شريط الأخبار

أضرب غوش ايمونيم وأنقذ إسرائيل- هآرتس

03:51 - 02 تموز / ديسمبر 2011

أضرب غوش ايمونيم وأنقذ إسرائيل- هآرتس

بقلم: يسرائيل هرئيل

قبل نحو من ثلاثين سنة انقطع نشاط غوش ايمونيم، ومضى قادتها كل واحد في سبيله. وتوجه قليلون مثل حنان بورات الراحل الى السياسة. هناك، في مكان لم يلائم طابعهم وقيمهم، ضاع زخمهم. وضاع، بقدر لا يقل عن ذلك ايضا، زخم المشروع الذي انشأوه. وعد مناحيم بيغن بأن ينشأ الكثير من مثل ألون موريه، لكنه كان أول رئيس حكومة جمد انشاء مستوطنات في يهودا والسامرة، وبعد ذلك اجتث الاستيطان الزاهر في شمالي سيناء. ونفذ الرجل الذي أسماه الاعلام "والد المستوطنات"، اريئيل شارون الاجتثاث القاسي لغوش قطيف، وأعلن رئيس الحكومة الحالي، رئيس الليكود "دولتين للشعبين" وبهذا استل سيف اجتثاث مشروع الاستيطان كله.

هذه الحقائق معروفة جيدا لعاموس شوكين، لكنه برغمها يزعم في مقالة عنوانها ("القضاء الضروري على الديمقراطية"، "هآرتس"، 25/11) أنه لم تعد جهة في الدولة ذات قوة عقائدية مثل غوش ايمونيم وأن لعقيدتها تأثيرا سلبيا في كل ما حدث هنا منذ كانت حرب الايام الستة، هذا الى كون حكومات اسرائيل على اختلاف عهودها "أداة لغوش ايمونيم".

اليكم بحسب المقالة شيئا من أفاعيل غوش ايمونيم: تنحية ساسة، وتفسير متطرف لليهودية، واستعمال نظام الفصل العنصري، وحملة تشريع معادية للديمقراطية، وتشهير أهوج للمحكمة العليا وبمنظمات حقوق الانسان وبالصحافة. فليست حكومات اسرائيل وحدها أداة لغوش ايمونيم بل الرئاسة الامريكية ايضا: "هناك نجاح كبير لهذه الايديولوجية خاصة في الولايات المتحدة". فجماعة الضغط اليهودية "مدمنة تماما على عقيدة غوش ايمونيم (ولهذا) ليس ممكنا لرئيس امريكي ان يتخذ سياسة فعالة في مواجهة الفصل العنصري الاسرائيلي".

ان غوش ايمونيم، بحسب المقالة، لها صلة ايضا بأكبر خطر وجودي على مستقبل الدولة، أي القنبلة الايرانية: فاسحق رابين الذي خشي من برنامج ايران الذري بدأ يُبطله بواسطة استراتيجية سلام هي استراتيجية اوسلو. وكان سيتدبر أموره مع الايديولوجية الذرية الايرانية ومع الارهاب الفلسطيني، لكنه لم يستطع الصمود في مواجهة ايديولوجية واحدة فقط: "تبين أن استراتيجية اوسلو صادمت ايديولوجية اخرى أقوى هي ايديولوجية غوش ايمونيم". وهكذا بعد ان جلبت علينا غوش ايمونيم الفصل العنصري والفساد الاخلاقي أضافت خطيئة الى جريمة ايضا وأفشلت اوسلو (هي لا حمام الدم الذي بدأه ياسر عرفات الذي كان ما زال موقعا على اتفاق اوسلو).

"وبسبب عدم شرعيتها المحايث" تعمل غوش ايمونيم على جعل نشاطاتها غير القانونية قانونية – بتغيير القوانين وتغيير التفسير القضائي للقوانين. فقانون القطيعة "يقصد الى منع امكانية علاج الفصل العنصري الاسرائيلي كما عولج الفصل العنصري في جنوب افريقيا". ويؤتى هنا بالمقارنة التاريخية المطلوبة، "وكانت امور مشابهة في اماكن اخرى وأزمان اخرى". واذا لم يكن هذا كافيا فان المقالة تعرض احتلالا استراتيجيا آخر لغوش ايمونيم هو احتلالها المحكمة العليا. فهذه الأخيرة "أحلّت مشروع الاستيطان... وتعاونت في واقع الامر مع عقيدة غوش ايمونيم".

ويقول شوكين ان عقيدة غوش ايمونيم يحركها باعث ديني وهذا سبب تطرفها. لكن الحقائق التاريخية هي ان الصهيونية العلمانية كانت أكثر تطرفا من الدينية. فالدينية أسلمت مصير الشعب الى السماء؛ وتعلمون ما الذي جرى على الشعب في انتظاره السلبي مقدم هذا المتأخر. وكانت مسيحانية غوش ايمونيم أقل من مسيحانية الصهيونية العلمانية. وكان يحتاج الى رؤيا مسيحانية منقطعة النظير للاستيطان في غديرة وفي أم جوني وفي الخضيرة. واحتيج الى قوة وايمان متقد بالصهيونية والاشتراكية للبناء والبقاء في دغانيا ونقبة، وللايمان بأن دولة يهودية ستنشأ من هذا القليل. واحتيج الى اخلاص وتضحية من طلائعيي الغور والجليل والنقب. واحتيج للتمسك بيهودا والسامرة في حين أصبحت توجد دولة وجيش – الى شيء قليل من الطلائعية في الحاصل العام.

أعلن دافيد بن غوريون، لا حنان بورات ان "الغاية العليا لدولة اسرائيل هي خلاص اسرائيل". وقال ايضا ان الحق في ارض اسرائيل هو "حق الأمة على اختلاف أجيالها وهو حق لا تمكن مصادرته بأي شرط" (اقتبست ذات مرة هذا الكلام – الذي قال بن غوريون في 1937 في المؤتمر الصهيوني العشرين في زيوريخ – أمام منتدى مشرعين ورجال اعلام امريكيين. وشعر بعض المشاركين اليهود، وكان هذا متوقعا، بعدم ارتياح لهذه الدعوى البدائية. وهز أكثر الآخرين من غير اليهود رؤوسهم موافقين).

ان جذور الايديولوجية التي ما تزال تحرك، بقوة تقل، الدولة هي هناك في عين حرود وفي نهلال لا في ألون موريه وكدوميم. تبنت غوش ايمونيم هذه الجذور وحاولت – باضافات منها – ان تسير على هدي منها. والنجاح كما تعلمون جزئي. انشأت حكومات اسرائيل مستوطنات في يهودا والسامرة بفضل هذه الجذور لا بفضل القوة السحرية لغوش ايمونيم. والمحكمة العليا أحلّت مشروع الاستيطان لا من اجل المساعدة على تحقيق العقيدة الدينية لغوش ايمونيم. ان البقية الباقية من المشاعر الصهيونية التي بقيت في قلوب القضاة هي التي فعلت ذلك.

ان واحدة من اللبنات الأساسية لتصور التعدد الثقافي هي قبول "الآخر" المختلف، واحترام آرائه برغم الاختلاف والغرابة. لكن في اسرائيل المتنورة، أصبح الآخر المفضل هو العدو ابن الأقليات ومهاجر العمل. ويثير "آخر" آخر هو غوش ايمونيم في عاموس شوكين نظرة تختلف تماما. فهذا "الآخر" شيطاني ومخيف ويدبر الشر ويشارك كما هي الصورة النمطية لليهود، في كل شيء. وهو يسيطر على الحكومة ويفسد معايير المحكمة العليا، ويحارب حرية الصحافة، وبسببه سيكون للايرانيين قنبلة، وهو يُقرب انتفاضة ثالثة وربما انهيار السلام مع مصر ايضا. ان مجرد وجوده يفضي الى "القضاء المحقق على الديمقراطية". انها تداعيات من عالم آخر وأزمان اخرى حقا.

كنت في سبسطية وعرفت معرفة قريبة الاشخاص القادة من غوش ايمونيم. وتابعت الايديولوجية التي حركتهم وأثر فيّ اخلاصهم واستعدادهم لبذل حياتهم لمستقبل الأمة والدولة. وكانوا أبرياء تماما مما ينسبه اليهم شوكين. وقد أرادوا ان يعيدوا الدولة الى فترة كانت في رأيهم أحلى ساعات الحركة الصهيونية هي عصر الطلائعية والاستيطان. وكان نجاحهم جزئيا. حتى ان الجمهور الديني انفصل عنهم وخلّفهم "طلائعيين أمام المعسكر". لم تكن لهم قط ايديولوجية تتجاوز المعسكرات، كما يجب ان تتبنى لنفسها حركة تطمح الى ان تهب للمجتمع كله نظريتها العقائدية. هذا الى انهم كانوا بلا دافع الى المناصب والاجلال والشهوات. وقد آمنوا بسذاجتهم أنهم سيجرون وراءهم شعب اسرائيل بالاخلاص والقدوة لكنهم اخطأوا.

في السبت الماضي أقامت حركة بني عكيفا "سبت المنظمة" وهو عيد الحركة السنوي. ربما ما تزال هذه الحركة هي الاخيرة التي تنظر بجدية الى الايديولوجية الكلاسيكية لحركات الشباب – التحقيق وتفضيل المجموع على الفرد – والتي كانت ايضا مستنبت الأوائل من غوش ايمونيم. وحينما سار هؤلاء الى سبسطية كان هدفهم المركزي مثل طلائعيي الهجرات الاولى حقا ان يستوطنوا ارض الآباء، لا أكثر. لم تكن لهم ايديولوجية مبلورة باعتبارهم حركة، ولا في أي مجال آخر. وكان هذا من مصادر ضعف الحركة التي اختفت بعد زمن قصير من خرقها الطريق الى تحقيق أشواق الاستيطان.

ان عددا كبيرا من مؤسسي عوفره التي هي المستوطنة الاولى لغوش ايمونيم هم ممن خرجوا من الكيبوتسات والقرى الزراعية. وآخرون كانوا من خريجي بني عكيفا الذين رُبوا على تحقيق الاستيطان. ولم يكن أكثرهم أو كلهم يعرفون نظرية الحاخام كوك الذي ينسبون اليه مسيحانية غوش ايمونيم، ولم يروا من الداخل المعهد الديني "مركاز هراف". وكانت الاناشيد التي ذوبتهم هي اناشيد حركات الشباب وقلدوا عادات حركات واحزاب ارض اسرائيل العاملة، (التي لم تعد موجودة تقريبا، للأسف الشديد).

يجب علينا ان نقول في الختام ان الكلام الذي يرد في مقالة شوكين الى جانب ما كتب طوال السنين، يثير اعتقاد ان غوش ايمونيم هي بالنسبة اليه موضوع إسقاط. فلشوكين حساب طويل مع الصهيونية العلمانية والدينية معا. فالصهيونية، لا غوش ايمونيم، هي التي تمنع تحول اسرائيل الى دولة جميع مواطنيها. والمقالة موجهة في واقع الامر عليها. لكن ما يزال الوقت غير مناسب لتوجيه العيب على الجمهور عامة – الذي يُعرف نفسه كله أو أكثره بأنه يهودي وصهيوني – كما يعيب شوكين على غوش ايمونيم الممثلة الأوضح للصهيونية كلها. وحينما يقتنع الجمهور لرفض كل ما تؤمن به غوش ايمونيم فسيرفض نتيجة ذلك الشيء الذي ما تزال الصهيونية تمثله وهو ان دولة اسرائيل هي دولة يهودية وصهيونية وديمقراطية وهي الوطن القومي للشعب اليهودي.

انشر عبر