شريط الأخبار

د.أيوب عثمان:خطاب عباس في الأمم المتحدة: جيد وجدي ومفاجئ وجديد!!!

10:06 - 07 تشرين أول / أكتوبر 2011

د.أيوب عثمان يكتب..خطاب عباس في الأمم المتحدة: جيد وجدي ومفاجئ وجديد!!!

 بقلم: الدكتور/ أيوب عثمان

أستاذ الأدب الإنجليزي والنقد المساعد

جامعة الأزهر بغزة – فلسطين

كاتب وأكاديمي فلسطيني                                     

لمت وكثيرون غيري أبا مازن أكثر من مرة، وانتقدنا نهجه غير مرة، واختلفنا معه ألف مرة ومرة، لكني أقول إنه – ومن خلال خطابه الأخير من على منبر الأمم المتحدة – كان مفاجئاً، وكان مجيداً وجدياً وجديداً هذه المرة، الأمر الذي يجعلني أرى في خطابه، هذه المرة، علامة فارقة في الخطاب الفلسطيني الرسمي، آملاً أن يكون الخطاب في الوقت نفسه نقطة تحول في النهج الكفاحي الفلسطيني، على المستوى الرسمي، أيضاً.

في اجتماع الجمعية العامة السادس والستين للأمم المتحدة، والمنعقد  يوم الجمعة 23/9/2011، كان خطاب أبي مازن خطاباً جيداً وجدياً ومفاجئاً وجديداً. لقد بدا أبو مازن جيداً ومفاجئاً في طرحه، كفياً في إلقائه ومخاطبته، جاداً وجديداً ومجيداً في لغته، فانتقى – بعناية ودقة – كلماته وألفاظه وجمله وعباراته، فيما أبان عن قدرة لافتة على تقريب الصورة الذهنية لمأساة بلاده، محاولاً تركيزها في أذهان سامعيه ومشاهديه، لاسيما في سرده الواقعي لمأساة الشعب الفلسطيني وفي فضحه للاحتلال العسكري الإسرائيلي وبشاعة جرائم مستوطنيه وإرهاب دولته.

تميز الخطاب بالقوة والجرأة والمفاجأة، كما تميز بالروح الطافحة بالتحدي لبلوغ الحق المستلب والثبات على مواصلة المطالبة به والنضال في سبيله. لقد ارتفع مستوى الخطاب في جودته وجديته وجدته عن أعلى سقف كنت أترقبه منه، حيث أتى على أكبر مما كنت أحسب بكثير، حتى أنني كنت كلما استمعت أكثر، ازددت اندفاعاً أكثر وأكثر نحو توقع أكبر وأكبر!

كان الخطاب مفاجئاً لنا، ذلك أننا لم نعتد من أبي مازن على مثل هذه اللغة التي سمعناه ورأيناه يتحدث بها. لم يعودنا أبو مازن على إدراج إرهاب الاحتلال الإسرائيلي وجرائمه، كما لم يعودنا على الاستفاضة في تنوير الرأي العام العالمي عن التاريخ الإجرامي الحقيقي لإسرائيل ضد شعبنا، خلافاً تماماً لما دأبت عليه حكومات إسرائيل المتعاقبة من انتهاز كل الفرص وعدم تفويت أي منها لحديث تفصيلي مزور عن جرائم اعتاد الاحتلال دوماً على إلصاقها بمقاومة شعبنا المتواصلة، مع ربط ذلك التزوير بما أسموه "المحرقة الهتلرية ضد اليهود"، وكأن هتلر الألماني ليس إلا زعيماً جاء من بني فلسطين! نحن اعتدنا على لغة أبي مازن الطرية الهادئة تجاه إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية. فقبل خطابه الأخير من على منبر الأمم المتحدة، لم يَحِدْ أبو مازن يوماً، عن مثل هذه اللغة الناعمة، ذلك أن اللغة التي ظل مواظباً  دوماً على استخدامها كانت على الدوام لغة استجداء من أجل العودة إلى المفاوضات. وهنا يجدر بنا أن نشير إلى أن اشتراط أبي مازن العودة إلى المفاوضات بالوقف الشامل للاستيطان هو نوع من لغة جديدة لأبي مازن لم نعتد نحن عليها حيال إسرائيل، على الرغم من أن شرط وقف الاستيطان أو تجميده هو أمر انطلق في الأصل من الإدارة الأمريكية الحالية بزعامة رئيسها باراك أوباما، لكنها (أي الإدارة الأمريكية الحالية) سرعان ما انكفأت عن هذا الشرط وبدأت في ممارسة ضغطها وتكثيفه على أبي مازن ليغمض عينييه عنه، حيث كان ذلك الضغط استجابة محمومة لضغط مكثف مسعور جاء مزودجاً من كل من اليهود في مجلس الشيوخ ومن القاعدة المالية للحزب الديمقراطي. لقد سبق لأبي مازن أن كان في نقده للاحتلال الإسرائيلي وقياداته طرياً ناعماً، محاولاً دوماً الابتعاد عما يسبب إحراجاً لهم، مبدياً على الدوام حرصه غير المحدود على ألا يثير عليه حفيظة غضبهم، دافعاً في سبيل ذلك من رصيده أثماناً باهظة، أقلها أن يتهم بغضه النظر عن معاناتنا ومآسينا وكوارثنا، فنال عن ذلك دوماً لومنا له، وهجومنا عليه، ونقدنا لنهجه واختلافنا معه. أما اليوم، فقد بات الأمر مختلفاً على مستويين: أما الأول، فقد ظهر أبو مازن في إصراره على تقديم طلب العضوية في الأمم المتحدة سائراً في مسار معاكس تماماً للإدارتين الأمريكية والإسرائيلية، على الرغم من أن الرجل ربما كان يسعى من وراء إصراره على تقديم الطلب إلى جر الإدارة الأمريكية واللجنة الرباعية إلى فرض عودة  للمفاوضات لا محيص عنها، ولا مجال لتجاهلها أو الانفلات منها أو القفز عنها، وإن كان من حقنا أن ننبه أبا مازن إلى الخشية من أن تتمكن إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية من استدراجه إلى تنازلات أخرى في سياق السابق من تنازلات درجت عليها منظمة التحرير الفلسطينية منذ العام 1982 حين كان إجلاؤها عن بيروت. وأما الثاني، فمن على منبر الأمم المتحدة، كان خطابه الذي لفعته الشجاعة واتسم بالتحدي والتأكيد على الثوابت. إنه الخطاب الذي سرد من خلاله – وعلى نحو حضاري إنساني يلمس القلوب والضمائر – مأساة شعبنا وعذاباته، محذراً من عواقب استمرار الاحتلال الإسرائلي واستيطانية سياساته، مؤكداً في الوقت نفسه أن هذا الاحتلال عليه ألا يحلم في يوم من الأيام من شعبنا أي خضوع  أو خنوع أو ركوع، مستشهداً على ذلك بقول شاعرنا الكبير محمود درويش: "واقفون هنا، قاعدون هنا، دائمون هنا، خالدون هنا، ولنا هدف واحد... واحد... أن نكون... وسنكون". لذلك، ولغيره مما سآتي عليه لاحقاً، فقد بت لا أملك إلا أن أعتبر أن الخطاب كان – وبكل وضوح – علامة فارقة، على مستوى الخطاب الفلسطيني الرسمي، متطلعاً في الوقت نفسه إلى أن يكون خطوة تحول في النهج الكفاحي الفلسطيني، على مستواه الرسمي، أيضاً.

إن من الشواهد على جودة الخطاب ومفاجأته هو ما كنت أراه يرتسم على وجوه معظم المشاركين من ارتياح وهدوء، فيما كان يكسو وجوه البعض الآخر من ضيق وضجر وتذمر وشحوب ونزق وتحسب من المجهول. لقد اتسم الخطاب بالقوة والثبات والتحدي والثقة بالنفس والاتزان والتوازن والوضوح في الغايات والمقاصد. أما لغة الخطاب فكانت لغة قوامها سلامة المنطق وقوة المحاججة عبر وصف شامل – رغم اقتضابه واختصاره – لكل جوانب المأساة الفلسطينية وتعقيداتها وتطوراتها، مع بالغ الحرص على الأسلوب الذي ينبغي مخاطبة العالم به، حيث الرصانة والدقة والوقار، دون أي نزول أو توتر أو تشنج أو مغالاة في القول أو الوصف. لقد كانت لغة خاطبت العقل والوجدان والضمير، استناداً على حقائق عايشها الواقع وشهد عليها، ما أكسب الخطاب صفة التأثير وقوة الإقناع، الأمر الذي حفز معظم الحاضرين على التصفيق الحاد والمتكرر الذي لا ينبغي للمجتمع الدولي إلا أن يحسبه تصويتاً جماعياً لصالح الاعتراف بدولة فلسطين دولة مستقلة ذات سيادة كاملة وعضوية كاملة. وعليه، فإن هذا المجتمع الدولي المحتشد في الجمعية العامة للأمم المتحدة، والذي ملأت أكفه القاعة تصفيقاً ملتهباً تعددت وتواصلت موجاته، يكون – حتى وإن تربع النفاق والخوف الدوليين فوق صدره – فقد رأى أن خطاب عباس قد نجح نجاحاً لافتاً في وضع كل من إسرائيل والولايات المتحدة في موضع الدول المنتهكة لأحكام القانون الدولي والخارجة عن حدوده، والتي تعمل – بل وتحرص – على مواصلة الدخول في دهاليز مفاوضات لا نهاية لها، على أن أقصى الغايات الإسرائيلية منها هي تهويد مدينة القدس العريية الإسلامية، وإدارة الظهر لقرارات الشرعية الدولية، مع إنكار الحقوق الفلسطينية، فضلاً عن ضم المزيد والمزيد من الأراضي الفلسطينية المحتلة، بغية اغتصابها والاستيلاء عليها. ففي مقال بعنوان "من فوق رأس أوباما... أبو مازن يلقي خطاباً عرفاتياً" نشرته صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية يوم السبت 24/9/2011، يقول الدكتور/ عيدان زيلكوفيتس، المدرس في قسم تاريخ الشرق الأوسط ومدير مركز إيران والخليج في جامعة حيفا: "أبو مازن سود وجه إسرائيل... خطاب ابو مازن أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة كان خطاباً مفصلياً ونقطة هامة في تاريخ الشعب الفلسطيني فيما يتعلق بالاعتراف بدولة فلسطينية "ذات سيادة"، وعند التمحيص والتدقيق بالكلمات، نجد اليأس والإحباط العميق من الشريك الإسرائيلي... كان خطاب أبو مازن معداً لآذان الفلسطينيين والمجتمع الدولي، وكان خطاباً قوياً حمل في طياته تجاهلاً مطلقاً للشريك الإسرائيلي... أبو مازن استطاع أن يجند الجمهور الفلسطيني، وأن يوجه رسائل للعالم العربي مفادها أن القضية الفلسطينية ستحل فقط من خلال الاعتماد على الذات، وهذه إحدى مبادئ حركة فتح... طوال الخطاب كان وجه إسرائيل مسوداً..."

ربما يكون من بين أوضح الإشارات على جودة خطاب عباس وجديته وجدته أنه لم يعط فقط – بل أبرز – إجابات واضحة لا لبس ولا غموض فيها عن تساؤلات كثيرة ظل البعض يرددها حتى قبيل خطاب أبي مازن: 1) أكد أبو مازن – وعلى المستوى العملي – أنه لم يخضع للضغوط التي مورست عليه، بغية إرغامه على العدول عن عزمه تقديم طلب الاعتراف بدولة فلسطين من على منبر الأمم المتحدة يوم الثالث والعشرين من سبتمبر الماضي، حيث أصر على تقديم الطلب، وقام بالفعل بتقديمه قبيل إلقاء خطابه، ثم أبلغ الحاضرين في نهاية خطابه أنه قام بتقديم الطلب الذي رفع نسخة منه أمام الحاضرين بيديه، مشهداً إياهم على تقديمه، طالباً من العالم ألا يجعل الفلسطينيين ينتظرون من أجل إجابة طلبهم الاعتراف بدولتهم طويلاً. 2) أكد في خطابه على حق العودة من خلال حل عادل (ومتفق عليه!!!) لقضية اللاجئين، استناداً للقرار 194، وطبقاً لمبادرة السلام العربية. 3) قال لا ليهودية إسرائيل. 4) أكد على أن منظمة التحرير الفلسطينية ستبقى الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني إلى أن ينتهي الصراع مع إسرائيل. 5) أكد على أن طلب العضوية لدولة فلسطين يرتكز على مرجعيات ثابتة من بين أهمها مبادرة السلام العربية. 6) أكد على استعداده للعودة إلى المفاوضات، شريطة تسمية مرجعية لها متوافقة مع الشرعية الدولية، وشريطة الوقف الشامل للاستيطان في سياق جدول وسقف زمني محددين. 7) استطاع أن يصور الفلسطيني مستضعفاً يعاني من إنكار حقه في نيل استقلاله. 8) أبان عن حرصه على الإشارة إلى إرهاب دولة الاحتلال وإدانته استخدامها للإرهاب كوسيلة لإنهاء الصراع. 9) ظهر وهو يلقي خطابه من على منبر الأمم المتحدة، ليس كرئيس لدولة يطالب بعضوية دائمة لها في الأمم المتحدة، وإنما كقائد لحركة وطنية فلسطينية. 10) أعاد القضية الفلسطينية إلى حِجْر المجتمع الدولي من جديد، وأكد على ضرورة الاسراع في البت في طلب عضوية فلسطين عضوية دائمة في الأمم المتحدة. 11) أدخل الشعب الفلسطيني إلى مرحلة ملحمية جديدة من النضال الدبلوماسي.

في خطابه، وفق أبو مازن حين وضع على الحروف ما لزمها من نقاط، حيث تمكن – بكفاءة واضحة واقتدار بالغ – من دحض الادعاءات الأمريكية والإسرائيلية القائلة بأن توجه عباس إلى منبر الأمم المتحدة ليس إلا خطوة أحادية الجانب الهدف من ورائها عزل إسرائيل عندما علق في خطابه قائلاً إن الفلسطينيين لا يقصدون من وراء تحركهم عزل إسرائيل أو نزع شرعيتها، ولكنهم يعملون من أجل عزل الاحتلال ونزع الشرعية عن سياساته وأفعاله الاستيطانية، مؤكداً أن إسرائيل – بمواصلتها الاستيطان والاستيلاء على الأرض والقتل والاعتقال وفرض الحصار وإقامة الجدار وزرع الحواجز الأمنية – هي التي تتصرف على نحو أحادي، لاسيما على مستوى الفعل الإجرامي الاستيطاني، منتهكة في ذلك القانون الدولي وجميع الاتفاقيات الموقعة بدءاً من مؤتمر مدريد وإعلان المبادئ ومفاوضات واشنطن إلى اتفاق أوسلو، فضلاً عن التصعيد الإجرامي غير المسبوق للمستوطنين المحميين من دولة الاحتلال. وقد أجاد أبو مازن في شرحه المقتضب لمعنى الاستيطان وتوضيحه لخطورته ومخاطره، حيث قال إن الاستيطان تجسيد لجوهر سياسة تقوم على الاحتلال العسكري الاستيطاني لأرض الشعب الفلسطيني من خلال بناء آلاف الوحدات الاستيطانية الجديدة. وبناء جدار الفصل الذي يلتهم مساحات واسعة من منازلهم ومدارسهم وجامعاتهم ومساجدهم وحقولهم ومزروعاتهم وأشجارهم".

هذا، وقد كان للتركيز الذي صوبه أبو مازن في خطابه على ممارسات الاحتلال العسكري الإسرائيلي الاستيطانية والتهويدية لمدينة القدس العربية الإسلامية أهمية خاصة، لاسيما من خلال شرحه للانتهاكات الإسرائيلية في هذه المدينة المقدسة حين قال إنه "في الوقت الذي ترفض فيه سلطات الاحتلال إعطاء تراخيص بناء بيوت لمواطنينا في القدس الشرقية المحتلة، فإنها تكثف حملة هدم ومصادرة البيوت وتشريد أصحابها وساكنيها منذ عشرات السنين، ضمن سياسة تطهير عرقي تعتمد أساليب متعددة بهدف إبعادهم عن أرض آبائهم وأجدادهم، وقد وصل الأمر إلى حد إصدار قرارات بإبعاد نواب منتخبين إلى خارج مدينتهم القدس، وتقوم سلطات الاحتلال بحفريات تهدد أماكننا المقدسة، وتمنع حواجزها العسكرية مواطنينا من الوصول إلى مساجدهم وكنائسهم، وتواصل محاصرة المدينة المقدسة بحزام استيطاني وبجدار الفصل لفصلها عن بقية المدن الفلسطينية".

إن أكبر هدف أصابه أبو مازن في خطابه هو عبوره القوي – بما أبداه من قوة المنطق والمحاججة والقدرة الفائقة على وصف المأساة الفلسطينية – إلى العقل والوجدان والضمير الإنساني في لغة سادها الاتزان والموضوعية، وهو يلفت انتباه العالم إلى أن "الأزمة أشد عمقاً من أن يتم إهمالها، وأشد خطورة وحرجاً من أن يتم البحث عن محاولة للالتفاف عليها أو تأجيل انفجارها المحتم"، مؤكداً أنه لم يعد بالإمكان معالجة انسداد أفق محادثات السلام بنفس الوسائل التي جربت وثبت فشلها خلال السنوات الماضية"، مضيفاً أنه "من غير المجدي الذهاب إلى مفاوضات بلا مرجعية واضحة وتفتقر للمصداقية ولبرنامج زمني محدد. ولا معنى للمفاوضات في حين يستمر جيش الاحتلال على الأرض في تعميق احتلاله بدلاً من التراجع عنه وفي إحداث تغيير ديموغرافي لبلادنا يتحول إلى منطلق جديد تتعدل الحدود على أساسه. هذا أمر غير مقبول".

هذا، وإن ما يضيف إلى جودة خطاب أبي مازن هو رسالة السلام التي وجهها لإسرائيل والمجتمع الدولي والولايات المتحدة الأمريكية، حيث قال:  "نمد أيادينا إلى الحكومة الإسرائيلية والشعب الإسرائيلي من أجل صنع السلام، وأقول لهم: دعونا نبني مستقبلا قريبا عاجلا لأطفالنا، ينعمون فيه بالحرية والأمن والازدهار، دعونا نبني جسور الحوار بدل الحواجز وجدران الفصل، دعونا نبني علاقة التعاون الندية المتكافئة بين دولتين جارتين: فلسطين وإسرائيل، بدلاً من سياسات الاحتلال والاستيطان والحروب وإلغاء الآخر"، لافتاً انتباه المجتمع الدولي إلى ما أسماه "لحظة الحقيقة" التي ينتظر شعبنا فيها "أن يسمع الجواب من العالم" عن تساؤلاته: "هل يسمح العالم لإسرائيل أن تواصل آخر احتلال في العالم؟ نحن آخر شعب تحت الاحتلال. وهل يسمح لها أن تبقى دولة فوق القانون والمساءلة والمحاسبة؟ وهل يسمح لها بأن تواصل رفض قرارات مجلس الأمن الدولي والجمعية العامة للأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية ومواقف الغالبية الساحقة من دول العالم؟ هل يجوز هذا؟

     غير أن الإجادة الأبرز في خطاب أبي مازن قد كانت حينما أكد للمجتمع الدولي أن "جوهر الأزمة في منطقتنا هو إما أن هناك من يعتقد أننا شعب فائض عن الحاجة في الشرق الأوسط، وإما أن هناك في الحقيقة دولة ناقصة ينبغي المسارعة إلى إقامتها"، واضعاً بذلك المجتمع الدولي أمام أحد خيارين لا ثالث لهما وكأنه يقول: إما أن يعترف العالم بنا شعباً له حق الوطن والدولة، وإما أن يقف العالم خلف دولة الاحتلال في حربها علينا وإبادتها لنا!

والآن، أليس من حقنا أن نتساءل: ماذا لو خاطب أبو مازن المجتمع الدولي من فوق منبر الأمم المتحدة، قائلاً: "أيها المجتمع الدولي الحاضر اليوم معنا، يا من ترعى العدل وتحمي حقوق الإنسان وتحترم الشرعية الدولية: ماذا تقول في رئيس أكبر دولة على وجه الكرة الأرضية يرسل أساطيله وغواضاته ومدمراته وطائراته ودباباته إلى أقصى أقاصي الدنيا تحت عنوان "الانتصار للشعوب المقهورة ورفع الظلم عنها"، فيما هو ذاته يدعم – وبكل ما أوتي من قوة – العدوان الإسرائيلي الإرهابي الذي استخدم ضد شعب فلسطين الضعيف والمحاصر في غزة قنابل الفسفور الحارقة والمحرمة دولياً؟!! كيف ترى – أيها المجتمع الدولي العادل – هذا الزعيم الذي يعلم الجميع أنه وعدني في العام الماضي، بأن تكون فلسطين دولة ذات عضوية كاملة في الأمم المتحدة خلال عام، فيما يشهر اليوم في وجه هذه الدولة سلاح "الفيتو" الذي يمنعها من القيام، كما يمنع الاعتراف بها، على الرغم من أنها مثبتة بقرارات الشرعية الدولية أصلاً؟! ماذا ترى في هذا الزعيم الذي نال – بكلامه عن السلام – جائزة نوبل للسلام، فيما فعله على الأرض ليس إلا ضد السلام في فلسطين، بلد السلام، وضد شعبها الباحث عن السلام فلا يجده من زعيم ترونه يعطي دوماً لأعداء السلام ودولة الإرهاب وجدار الفصل العنصري والاستيطان دون حد ودون قيد، لاسيما وإنه أكد أمامكم وعلى مسمع منكم بأن علاقات الولايات المتحدة الأمريكية بإسرائيل ليست قابلة للكسر أبداً؟! The ties between the U.S.A. and Israel are unbreakable.

وبعد: فعلى الرغم من أنني من أشد منتقدي أبي مازن، لاسيما في نهجه التفاوضي وإصراره على اعتماد التفاوض سبيلاً واحداً ووحيداً للحل أولاً وثانياً وعاشراً وأخيراً، كما قال غير مرة "إنه ليس أمامنا إن فشل التفاوض إلا أن نتفاوض ونستمر في التفاوض"، وعلى الرغم من أنني أؤمن إيماناً راسخاً أننا أضعنا الكثير الكثير من الوقت في مفاوضات عبثية أسهم طابعها العبثي إسهاماً بالغاً في نهب أرضنا وزرعها بالآلاف والآلاف من الوحدات الاستيطانية، فضلاً عن الجدار الذي يتلوى في بطن أرضنا كأفعى رأسها هنا وذيلها هناك، وعلى الرغم من أنني لست شديد الإعجاب بكثيرين ممن يدورون في فلك أبي مازن من مسؤولين وسفراء ومبعوثين وممثلين له وموفدين باسمه ممن أفقدوا فلسطين أكثر مما حققوا لها، إلا أنني لا أملك إلا أن أقول إن خطابه كان واضحاً ومباشراً وقوياً ومفاجئاً وجريئاً، حيث أكد على ثوابتنا التي بات من أول أولوياتها أنه (لا ليهودية إسرائيل)، وأنه (لا للمستوطنات)، وأنه (لا لإلغاء حق العودة)، مؤكداً على حق الأسرى في التمتع بحريتهم، وعلى حق شعبنا في إقامة دولته. غير أنه على الرغم من إعجابي بخطاب أبي مازن في مجمله، إلا أنني لا أجد له ما يبرر إصراره على ربط طلب نيل عضوية فلسطين الدائمة في الأمم المتحدة بتصريحه المتكرر عن عبثية المقاومة ضد الاحتلال العسكري الإسرائيلي وعدم جدواها!!!

أما آخر الكلام، فلو كنت أبا مازن لأنهيت خطابي من على منبر الأمم المتحدة، قائلاً: أما وقد صفقتم لما قلت مرات عديدة وبموجات طويلة ومتعددة، فيما صفقتم وقوفاً لمرات ثلاث، فإنني أتوقع منكم – وأنتم المجتمع الدولي العادل – أن تجيبوا بلادي وشعبي عن مطلبي الذي توجهت نيابة عنه إليكم ونال شعبي التصفيق الحار حياله منكم، أم أن تصفيقكم اليوم هنا في الأمم المتحدة شيء، وسكونكم أو سكوتكم غداً – كما الأمس – شيء آخر؟!!!

 

 

انشر عبر