شريط الأخبار

د.أيوب عثمان يكتب..عادت فعدنا، ولكن... ماذا بعد؟

06:50 - 07 تموز / ديسمبر 2011

        بقلم: الدكتور/ أيوب عثمان

    كاتب وأكاديمي فلسطيني – جامعة الأزهر بغزة

في أعقاب مقتل الطالب في جامعة الأزهر، الشاب ذي التسعة عشر ربيعاً، خليل الطويل، ظهر يوم الاثنين 28/11/2011، عاشت جامعة الأزهر بين إغلاق كامل وتعليق دراسي مدة أسبوع تقريباً لتعود بعدها لمواصلة مسيرتها إن شاء الله من جديد. هذا هو الأمل، لكنه – ومع بالغ الأسف وأشده –  أمل بلا عمل، على الرغم من أن معظمنا – إن لم يكن جميعنا – يفهم استحقاق قول الله تعالى: "وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون".

وحيث إن الأمل معقود بالعمل، دوماً، ومرتبط به ومحفز له ومحرض عليه، ذلك أنه لا أمل بلا عمل، فإن السؤال الذي يحاصر كل ذي عقل يحب جامعة الأزهر، ويحرص عليها، ويعمل مخلصاً من أجلها، ويدافع عنها، هو: ما الذي جرى في جامعة الأزهر؟! وما الذي جرى لها؟! ما الذي أغلقها وعلق الدراسة فيها؟! وما الذي أعاد فتحها فاستؤنفت الدراسة فيها؟!

إذا كنا نعيش اليوم وجامعتنا على أمل، فليفهم كل منا أن هذا الأمل لم نفعل – حتى اللحظة – شيئاً من أجل تحقيقه، الأمر الذي يؤكد أن مثل هذا الأمل لن يكون كسباً لنا ولجامعتنا، بل سيكون عبئاً علينا وعليها. أملنا هو أن تعبر جامعتنا إلى حال أفضل، غير أننا يجب أن نعترف أننا- على المستوى الجمْعي والفردي، الشعبي أو الرسمي – لم نفعل أي شيء يُشي بأن شيئاً ما قد تغيرأو سيتغير. فطلبة الجامعة – بنين وبنات – هاهم إلى مقاعد الدرس قد عادوا، دون إطْلاعهم أو إطْلاع أولياء أمورهم على حقيقة ما جرى وما هو الآن جارٍ، ودون طمأنتهم على أنفسهم من ناحية، وذلك كي لا يجري لأي منهم ما جرى لزميلهم الشهيد خليل الطويل، وعلى مسيرة جامعتهم من ناحية أخرى. أما أكاديميو الجامعة وإداريوها، فقد عاد كل منهم إلى عمله دون إطلاعه على الحقيقة ودون طمأنته على تغيير نهج الجامعة بما يضمن تأمين حياته وسلامة مسيرة جامعته، لاسيما وإن مثل هذه الأحداث المؤسفة والنوازل الخطيرة والفواجع المؤلمة لم تكن أول الأحداث وأول الفواجع وأول النوازل على مدى عقدين كاملين هما عمر الجامعة، ولكن من حقنا جميعاً – طلبة ومجتمعاً وعاملين – أن نحلم بجامعة تخلو من مثل هذه الأحداث والفواجع فتودعها إلى غير رجعة... جامعة هادئة مستقرة دائماً تتطور، وإلى الأفضل في كل يوم تتغير.

سألني صديق عزيز كنت أعرف أنه ذو عقل راجح ومستنير، ولا أشك لحظة في صدقه أو وفائه أو في قوة انتمائه للجامعة سؤالاً مقصده ليس استفهامياً وإنما هجومي استنكاري، إذ قال: ما الذي دعاك إلى استحضار قصة ياسر المدهون، وقد مضى عليها أكثر من سبع سنوات، وانتهت؟! لم أُخفِ شديد استننكاري لاستنكار هذا الصديق العزيز الذي كنت أراه عاقلاً، فقلت له ما أقول لسواه: "هذا هو دفن الرؤوس في الرمال! هل كان مقتل الزميل المحاضر ياسر المدهون، وهو على رأس عمله، في جامعته، جريمة على مستوى الحقيقة أم الخيال أم التضليل؟! ألم يكن قد قتل بمفخخة زرعت في كرسيه وهو في جامعته؟! هل اتخذت الجامعة بعد مقتله إجراءات من شأنها أن تحافظ على الجامعة وتحمي طلبتها والعاملين فيها؟! هل استفادت الجامعة من تلك الفاجعة المروعة، فوظفتها على نحو من شأنه أن يصون الأمن في الجامعة ويحقق الأمان فيها، فيحمي حياة طلبتها وموظفيها؟! أليس من قبيل دفن الرؤوس في الرمال أن ننسى، اليوم، أو أن نتناسى جريمة قتل الزميل ياسر المدهون في داخل الجامعة، ودون أن نستحضرها، في سياق جريمة مقتل الطالب في الجامعة خليل الطويل؟! أليس من واجبنا جميعاً أن نستحضر جريمة سابقة كجريمة مقتل المحاضر المدهون حينما تدهمنا جريمة حاضرة كمقتل الطالب الطويل؟! أليس من حقنا – ونحن نعيش اليوم جريمة قتل الطالب خليل الطويل – أن نقول: ما أشبه الليلة بالبارحة، على أن "هذه البارحة" كانت قد دهمتنا على نحو مذهل ومفجع ومروع قبل أكثر من سبع سنوات؟! أليس من حقنا أن نتساءل: إذا كان الأكاديمي ياسر المدهون قد قتل في مكان عمله بالجامعة قبل أكثر من سبع سنوات، في حين كان قد قتل، قبل أيام معدودات، الطالب في الجامعة خليل الطويل، فيما أصيب، في سياق الجريمة ذاتها، موظف الأمن في الجامعة، محمد أبوعودة، إصابة متوسطة، فما الذي تغير، إذن؟! لا شئ قد تغير. أليس ذلك أمراً غريباً ولا يمكن في أي حال قبوله؟!

إن كل من يريد أن يفهم مثل هذه التساؤلات والاستنكارات على أنها فضح للجامعة بقصد النيل منها، دون تحقيق أي كسب لها، إنما هو واحد من ثلاثة: إما جاهل لا يعقل، وإما جاهل يتعاقل، وإما عاقل ينافق، فطوبى لكل ذي عقل يحارب الجهل وينبذ النفاق فيتحدث عن الموضوع  مدار البحث، دونما جهل أو جهالة ودون نفاق أو مواربة.

وبعد، فهل سأل كل من الطلبة وأولياء أمورهم والعاملين نفسه عما يراد من هذه الجامعة، وعما يراد  لها، وعما جرى فيها، وعما جرى لها، وعمن أغلقها، وعن مبررات إغلاقها، وعمن أعاد فتحها، وعن مبررات استئناف الدراسة فيها؟! وهل تولدت للجامعة – من خلال أزماتها المتلاحقة – رؤية مستقبلية لمسيرتها؟! ما هي تلك الرؤية المستقبلية الضامنة لمسيرة  جامعية هادئة مستقرة يأمن الطلبة والعاملون من خلالها على حياتهم ومستقبلهم؟! أليس واجباً على إدارة الجامعة أن تُجري في جريمة مقتل الطالب فيها، خليل الطويل، تحقيقاً مهنياً، وليس إدارياً كذلك الذي تم – لاسيما وإن في جامعتنا كلية حقوق يدرس أساتذتها طلبتهم – منذ خمسة عشر عاماً – علم الجريمة وقانون المرافعات وقانون الأدلة والبينات... إلخ، ثم تطالب الجهات التي وصفتها في بيانها بأنها "مختصة"، أي السلطة المسؤوولة في غزة بتوضيح هذه الجريمة وأركانها وأبعادها ومكان ارتكابها والكشف عن مرتكبيها، وإعلان ذلك كله على الملأ حتى يفيد منها الطلبة والعاملون والمجتمع، مع تأمين محاكمة عادلة توقع القصاص العادل على الجناة لترد المظالم وتحفظ الحقوق لأصحابها. وأليس واجباً على إدارة الجامعة أن تحمل السلطة القائمة في غزة مسؤولية تزويدها بنتائج التحقيق في جريمة قتل الطالب في الجامعة، خليل الطويل، وجريمة الاعتداء على موظف الأمن في الجامعة، محمد أبو عودة، الذي أصيب إصابة متوسطة؟!

وأما آخر الكلام، ألا يجدر بكل من إدارة الجامعة والسلطة الحاكمة أن تدرك أن فضح الجريمة والإعلان عنها وكشف مرتكبيها ليس إلا أمراً واجباً ومطلوباً، وأما التستر عليها فجريمة هي أكبر من الجريمة ذاتها، أم أننا شعب ينطبق عليه قول الشاعر:

       إني لأفتح عيني حين أفتحها               على كثير، ولكنّي لا أرى أحدا؟!!

انشر عبر