شريط الأخبار

اليسار يخشى محاسبة نفس- يديعوت

01:49 - 07 تموز / أكتوبر 2011

اليسار يخشى محاسبة نفس- يديعوت

بقلم: حانوخ دؤوم

1- اجراء محاسبة نفس ليس أمرا سهلا. فالتندم على الخطيئة عمل محرج ومعقد، يجعل الانسان يواجه أجزاءا يفضل كبتها، أجزاءا من ماضيه تدل على انه اخطأ وزل وفشل.

        كان معلقا بلوح اعلانات في المعهد الديني الذي تعلمت فيه خلال الايام الفظيعة بريستول كبير وعليه اعلان لا لبس فيه يقول: إنني أغفر لكل من مس بي. وأضفنا تحت هذه الجملة توقيعاتنا، نحن طلاب المعهد، في قائمة أسماء مرتبة. وكانت الفكرة من وراء المشروع تنظيم أمر الغفران والاستيقان من ان الجميع غفروا للجميع. فقد قضى الحكماء الماضون بأن الجنايات بين المرء وصاحبه لا يغفرها يوم الغفران، فيجب علينا أن نطلب الغفران ممن تم المس به، ويجب علينا ارضاؤه.

بيد أننا جعلنا الطلب الساحر المُنقي، الوقوف أمام الشخص الذي مسست به والاعتذار له، جعلناه مراسم صورية بلا معنى شعوري لقائمة توقيعات. وفعلنا ذلك كي لا نضطر الى طلب المغفرة من كارهينا. كان هذا شارعا يلتف على الغفران.

في دولة اسرائيل 2011 توجد مجموعة عقائدية تخاف الاعتذار ايضا. وتخشى الندم. تبين وهم جميع نبوءاتها الغاضبة وتحطمت جميع وعودها الرائعة لكنها سادرة في غيّها، والمعسكر القومي هو الذي يكسب من هذا الآن.

2- منذ زمن بعيد يوجد في اسرائيل وضع سياسي لا لبس فيه: ففي كل استطلاع عمق يتبين ان كتلة اليمين أكثر استقرارا وقوة مما كانت من قبل، ولا يوجد أي امكان ظاهر للعيان لتولي اليسار الحكم. فبحسب ما يظهر سيظل المركز – اليمين يحكم الدولة سنين كثيرة اخرى.

لم يكن يجب ان يكون الامر كذلك. فقد جر رابين وبعده باراك الشعب وراءهما مع رؤياهما الحمائمية للسلام. بيد ان اليسار منذ ذلك الحين لم ينجح في أن يكون مهيمنا مرة اخرى. ويكمن سبب ذلك في انقطاعه اليساري عن الواقع: اليسار بخلاف اليمين، الذي تحرك في أكثره نحو المركز ولاءم نفسه مع الواقع المتغير، اختار ألا يجري محاسبة للنفس وألا يفحص مواقفه في ضوء ما يجري.

ويكاد يكون هذا غير مفهوم: فالمعسكر العقائدي الذي جلب على اسرائيل فشلا ذريعا مثل اوسلو، وجاءنا بكامب ديفيد بارهاب صعب بعقب انهيار تصور ان لنا شريكا، لم يسأل نفسه قط ما الذي ليس على ما يرام في نهج تفكيره. ان رئيس حكومة من الليكود قادر على ان يقف في بار ايلان ويعلن بأنه يؤيد انشاء دولة فلسطينية لكن لا زعيم في اليسار يتجرأ على الاعتراف بأن الرؤيا التقليدية لمعسكر السلام لم تعد ذات صلة.

ان التحول الذي طرأ على المعسكر القومي يدل على انفتاح فكري. وفي مقابلته ما يزال اليسار الاسرائيلي الذي يُعرض على نحو واضح في المقالات الافتتاحية في واحدة من الصحف اليومية، ما يزال يتحدث بنفس اللغة التي تحدثوا بها في "سلام الآن" في الثمانينيات. والنتيجة ان اليسار أخذ ينكمش وأخذ يصبح غير ذي صلة.

3- لا تمكن المبالغة بعظم الازمة التي مر بها قادة اليمين الذين اضطروا الى الكف عن الحديث عن "عدم التخلي عن أي شبر ارض" وتخلوا عن أكبر أحلامهم وهو ارض اسرائيل الكاملة. لكنهم فعلوا هذا برغم الألم لأنهم رأوا الواقع المتغير إزاء أعينهم. أما قادة اليسار في المقابل فيتجاهلون اخفاقاتهم تماما وفيها اخفاق الانفصال، وما يزالون يتمسكون بشدة وسواسية بتصور مؤداه ان حل جملة مشكلاتنا هو اجلاء المستوطنين عن بيوتهم. وما زالوا يعتقدون ان تلة صغيرة في ميغرون هي أصل مشكلات شعب اسرائيل ولا يهمهم ألبتة أن اهود اولمرت قد عرض على أبو مازن أن يُخلي ميغرون وأخواتها وأن هذا لم يُجهد نفسه حتى في الرد على اقتراحه.

كف اليمين منذ زمن عن الحديث عن المستوطنات بصفتها الامر الشعوري الأهم وبصفتها شيئا لا يجوز التخلي عن أي جزء منه، لكن اليسار كان وما يزال يتحدث عن اخلاء المستوطنات باعتباره مفتاح حل شامل مع تجاهله الخطر الامني في انسحاب من المناطق من غير ترتيبات امنية ومن غير وجود شريك قوي في الجانب الثاني.

لمن سنعيد المستوطنات؟ لماذا نعرض أنفسنا للخطر مرة اخرى باجراء من طرف واحد؟ والى أين يتجه العالم العربي؟ هذه الاسئلة لا تهم اليسار الذي لم يقف لحظة واحدة في عشرات السنين الاخيرة ليسأل نفسه ما هو غير الصحيح في تصوره العام.

4- ان عددا يقل من الناس قادرون اليوم على فهم ما الذي تريده "سلام الآن" في الحقيقة. وما الذي يريده عمرام متسناع وما الذي يطلبه اليساريون المتخصصون مثل شموئيل هسفري والداد ينيف. ولهذا السبب فان كتلة اليسار تكاد تكون غير موجودة. اذا لم نعد الاحزاب العربية للحظة واذا لم نعتبر الخلايا اليمينية الكثيرة في كديما يسارا واذا تذكرنا ان حزب العمل قد تسلطت عليه زعيمة ذات برنامج عمل اجتماعي – فماذا بقي في الحقيقة من اليسار الاسطوري؟ ومن بقي منه؟ هل أوري افنيري؟ يحسن ان ننتبه الى الجمود اليساري في سياق فوضى الشرق الاوسط ايضا، وأقصد الصورة البائسة المتنكرة التي يتجاهل بها ناس معسكر السلام تماما ما يحدث إزاء أعينهم في العالم العربي. فبدل أن يدركوا ان ما كان لن يكون، وبدل ان يعترفوا بأن كل ما اعتقدناه في اتفاقات السلام مع الدول المجاورة قد لا يكون ذا صلة في عصر عدم يقين في الحكم في مصر وسوريا وليبيا ولا ندري أين ايضا، يتابع اليسار موعظة حكومة اليمين وتعذيبها لأنها لا تبادر الى شيء في المجال السياسي.

والمشكلة ان هذه الرواية اليسارية البائسة تتلقى تعبيرا غير تناسبي عنها في وسائل الاعلام التي تتحدث طوال الوقت عن الحاجة الى "مبادرة سياسية"، و"تقدم سياسي" و"حل سياسي"، و"مسيرة سياسية"، و"صيغة سياسية".

ولماذا كل هذا؟ وما هذا الوسواس؟ ولماذا لا نكتفي بالامن الموجود اليوم لمواطني اسرائيل، وبالوضع الاقتصادي الجيد، والعلاقات الطيبة بامريكا والاصلاحات في التربية، وحماية البيئة والنقل العام، وان ننتظر ببساطة ان يتضح الوضع في المنطقة؟ ولماذا البديهية الداحضة التي تقول انه يجب علينا ان نكون طوال الوقت في مسيرة سياسية ما تزال تضرب الخطاب الاسرائيلي بقوة كهذه؟ ألا نستطيع ان نتحمل حقا بضع سنين بلا تجربة وسواسية يائسة للتوصل الى تسوية؟ ألا يوجد حقا امكان تكتيكي يقول انه توجد اوقات يفضل فيها الانتظار على العجلة؟.

5- مرة كل سنة في يوم الغفران، يُطلب الى اليهودي ان يجري محاسبة للنفس فيبدأ نفسه من جديد. وهذا الطلب موجه الى الفرد والى المجموع ايضا. انتقل المعسكر القومي بفضل محاسبة النفس في السنين الاخيرة الى المركز وبرهن على دينامية وبراغماتية. وفي مقابله تجاهل معسكر السلام كل ما حدث حوله وتحصن في مواقفه مثل أعمى في ظلام. وما زال لم يكشف عن الشجاعة النفسية للاعتراف أمام نفسه في الأساس بأن كراهية اسرائيل دينية وليست مناطقية.

ولهذا السبب تقلص اليسار الاسرائيلي الذي عرف دائما كيف يجند الى جانبه ناس الاعلام والفنانين، تقلص جدا الى أن أصبح ناس الاعلام والفنانون لا يؤيدون اليسار الاسرائيلي اليوم بل هم كل من بقي منه.

انشر عبر