المحرض وبالمركز الأمني الذي يتلقى أجرة من الجيش الاسرائيلي لكنه يعمل على مواجهته سرا. لا تعظوا أيها الرفاق بل أوشوا (من الوشاية).

انشر عبر