شريط الأخبار

الهوى غلاب.. علي عقلة عرسان

03:08 - 28 تشرين أول / أكتوبر 2011

الهوى غلاب.. علي عقلة عرسان

 

في مشهدنا الحياتي اليومي، منذ شهور وشهور تعد أيامها ولا تطاق، نسمع العجب ونرى الأعاجيب، وبين العجب والأعاجيب نتوه وتذهب قدرتنا على التصديق والتمييز أدراج الرياح، وكأننا نستهدف بهذا النوع من الحروب والأسلحة حتى نفقد القدرة على التصديق والتمييز فنعجز عن اتخاذ موقف يقوم على يقين.. فالواحد منا لا يطمئن إلى ما يرى لكثرة ما يُشكَّك فيما يرى، ولا يطمئن إلى صديق ولا إلى تصديق ما يراد لك أن يصدقه، لكثرة الدجل وكثرة ما في الأمور والحجج والذرائع من خلل وخطل وفجاجة.. وحين تعرض هذا الأمر أو ذاك على ذاكرتك، بحلته الجديدة المزينة بكل أنواع البهارج والزركشات، تبرز إليك من مكنونها قرائن لما أنت فيه أو مشاكهة له، تجعلك إلى الشك أقرب منك إلى اليقين وإلى الرفض أقرب منك إلى القبول، تحوقل وتقول: " إن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين" أو هكذا ينبغي أن يكون عليه أمره.. فتقف أمام العقبة الكأداء لا أنت بمقتحمها ولا أنت بالمنزوي عنها والراغب عن اقتحامها، فهي كالقدر المقدور وأنت كالصب المذعور.. فهل تلك حالة مرسومة للمشهدَين الخارجي والداخلي، الدامي والمحبِط، المنهِك والمهلِك.. اللذين نعيشهما في داخل الأنفس وفي تفاصيل المحيط وعند التحرك في هذا الاتجاه أو ذاك؟! وهل هي أكثر أو أقل من المرسوم بعناية فائقة والمخطط لها بدقة صارمة من قوى وأدوات وجدت ما يمكنها من استثماره للنيل من الموقف والوطن والشعب والتوجهات؟!.. أم هي الجزء الأساس من استراتيجية الحدث المتحرك نحو المجهول، ومن الهدف المنشود لجعلك وقود الصراع عليك، بغية خلط الأوراق، ولبْس الصالح بالطالح، الوطني بالعميل، الكاذب الأشر بالصادق الأمين، والانتهازي بالمبدئي، والفاسد المفسد بالنقي، والمقتدر الصابر الصامت بالمدعي العجول الفج مبنى ومعنى؟!.. ومن ثم تدنيس المقدس، وتشويه الصور والعلاقات، وتدمير الأسس والمعايير السليمة التي يحكم بها على الأشخاص والأقوال والمواقف والأعمال.. وجعل الفوضى سيد الموقف، والهشاشة تصيب الجميع ويصبح كل ما يُرى ويُقال ويُفعل موضع نظر وشك وتردّد وإرجاء، وما يُراد له أن يكون المخرج وأساس البناء لصرح الوطن وقيمه ومقوماته، محكوم عليه قبل سماعه، لينهار بانهيار رأي الإنسان وإرادته وطنٌ شامخ لا نريد له أن ينهار، ولا أن تذهب بذهابه وذهاب أمثاله أو ضعفه وضعف أمثاله آمال أمة ما زالت تؤمن بحقها في الوجود، وقدرتها على النهوض، ودورها الحضاري والإنساني.!!.

فيما حولي، وفي المحيط الأوسع الذي يلفني ويلف عالمي وعالم غيري من العرب الذين أُدخلوا شبكة الصياد المتربص.. عيونٌ ترى الدم ماءً وأخرى ترى الماء دماً، ولا يعنيها الفرق بين لدم والماء.. وعيونٌ ترى الآلاف مئة وأخرى ترى المئة آلافاً ولا تعنيها الأرقام والأعداد وما وراء ذلك من تفاوت.. وعيونٌ ترى ولا ترى، وأخرى لا ترى وتدعي أنها تملك ما ملكته زرقاء اليمامة من قدرة على الرؤية والكشف.. فهل ترى يغشى البصر ما يغشى، أم أن الهوى غلاب؟! أم أن الكذب أضحى على الذات والآخر، واستغفال الآخر الذي يشي بغفلة الذات.. كل ذلك أضحى ديدن السياسات بلا منازع ولا ردع ولا رادع، وأنه ما يحدد سمات المرحلة والناس والأقوال والأفعال.؟!

يتكلمون عمن يرى القذى في زاوية عين أخيه ولا يرى الخشبة في عينه، وعن المكر ومن يمكرون.. ويستفيضون في ذكر أشياء كثيرة من هذا القبيل، وكل هذا، في ظني حتى لا أقول في يقيني، أصبح سمة شبه عامة لأناس وأناس، وما يشكل وجه المشهد الحزين الذي نسير فيه ويسير بنا لا ندري حتَّام وإلى أين؟!.. نسير ونسير: أمواتاً وأحياء، مشيِّعين ومشيَّعين، قتلى وقاتلين، مصابين ومعزِّين.. نسير ونسير إلى حيث يعرف كل منا أنه ليس الطريق، ولا الخلاص، ولا المراد، ولا الغاية ولا الخلاص والبناء.. وفي أثناء ذلك السير يكره كل منا خطوه والمدى الذي يمتد أمامه في هكذا طريق.. ومع ذلك يتابع السير ويطفح قلبه كما تطفح عيناه بالدم والدمع والقذى، ويغشى البصر والبصيرة ما يغشى.. صار دربنا وسيرنا علامة من علامات العجز عن الرؤية والتقدير الصحيحين.. وصار كثير منا لا يعنيه ما يرى البصر بل ما تراه النفس وتتمناه في غيها وباطلها وظلمها وضلالها، والنفس تحابي أهواءها أو تصدر عن تلك الأهواء فيما توحيه وتحدده وتقدره وتقرره على النحو الذي يشفيها ويرويها ويشبع نهمها المتعدد الأوجه، حين تنفلت من عقال العقل وضوابط الضمير، وهي الأمارة بالسوء.. ويصبح ما تعلنه رأياً ورؤية في مشهد فقد فيه الناس آراءهم ورؤاهم، ودخلوا بيداء التيه أو أُدخلوها خوفاً وطمعاً.

في مشهدنا السياسي والإعلامي المعاصر تضيع الحقيقة، ويذرى ريش العقل في الريح، ويهوي الناس في المهالك ولا ينجدون حتى إذ سمع لهم صريخ، ويستمر التحدي ولتجبر ولتكبر، ويوغل من يستهويه المكر في متاهات أخرى من المكر.. ولا يعنيه قوله تعالى: " ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله"..؟!! وبين غشاوة البصر وغش البصيرة تضيع أمور كثيرة، وتهدر دماء وتزهق أرواح ويضيع خلق ويُحجَب رزق وتنتهك حقوق وتُستعبَد أوطان أو تهلك بصور شتى.. فأين المهْرب "منا" ومن " أولي العزمات بيننا"؟ لكي نجد أنفسنا، ونتبيَّن دروبنا وما ينفعنا مما يضرنا؟ ونعرف من يعادينا ويستعملنا أدوات ليفتك بنا بأيدينا، ويقوم بإغراء نفوس بالمادة والشهوة والسلطة وسائر المغريات المهلكات.. ليصل إلى ما يريد، ويقبض ثمن أرواحنا التي تزهَق بأيدينا.!؟ لقد أحيط بنا، واستبد بنا الجهل مثلما استبدت الجهالة، وأصبحنا النار ووقودها.. لنمهد الطريق بدمنا لأصحاب التاريخ الاستعماري الدموي وأتباعهم والمرتبطين بهم، وها هي القادمات من أيامنا تغص بنذر الشر.. وفي المقدم منا صياح الصائحين "بحظر جوي، ومناطق آمنة، وحماية المدنيين..؟؟" وكأن الدرس العراقي والليبي والأفغاني والـ .. والـ.. لم يمر على أسماهم وأبصاره ولم يترك في ذاكرة كل منهم شيئاً من المآسي والدروس والعبر؟؟ وها هو الأميركي خاصة، وحلفاؤه ومن هم في جيبه أو أدوات له.. يتهيأ للعودة إلينا  بعد أن "فكر وقدر ودبر" وقتل كيف فكر ودبر.. ها هو السفير روبيرت فورد يعود عوداً غير محمود، وقد هيأ "ديكه الرومي" لعيد شكر من نوع خاص يقيمه في دمشق، عيد شكر لا يمت إلى المسيح المحب الطيب والمسيحية التي نعرفها بصلة، حيث يتوجه إلى "ربه" شاكراً على أن " هدى إدارته وهداه" إلى أمثل السبل للإضرار بعرب ومسلمين والعبث بدمائهم وأوطانهم ومصائرهم وما يملكون.. باسم الإنسان والحرية والديمقراطية والمفاهيم الأميركية الأخرى عن ذلك كله الذي جعل كل تلك لمثل والقيم والمفاهيم سلعاً سياسية قذرة.."، .. وهو وإدارته أبعد ما يكونون عن فهم الإنساني والإنسان والحضاري.. وها هي "ديوكه" تصيح بيوم " حظر" إن جاء ـ ولا أظنه يجيء ـ دمر ما بناه السوريون في عقود بدمهم وتضحياتهم، وأدخلهم في فتنة تقود إلى حرب أهلية، وأعاد البلاد ـ لا سمح الله ـ إلى حظيرة الاستعمار؟! إنهم يصيحون ويصيح بهم سواهم، يقتلون ويُقتلون، والكل من يقتل ويعاني ويتعذب ويظلم ويتسلط ويشتهي الهزيمة لأخيه.. كلهم من أبناء هذا الوطن لمنكوب ببعض بنيه، ومن أبناء هذه الأمة المصابة بأعز ما تملك..ب طاقات أبنائها وقواها القادرة على البناء؟! أليس ذلك من مضحكات الأمور ومبكياتها؟ أفلا يتناقض كلياً مع الادعاء العريض بالتقدم نحو الإصلاح والحرية والديمقراطية والدولة المدنية والنهضة والاستقلال والإخلاص للأمة في عقيدتها وتاريخها وهويتها وثوابتها.. و.. و.. إلى آخر الأسطوانة التي أصبحت مشروخة ومؤذية للسمع وفتاكة في العقل والوجدان؟!

إن من يذهب من أبناء هذا الوطن هذا المذهب هم سوريون يقتلون سوريين.. وكل من قتل أخاه عادى البيت وأهله؟! لكنهم يقتلون ويقتتلون وهم لا يدركون، أو بالأحرى لا يريدون أن يدركوا، معنى ذلك وفداحته وما يتركه من أحقاد في الأنفس قد يأتي على ما عرفت فيه سورية من تآخ وتسامحٍ وتماسك اجتماعي على مدى قرون وقرون؟ إنهم لا يريدون أن يدركوا الأبعاد والنتائج بينما الدروس والعظات بادية لهم..؟! وترتفع أسئلة وتساؤلات من نوعين أو فئتين من المنطق في فضاء الوطن الحزين وبين المواطنين المصابين بأعز ما يملكون..

بعضها يقول:

ـ ما الذي يعنيه الوطن والمواطن والمواطَنة لمن يعيش بعيداً عن الدار والنار وعمن يحترق بها، وماذا تشكل له المعاناة ومن يتعرض لها؟.. إنه مطمئن إلى وطن بديل وجنسية وعمل وراتب وأسرة، ودخل منظور وغير منظور، واستقرار واستمرار هو وأسرته.. إلخ ويتسلى بدماء الآخرين ومصائرهم وعذاباتهم ليروي نهماً ويعزز مواطنيته البديلة وثقة من يقيم بينهم به، وليخدم مخططاً ومشروعاً في نجاحهما سلطة وسطوة ومنفعة له ولكل من يريده في وطنه البديل، ولا يضار في حال فشلهما أبداً، لأنه في الحالين يكون قد عزز مكانته حيث هو وما اختار، وأخلص لمن يعيش بينهم ويربط مصيره بهم. ولا يعنيه في شيء أمن الناس واستقرارهم ولا أن يضعف الوطن ويدمر وتضيع حقوقه التاريخية ويقوى عليه أعداؤه فقد اختار نفسه ولم يختر الوطن أصلاً في حياته وعمله وانتمائه.؟!.

 وبعضها لآخر يقول:

ـ ما الذي يردع ظالماً مستبداً يملك الوطن ويحلبه ويجلبه ويقرر كل ما يتصل بشؤونه، ويستخدم قواه المادية والمعنوية لقمع سواه وقتل من لا يتفق معه في الرأي والرؤية، ليحتكر الحكم في دولة أمنية، ويضع فريقاً من الناس فوق فريق.. ويتمتع بما يشاء من الثروة والسطوة.. ويبقي الوطن ذاته قيد التخلف والتبعية والقهر.. ويستخدم ما يشاء ومن يشاء لجعل الخوف منه والولاء له سمة عامة للناس.. إن من هذا شأنه لا يوضع حد لظلمه إلا بالقوة و"هي مما لا يملكه المحتجون الذين يدفعون أرواحهم ثمناً لتطلعاتهم المشروعة".. ولذلك يكون من المشروع أن يستعان بالخارج " بالآخر حتى لو كان الشيطان.." لكي يوضع حد للظلم والاستبداد والقمع والقهر والقتل.. ولكي تؤخذ الحريات وتبنى دولة مدنية عصرية على أسس مغايرة لما هو قائم.؟!.  

هذان المنطقان السائدان في فضاء عريض هو فضاء الوطن.. لهما وعليهما ولكنهما لا يمكن أن يتساويا أبداً، كما لا يمكن أن يستمرا في اختطاف المشهد وتهميش الإرادة العليا للشعب والمصلحة الأعلى للوطن.. فلا وطنية على حساب الوطن، ولا وطنية لمن يضع الوطن والمواطنة في يد المستعمر أو يدفنهما تحت ركام الرغبات. هناك كثرة من الناس هم سواد الشعب، وهناك وطن ذو تاريخ وحضور ودور، وهناك منطق حاكم للأمور وحاسم للقضايا الخلافية، يستند إلى معطيات وقيم ثابتة ولا يمكن القفز فوقها، وهناك مصالح للناس وحياة للأفراد ومستقبل للأجيال وكل ذلك يجب أن يحترم.. وهذا كله لا يقيمه ولا يحميه ولا يقود إليه منطق القوة، ولا الاستقواء بالخارج على الداخل ولا استعداء الأجنبي على الوطن..

إن كل احتكام لغير العقل والمنطق الوطني وأصول المواطَنة والمصالح العليا للشعب والأمة.. هو هذر ولغو وشطط وعبث بحيوات ومقدرات ومقدسات، وقد يقع في دائرة حكم أبعد من المس بذلك أو ببعضه، من حيث حكم القانون والشعب والتاريخ.. وهناك أولاً وآخراً قوة كبرى فوق الجميع هي الشعب الذي له المصلحة العليا في الأمن والاستقرار وحقن الدماء ورفعة الوطن ورفعة بنائه على أسس سليمة وقوية، وإلى تلك المصلحة العليا للشعب والوطن يتم الاحتكام من خلال الرأي والرؤية والحوار والأخذ برأي الأكثرية عبر صناديق الاقتراع بنزاهة وعدالة وحرية تامة ومساواة.

وعلينا أن ندرك جيداً، ونتبصر في حقيقة أن أي طائر لا يمكن أن يرفرف إلا بأجنحته، وأنه لا يستطيع أن يحلق في الفضاء متى شاء ويعود إلى الأرض والعش متى شاء ألا بقوته الذاتية وإرادته الحرة، وأن حريته لا تضار الآخرين في شيء.. بصرف النظر عن كون الهوى الغلاب وعما تشتهيه الأنفس وتدعيه. 

انشر عبر