شريط الأخبار

درس في علم الآثار والتفاوض في باب العامود- هآرتس

10:19 - 17 تموز / أغسطس 2011

درس في علم الآثار والتفاوض في باب العامود- هآرتس

بقلم: نير حسون

  (المضمون: ترميم باب العامود في القدس والمشكلات التي واجهت المرممين في اعمالهم - المصدر).

بقرب باب الخليل في القدس توجد قطعة ارض صغيرة وفيها قبران. ان موقعها الجذاب – في مدخل البلدة القديمة – والاسطورة المقرونة بها جعلاها محطة الزامية لكل جماعة سياح. فالجميع يقفون للاستماع الى القصة المأساوية لبُناة سور البلدة القديمة. فعلى حسب الرواية الشعبية التي تبناها بحرارة مرشدو السياحة في القدس، القبران هما للمهندسين اللذين خططا وانشآ سور القدس من اجل الحاكم العثماني السلطان سليمان الذي ضرب عنقي الاثنين ايضا. تتغير الشروحات لمصيرهما المرير من مرشد الى مرشد: فقد كان ذلك مرة لان الاثنين لم يشملا جبل صهيون داخل السور، ومرة لان السور كان ناجحا جدا حتى ان السلطان اهتم بألا يوجد من يعرف بناء سور مشابه.

        يشك المؤرخون وعلماء الآثار بأصالة القصص وكون هذين القبرين قبري المهندسين. لكن رمزا دقيقا ظهر في الآونة الاخيرة في باب العامود خاصة ربما يُثبت الحكاية الشعبية. وهذا الرمز هو نقش على صورة زهور منقوش في الصفيح الصديء الذي يغطي الباب الضخم، لباب العامود. ان باب العامود هو الباب الأصلي الذي بني زمن بناء الأسوار والنقش فيه يُذكر جدا بالنقش في القبرين المجهولين. وهذا النقش معروف جيدا على صروح عثمانية في تركيا لكن من النادر جدا ان يوجد في ارض اسرائيل. والى الآن لا يوجد فيه ما يكفي لحل لغز القبرين تماما، لكن فيه ما يعزز الفرض الذي يقول انه ربما توجد صلة بينهما وبين السور مع كل ذلك.

        فخم ومبالغ فيه

        ما كانت الزهور المنقوشة في الباب لتظهر لولا أن انتهى في هذه الايام مشروع ترميم باب العامود الذي هو أفخم أبواب البلدة القديمة في القدس، وعلى رأسه التاج الفخم جدا الذي أضرت به حرب الايام الستة، وهذا المشروع جزء من مشروع أكبر لتوثيق وترميم جميع أسوار البلدة القديمة، الذي يوشك أن ينتهي بعد اربع سنين. توجد الازهار في الجزء الاعلى من الباب الذي عمره 500 سنة وارتفاعه خمسة أمتار. ولا يمكن رؤيتها عن الارض، ولا يُمكّن من ملاحظتها سوى الوقوف على السقائل التي بنيت داخل فجوة الباب. ان ناس سلطة الآثار هم الذين استكتشفوا الازهار وهم الذين ينفذون المشروع بالاشتراك مع سلطة تطوير القدس وبنفقة من ديوان رئيس الحكومة.

        على حسب النقش الذي يبدو في الجانب الخارجي من الباب فانه بني في 1538م باعتباره واحدا من البابين الأولين اللذين بُنيا في أسوار القدس (والثاني هو باب الخليل). لكن البنائين العثمانيين بنوه فوق باب أقدم كثيرا بني في العهد الروماني. كان هذا الباب الذي ما يزال جزء منه قائما تحت الباب الحالي، كان في حينه باب الدخول الرئيس الى القدس القديمة. وكان المخطط للباب هو ميمار سنان مهندس عمارة بلاط السلطان. وقد بني الباب في فخامة كبيرة غير متناسب ألبتة مع الأبواب الاخرى في السور، ويشتمل على زركشات حجرية وخطوط منقوشة وباب فخم وغير ذلك. ولم تحدث فيه تغييرات منذ بني تقريبا. ومع ذلك فان موقع الباب في قلب منطقة مدنية مكتظة وعلى حدود، عنيفة احيانا، بين شعبين أدى الى ان تكون علامات التعب ملحوظة عليه جيدا: فالرصاص من الحروب المختلفة غرز في الحجارة، وانهدم بعض الزركشات الحجرية، وأرسلت النباتات جذورا وسعت الصدوع وعرضت للخطر الحجارة والجص ولوث وسخ ثخين كل ركن.

        استمر مشروع الترميم المتحدي للباب عشرة اشهر: فهذا الباب ليس هو الأكثر زركشة وفخامة بل هو الباب الأكثر اكتظاظا بالنشاط البشري وهو الوحيد الذي تجري داخله حياة تجارية صاخبة. وأثار موقعه في قلب البلدة القديمة ايضا توترات قومية وموجة اشاعات عن اليهود الذين يريدون محو النقوش الاسلامية من الباب وأن تستبدل بها نجمة داود، ولهذا لم يستوجب ترميم الباب تطوير مهارة ترميم الحجارة والاستعادة التاريخية بحسب صور شاحبة فقط بل اقتضى تفاوضا لا ينقطع مع السكان والتجار الذين يُعد هذا الباب بيتهم.

        "قصة تضعف الاخرى"

        كانت المعضلة الرئيسة في المشروع كيف يُرمم الباب "ترميما صحيحا". هل تنبغي محاولة اعادته الى ايامه الاولى قبل 500 سنة مع زيادة عناصر حديثة تستعيد الأصلية وإزالة عناصر أضيفت خطأ على مر السنين؟ أم أن هذه الزيادات قد كسبت باستحقاق مكانها على الباب خلال السنين؟ فعلى سبيل المثال أضاف البريطانيون الذين رمموا هم ايضا الباب في مطلع عشرينيات القرن الماضي، أضافوا نقوشا حجرية تبين في الاعمال أنها لا تناسب بالابعاد ولم توضع في المكان الصحيح ايضا. وكان السؤال: هل حقيقة أن هذه النقوش موجودة في رأس الباب منذ ثمانين سنة لا تجعلها جزءا من الحكاية التاريخية للمكان يجب ان يحفظ للاجيال التالية ايضا؟ "يوجد هنا أمران. فهذا من جهة هو الباب الأفخم والأكثر زركشة ومن جهة ثانية تلاحظ فيه ايضا علامات الترميم والتغيير التي جرت عليه خلال السنين. وفي كل مرة تقوي واحدا من الأمرين تضعف الآخر، وكان هذا معضلة. وقررنا في نهاية الامر أنه ينبغي عدم الاحتفاظ بالاخطاء وأنه تنبغي محاولة اعادة الباب الى سنة انشائه في 1538"، يقول مهندس العمارة آفي مشيح من سلطة الآثار الذي أدار المشروع مع مهندسي العمارة تمار نتيف ويوفال ابراهام.

        اقتضى هذا القرار "انتاج" عناصر من الحجارة تستعيد العناصر الأصلية. ومن اجل ذلك أُجري ما يشبه "ورشة عمل" لعدد من الفنانين، وكان الفائز نقاش فلسطيني من حزما نجح في استنساخ الأصل العثماني. لكن وكي يُفرق مرممو السور في المستقبل بين النقش الجديد والأصلي غُطي الجديد بختم رصاصي وعليه رمز سلطة الآثار.

        مباحثات مرهقة في الترميم

        أحدثت طبقات الوسخ ايضا معضلات. "احترنا كيف ننظف لأن الوسخ كان متماثلا مع تاريخ الباب شيئا ما. وخشينا أن يُحدث التنظيف تأثيرا قويا فوريا وأن يزعموا أننا صنعنا بابا جديدا. لكننا حينما بدأنا أدركنا أننا إما أن ننظف وإما لا"، يقول مشيح. ومع ذلك فان التنظيف غير كامل لأن التنظيف العميق اقتضى استعمال مواد كيماوية لا يمكن استعمالها بسبب وجود التجار داخل فجوة الباب. يتميز باب العامود ايضا بأنه الباب الوحيد الذي يوجد داخله سوق صغيرة. وكل عمل اقتضى تفاوضا مرهقا مع التجار. بل كانت مباحثات مرهقة حول مسألة أين تقف أرجل السقائل. وبحسب مطلب التجار ايضا تم أكثر العمل داخل الباب في ساعات الليل.

        كانت المشكلة الاصعب على المرممين هي "بيت المحارب" – وهو حجرة حجرية صغيرة معلقة فوق الباب وكانت ترمي لأن تكون مقاما لجندي فرد شجاع في حالة هجوم على الباب، ومع السنين أخذت الحجرة تنفصل عن السور، وكان هناك خوف حقيقي من أن تنهار فوق رؤوس المارة في الباب. في نطاق اعمال الترميم أُدخل في الحجرة 11 قضيبا فولاذيا طويلا يثبتانها في مكانها. هُدمت النقوش الحجرية فوق حجرة المحارب في حرب التحرير وحرب الايام الستة، وأثار ترميمها موجة احتجاج في الصحف الفلسطينية وبين سكان الحي الاسلامي. وكان الزعم أن سلطة الآثار تنشيء زركشات جديدة و"صهيونية" لم تكن موجودة قط. ولدحض المزاعم أعدت سلطة الآثار لافتة وملصقات بالعربية فيها صور تاريخية للباب من العهد العثماني مع حجرة المحارب الكاملة. "لا يتذكر الناس كيف كانت تبدو من قبل، بل ان الشيوخ الذين كان يفترض أن يتذكروا لم يتذكروا. يبدو أننا نتعود على كل شيء. حينما ننظر الآن نرى أن الباب كامل"، يقول مشيح.

        أجرى المرممون نضالا مستقلا مريرا مع النباتات المتسلقة التي أرسلت جذورها الى أعماق السور. سُمح لنباتات موسمية بلا جذور قوية ولأعشاش طيور ان تبقى بلا تشويش بين الصدوع.

        نُقض قُبيل رمضان أكثر السقائل وتابع الباب الفخم استضافة الحياة اليومية كما قصد الى ذلك المهندسان المدفونان أو غير المدفونين في باب الخليل.

انشر عبر