شريط الأخبار

شلومو باروم يكتب : الساحة الفلسطينية – هدوء في قلب العاصفة*

11:58 - 25 تشرين أول / يونيو 2011


شلومو باروم يكتب : الساحة الفلسطينية – هدوء في قلب العاصفة*

 

·        تقدير استراتيجي – معهد ابحاث الامن القومي

        مدخل:

        إن ازمات الحكم والأحداث الثورية والاحتجاجات الجماعية انتقلت من دولة عربية الى اخرى وانتشرت كانتشار النار في الهشيم، وفي السلطة الفلسطينية جزيرة هدوء نسبي. تبدو هذه الظاهرة غريبة إزاء التنبؤات الراتبة القاتمة في شأن ضعف السلطة الحالية للسلطة الفلسطينية وعدم قدرتها على البقاء طويلا. بل إن هذه التنبؤات قد ازدادت على أثر "وثائق الجزيرة" – وهي تسريب وثائق فلسطينية في شأن التفاوض بين اسرائيل والفلسطينيين وعلاقة السلطة بالجماعة الدولية – استغلتها "الجزيرة" وغيرها لهجوم أهوج على السلطة الفلسطينية. هدف المقالة الوقوف على اسباب الهدوء النسبي في الساحة الفلسطينية وفحص هل يمكن ان نستنتج من ذلك استنتاجات تتعلق بالمسيرة السياسية الاسرائيلية الفلسطينية.

 

        التقديرات عن ضعف السلطة الفلسطينية

        اعتمدت التقديرات في شأن ضعف السلطة الفلسطينية على عدد من العناصر:

1- الانقسام السياسي بين معسكر حزب فتح والعناصر السياسية الاخرى المقربة منها التي تحكم الضفة الغربية وبين حماس التي تسيطر على قطاع غزة وتقديرات مختلفة عن قوة حماس النسبية بازاء فتح.

2- مشكلات شرعية حكم السلطة الفلسطينية. إن محمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية انتُخب حقا في انتخابات ديمقراطية حرة، لكنه أنهى مدة ولايته، ولم تُجر السلطة الفلسطينية انتخابات الرئاسة والمجلس التشريعي بسبب الانقسام بين الضفة الغربية وغزة. وفي المجلس التشريعي نفسه أكثرية لحماس على أثر الانتخابات الاخيرة ولهذا فانه لا يؤدي عمله منذ الانقسام. لهذه الاسباب هناك أساس لزعم ان الحكم الحالي للسلطة الفلسطينية لم يُنتخب في انتخابات ديمقراطية وهو نظام استبدادي يعتمد على اجهزة الامن كما في دول عربية اخرى يثور فيها الجمهور على نظم الحكم.

3- وضع حزب فتح. برغم ان استطلاعات للرأي صادقة تجري في السلطة الفلسطينية تشير الى تأييد لفتح أكبر من تأييد حماس والى اتجاه زيادة تأييد فتح وانخفاض تأييد حماس، فان الحزب ليس في وضع جيد بسبب خصومات داخلية وعدم تنظيم. استقر رأي عباس في السنة الماضية على اجراء انتخابات بلدية باعتبارها وسيلة لبدء احراز شرعية الحكم من جديد لكن الانتخابات أُلغيت لخشية فتح من الهزيمة برغم تأييد الجمهور بسبب المشكلات الداخلية في الحزب وعدم التنظيم.

4- الطريق المسدود للمسيرة السياسية. منذ بدأت مسيرة اوسلو والمعسكر السياسي في قيادة فتح الذي يحكم الضفة مقرون في الوعي العام الفلسطيني بالمسيرة السياسية مع اسرائيل. إن الطريق المسدود للمسيرة السياسية يجعل هذا المعسكر بلا برنامج عمل سياسي، وهذا يهدد تأييد فتح عند الجمهور الفلسطيني. اذا أصبح استنتاج الجمهور الفلسطيني ان المسيرة السياسية بلغت نهايتها وأن البديل هو العودة الى الكفاح المسلح، فان حماس بحسب التصور الفلسطيني أفضل من فتح في هذا الكفاح ولا سبب يدعو الى تأييد فتح.

        ولذلك فليس من المفاجيء ان التقديرات الراتبة في وسائل الاعلام الاسرائيلية والغربية كانت ان التسريبات في "الجزيرة" ستضر ضررا سياسيا شديدا بالسلطة الفلسطينية، لكن هذا لم يحدث. وجدت في وسائل الاعلام الفلسطينية عدة هجمات على السلطة الفلسطينية بسبب ما اعتُبر "تنازلاتها الكبيرة" في التفاوض لكنها لم تتجاوز الهجمات المعتادة لعناصر المعارضة السياسية لفتح وعلى رأسها حماس. لم يوجد في الشارع الفلسطيني تأثر خاص ومحاولات تنظيم مظاهرات بسبب هذا على السلطة لم تنجح. في مقابل ذلك نجحت فتح في تنظيم مظاهرات على "الجزيرة" و"الحيلة الدعائية" التي حاولت قناة التلفاز قيادتها. يمكن ان نفسر هذا الرد الضعيف بأنه لم تكن في هذه التسريبات أمور جديدة حقا. فقد أضافت لونا فقط الى الاشياء التي كانت معلومة لكل فلسطيني ذي وعي سياسي يستمع الى وسائل الاعلام. ربما كان هذا الرد يحتاج الى اثارة شكوك في فاعلية الدعاوى عن الضعف السياسي المفرط للسلطة الفلسطينية.

 

        اسباب الهدوء في الضفة الغربية

        منذ بدأت العاصفة في العالم العربي لاحت محاولات بدء اجراء مشابه في السلطة الفلسطينية مع استعمال الشبكات الاجتماعية نفسها، لكن هذه الموجة تجاوزت السلطة الفلسطينية في اثناء ذلك. الردود في الشارع الفلسطيني معتدلة جدا برغم ان استطلاعات الرأي العام تشير الى تأييد كبير من الشارع الفلسطيني للتيارات الثورية في العالم العربي. كانت في السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وفي قطاع غزة ايضا محاولات لتنظيم مظاهرات على الحكومتين، حكومة السلطة وحكومة حماس لكنها فشلت بقدر كبير. الى الآن كان في المنطقتين عدد من المظاهرات القليلة المشاركين ولم تحشد زخما. كان الفشل في تحريك المظاهرات في الضفة الغربية بارزا بروزا خاصا إزاء ردود السلطة في السلطة الفلسطينية على الأحداث في العالم العربي. ترى السلطة ان تأييد النظام المصري والنظام الاردني والنظام السعودي كان ذا أهمية عليا ولهذا لم تستطع سوى أن تُعبر عن تأييد نظم الحكم القائمة. لم تستطع ان تلعب لعبة التعبير عن موالاة الجماهير العربية وطموحاتها الى الديمقراطية عن أمل ان يساعدها ذلك في اجتياز هذه الموجة بسلام. كان في هذا السلوك في ظاهر الامر طاقة على اثارة غضب الشارع الفلسطيني لكن هذا لم يحدث.

        يمكن ان نشير الى عدة اسباب لبيان سلوك الشارع الفلسطيني هذا:

1- برغم الدعاوى عن عدم الديمقراطية وعن قمع اجهزة الامن، فما يزال في السلطة الفلسطينية جو أكثر انفتاحا مما في دول اخرى في العالم العربي. فالناس لا يُطارَدون على نحو عام للتعبير عن آرائهم وتنظيمهم السياسي. والشاذة الوحيدة هي حماس التي تستطيع أن تشكو من القمع السياسي واستعمال اجهزة الامن عليها، لكن يدي حماس ليستا نقيتين لانها تستعمل الطرق نفسها في مجابهة فتح في قطاع غزة.

2- للعاصفة في العالم العربي اسباب اجتماعية – اقتصادية ايضا؛ فمشكلات اقتصادية صعبة، وزيادة عدم المساواة في تقسيم الايرادات الى جانب فساد شديد وإفضالات مفرطة للمقربين من السلطة. حتى عندما سُجلت زيادة مدهشة على الايراد الوطني كما حدث في مصر في السنين الاخيرة، لم يشعر أكثر السكان بذلك لان شيئا لم ينسرب الى الطبقات الواسعة من السكان بل ظلت تعاني بطالة شديدة ومستوى عيش منخفضا جدا. لم يوجد أي شعور بتحسن ممكن وأفق يمكن الطموح اليه. كان التصور العام ان الادارة ومؤسساتها لا تخدم سوى مصالح نخبة حاكمة ضيقة فاسدة. وفي السلطة الفلسطينية في مقابل ذلك يوجد في السنين الاخيرة تحسن ملحوظ للوضع الاقتصادي ويُشعر بهذا التحسن في طبقات واسعة ويُعبر عنه في الاساس انخفاض نسبة البطالة. نبع التصاعد الاقتصادي من استقرار الوضع الأمني وتليين القيود على حرية الحركة التي يفرضها الجيش الاسرائيلي في الضفة الغربية. في سني الانتفاضة انخفض النشاط الاقتصادي الى مستوى منخفض جدا ولهذا كان من السهل احراز زيادة مدهشة في زمن قصير عندما عاد الاقتصاد الفلسطيني الى أداء أسلم.

3- هناك في السنين الاخيرة تحسن دائم لأداء الحكومة الفلسطينية. فهي تنفذ خطة طموحة لـ "بناء دولة" ومؤسساتها باشراف رئيس الحكومة سلام فياض وقيادة عباس. انخفض مستوى الفساد انخفاضا حادا. وهناك قدر أكبر من الشفافية وشعور بأن الحكومة تخدم المواطنين لا مصالح النخبة الحاكمة وحدها.

4- ليس الجمهور الفلسطيني عامة مفتوحا لمبادرات تشوش على نهج حياته السليم. فهو متعب بعد سنين طويلة من الانتفاضة الثانية لم يكن من الممكن فيها اجراء حياة سليمة، وكان الواقع الفلسطيني العادي معاناة دائمة. فليس للفلسطينيين رغبة في معاودة واقع العنف والفوضى والفقر المدقع.

5- أحد المجالات التي حظي فيها مشروع بناء المؤسسات بأكبر نجاح هو المجال الامني. فالسلطة الفلسطينية بمساعدة لاعبات دوليات مركزية (الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي) واقليمية (ولا سيما الاردن وبقدر ما مصر) نجحت في تنفيذ اصلاح شامل في الاجهزة الامنية وفي بناء قدرات امنية جيدة، انتهت الفوضى بعدها. فهناك قانون ونظام في الشوارع، والشرطة الفلسطينية تعي الحاجة الى خدمة المواطنين. إن هذه القدرات والتعاون مع اسرائيل ايضا مكّنت من القضاء تماما تقريبا على القاعدة العسكرية لحماس في الضفة الغربية وتضررت القاعدة المدنية والسياسية للمنظمة تضررا شديدا، ولهذا تضررت ايضا قدرتها على تنظيم احتجاجات على السلطة في الضفة.

6- يرى الفلسطينيون ان الواقع الذي يعيشون فيه هو واقع احتلال. العدو الحقيقي اسرائيل لا حكومتهم، ولهذا فلا حاجة الى اظهار الغضب على حكومتهم. يمكن في الأكثر اتهام الحكومة بالتعاون مع العدو، أي اسرائيل. تستطيع الحكومة الفلسطينية دحض هذه الدعاوى باظهار سياسة حازمة نحو اسرائيل وتوجيه مشاعر الحقد على اسرائيل وهو شيء غير صعب في واقع طريق سياسي مسدود.

7- يصعب على حماس ان تستغل العاصفة في العالم العربي لتحريض الجمهور الفلسطيني على السلطة الفلسطينية لان المنظمة في وضع يشبه وضع السلطة ايضا. فالحكومة في قطاع غزة هي حكومة حماس. ولها ايضا مشكلة شرعية لعدم اجراء انتخابات جديدة، وسلطتها في القطاع ايضا استبدادية تعتمد على اجهزة أمنها.

        مع هذه الاسباب الاستراتيجية تعرف السلطة الفلسطينية حتى الآن كيف تُدير الازمات التي تمر بها ادارة تكتيكية جيدة. الازمة الاولى هي الطريق المسدود للمسيرة السياسية. عملت عدة عناصر في ادارة هذه الازمة لمصلحة القيادة الفلسطينية. أولا كان الجمهور الفلسطيني منذ البدء بلا أوهام ولم يؤمن بأن المسيرة السياسية مع حكومة نتنياهو ستفضي الى نتائج ايجابية ما. وعندما لا توجد توقعات لا يوجد عنصر الاحباط الذي ينبع من خيبة الأمل. ثانيا لا يريد الجمهور الفلسطيني في أكثريته كما قلنا آنفا ان يعود الى واقع العنف، ولهذا تُؤجل في هذه المرحلة العودة الى طريق الكفاح المسلح ضد اسرائيل. عرفت القيادة الفلسطينية كيف تستغل هذه الحقائق للأخذ بطرق عمل بديلة غير عنيفة. الطريقة الاولى هي العمل في الساحة الدولية بأمل ان يكون النجاح في هذه الساحة بديلا ما عن عدم القدرة على التقدم في المسيرة مع اسرائيل. فعلى سبيل المثال يحاول الفلسطينيون احراز اعتراف دولي واسع بدولة فلسطينية في حدود 1967، ويزنون التوجه الى مؤسسات دولية كالتوجه الى مجلس الامن في شأن التنديد بالمستوطنات. هدف هذه السياسة – الضغط على اسرائيل لكن لها كما يبدو تقديرات فلسطينية داخلية ايضا وتقف من ورائها الحاجة الى اظهار العمل النشيط الذي يؤتي ثمارا سياسية. وهناك طريقة عمل اخرى هي النضال الجماهيري غير المسلح ضد الاحتلال بمظاهرات كالمظاهرات على جدار الفصل أو المظاهرات على المستوطنات في الأحياء العربية في القدس. لطريقة العمل هذه نجاح محدود بسبب احجام الجمهور العريض عن التشويش على حياته، لكنها مخرج جيد لكل من يريد مع كل ذلك ان يكون مشاركا في النشاط المقاوم للاحتلال الاسرائيلي.

        الازمة الثانية هي ازمة التسريبات في "الجزيرة". وفي هذه الحال ايضا أدار الفلسطينيون الازمة جيدا. فهم لم يخضعوا للضغوط ولم يعتذروا عن "التنازلات" في ظاهر الامر. بدل ذلك أجروا هجوما مضادا فعالا على "الجزيرة". بل إن فتح أظهرت قدرة تنظيمية لا يستهان بها في نجاحها في تنظيم مظاهرات على "الجزيرة" غطّت على المحاولات الفاشلة لتنظيم مظاهرات على السلطة. وجرى في ظاهر الامر ايضا اتخاذ خطوة جدية باستقالة صائب عريقات، رئيس قسم التفاوض، بسبب مسؤولية قسمه عن التسريبات، لكنها كانت خطوة "إيهامية"، وما يزال عريقات يشغل نفس المناصب من غير اللقب السابق فقط.

        الازمة الثالثة والأصعب هي العاصفة التي نشأت في العالم العربي وهي عاصفة ما زالت تثور، وهي ليست معلومة ولها قدرة على إحداث تغييرات استراتيجية عميقة. في هذه الحال كانت القيادة الفلسطينية تستطيع ان تستغل لمصلحتها القدرة على توجيه احباط الجمهور الى اتجاهات اخرى. وهنا ايضا جرى التعبير عن قدرة فتح التنظيمية المحسنة. فقد مكّنت السلطة من مظاهرات لكنها اهتمت بأن تسيطر فتح على المظاهرات وان توجهها الى الاتجاهات المطلوبة. كان بعض المظاهرات على الاحتلال الاسرائيلي وتعبيرات ما لسلوكه. فعلى سبيل المثال كانت المظاهرة الكبرى يوم الجمعة، 25 شباط 2011، والتي كانت جزءا من محاولة ان تصبح "يوم غضب" على السلطة، كانت في واقع الامر مظاهرة في الخليل على القيود التي تفرضها اسرائيل على الفلسطينيين في المنطقة (اتش 2) وهي المنطقة التي تقع تحت سيطرتها في الخليل. وكانت مظاهرات اخرى على الفيتو الذي استعملته الولايات المتحدة في مجلس الامن في شأن اقتراح القرار الذي يندد بالمستوطنات. كذلك استعملت السلطة الفلسطينية أن الرأي العام الفلسطيني يؤيد مصالحة بين فتح وحماس لجعل جزء من المظاهرات مظاهرات تأييد لهذه المصالحة. فعلى سبيل المثال كانت المظاهرات في 15 آذار كلها على الانقسام بين فتح وحماس وكانت المظاهرة في غزة أكبر وفرقتها اجهزة أمن حماس بالقوة. والتصور الذي نشأ على أثر ذلك وهو ان التحريض الشعبي وفي أساسه على حماس التي تُرى عاملا رئيسا في الانقسام، حسن للقيادة الفلسطينية في الضفة.

        إن قادة السلطة الفلسطينية الذين كانوا يقلقهم امكانية ان تصيبهم موجة الاحتجاج قد اتخذوا خطوات اخرى لاستباق الشر الممكن. فقد استبق عباس امكانية ان يُثار مطلب التحول الديمقراطي بتحديده موعدا جديدا للانتخابات البلدية وباعلان انه ينوي اجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية حتى ايلول من هذا العام ايضا. وبعد ان علمت القيادة الفلسطينية يقينا ان الشيطان غير فظيع جدا تغيرت النغمة. فقد اشترط عباس في تصريحاته الاخيرة شروطا تعني ان الانتخابات لن تجري في أكثرها. فقد أعلن بأن الانتخابات للرئاسة والمجلس التشريعي لن تُجرى اذا لم يمكن اجراؤها في القدس وقطاع غزة ايضا. ويبدو انه يستطيع الاعتماد ايضا على حكومة اسرائيل وعلى حكومة حماس كي لا تُجرى هذه الانتخابات في هذه المناطق. واقترح سلام فياض في مقابل ذلك عن علم بشعبية فكرة الوحدة، خطة للتوحيد من جديد بين الضفة الغربية وقطاع غزة برئاسة حكومة مشتركة، لكن على ان يحافظ كل طرف من الأطراف السياسية على سيطرته في المنطقة التي يسيطر عليها الآن في الحاضر. وكذلك أعلن عباس على أثر مظاهرات الخامس عشر من آذار بأنه مستعد للخروج الى غزة للمباحثة في انهاء الانقسام. يبدو انه ليس لهذه الخطط ايضا احتمالات كبيرة إزاء رد حماس الذي رفض خطة فياض بشدة. ترى حماس ان التطورات في العالم العربي من مصلحتها ولهذا فليست الحركة مهتمة بمصالحة فتح، وفتح غير مستعدة لتهب لحماس موطيء قدم حقيقيا في منظمة التحرير الفلسطينية.

 

        استنتاجات

        إن استقرار السلطة الفلسطينية في ظروف ازمة وأداءها يجب ان يُثيرا أفكارا في اسرائيل وهي أليس لذلك تأثيرات في القدرة على ان تُدير القيادة الفلسطينية الحالية تفاوضا يفضي الى تسوية الصراع الاسرائيلي الفلسطيني. التفكير السائد في اسرائيل هو انه لم يكن ممكنا التوصل الى اتفاق مع ياسر عرفات لانه لم يُرده وكانت له نوايا شريرة نحو اسرائيل، أما الآن فلا يمكن التوصل الى تسوية مع عباس لانه ليست له قدرة. فهو يُعد ضعيفا جدا. برهنت اوضاع الازمة الاخيرة على قوة السلطة الفلسطينية وعلى قدرة قادتها – وكل ذلك دون إقلال من وزن عناصر الضعف التي عُرضت آنفا.

        يمكن ان يُثار ايضا زعم ان استقرار الحكومة الفلسطينية الحالية ينبع من عدم مسيرة سياسية. فهي لا تحتاج الى مواجهة قرارات ليس عليها اجماع عند الجمهور الفلسطيني. هذا زعم اشكالي لعدة اسباب. أولا، لان القيادة الفلسطينية تتم مهاجمتها سياسيا وبخاصة بسبب فشلها في احراز اتفاق مع اسرائيل وامتناعها عن التوجه الى بديل الكفاح المسلح. وثانيا، نشك في ان يجب على القيادة الفلسطينية ان تقلقها قدرة حماس على استغلال التقدم الى اتفاق في وضع ضعف حماس في الضفة. وثالثا، اذا كان هذا الزعم صحيحا فلماذا وافق عباس في اثناء التفاوض مع حكومة اولمرت على عرض مواقف تراها المعارضة الفلسطينية تبلغ مبلغ الخيانة، ولماذا وافق على فعل ذلك ايضا إزاء حكومة نتنياهو ونقل وثيقة مع تفصيل المواقف الفلسطينية اعتمادا على التفاوض مع اولمرت. فقد طلب بدء التفاوض مع حكومة نتنياهو بعرض مشابه لمواقف اسرائيل، لكن هذا الاقتراح لاقى رفض اسرائيل.

        يوجد في هذا الزعم ايضا تجاهل ان الخطوات السياسية في الساحة الدولية التي يخطوها الفلسطينيون نحو ايلول 2011 فيها أخطار كثيرة على القيادة الفلسطينية. حُدد هذا الموعد لانه موعد الانتهاء من خطة بناء دولة سلام فياض، وهو موعد انتهاء السنتين اللتين يجب ان تنشأ الدولة الفلسطينية بعدهما بحسب تصريح الادارة الامريكية. حتى لو افترضنا ان يتم اتخاذ قرار في هذا الموعد في الجمعية العامة للامم المتحدة بتأييد أكثرية كبيرة لانشاء دولة فلسطينية فان الواقع في الميدان لن يتغير كما يبدو. يمكن ان يُحدث هذا خيبة أمل كبيرة للفلسطينيين توجه على عباس وشركائه في القيادة. من هذه الجهة فان التهديد الذي تستعمله العملية الفلسطينية في الساحة الدولية يُجدي في هذه الاثناء على القيادة الفلسطينية لانها تستعمل ضغطا على اسرائيل لتُغير سياستها وتُحدث ضررا بحكومتها الحالية. لكن عندما يتحقق التهديد دون ان تغير اسرائيل سياستها فقد يصبح لعبة ليس حاصلها صفرا يتضرر بها الطرفان.

        وسؤال مختلف تماما هو هل عند حكومة اسرائيل في الواقع الحالي اهتمام بالعمل لاجراء تفاوض ناجع يفضي الى تسوية دائمة مع الفلسطينيين. قبل الازمة الحالية كانت شكوك كبيرة في أن حكومة نتنياهو معنية بهذا التفاوض. كان يمكن ان نفترض ان الصدود عن التفاوض نبع ايضا من تقديرات عن ضعف السلطة، لكن يبدو ان هذا الصدود نبع في أساسه من سببين آخرين: الاول تقديرات سياسية داخلية، أي الرغبة في الحفاظ على سلامة الائتلاف؛ والسبب الثاني هو تقدير متخذي القرارات ان تسوية تلبي مطالب الحكومة الحالية غير ممكنة لانه لن يوجد طرف فلسطيني يوافق على هذه المطالب. كان التعبير عن صدود حكومة اسرائيل عن التفاوض في التسوية الدائمة المبادرات التي بدأت تظهر في شأن تفاوض في تسوية بينية جديدة.

        الآن بعد نشوب الازمة في العالم العربي من المعقول ان يكون ميل اسرائيل الى تشديد المطالب ولا سيما في المجال الامني، بناء على تصور ان التطورات في العالم العربي تسيء وضع اسرائيل الامني وتزيد في احتمال حدوث سيناريوهات خطرة. بحسب وجهة النظر هذه يجب ان تشتمل التسوية مع الفلسطينيين في هذا الوضع على ترتيبات امنية وثيقة تكون ضمانات أمنية صادقة. قد يؤثر هذا الامر مثلا في مطالب الوجود الامني الاسرائيلي في غور الاردن. وبسبب هذه التقديرات قد يكون هناك تفضيل واضح لسياسة "إنتظر وانظر" في القناة الفلسطينية. وقد يوجد عند اسرائيل شعور بأنه يجب ان توجد مبادرة ما من اسرائيل إزاء التطورات في المنطقة وخارجها، في المسيرة السياسية يكون هدفها مضاءلة الضغط على اسرائيل. لكن في حال وجد تفكير كهذا ايضا فمن الممكن جدا ان يوجد ميل الى تفضيل القناة السورية على الفلسطينية بسبب ان تعقيدها أقل. إن اسرائيل اذا في وضع يجب ان تقوي فيه التطورات الاخيرة ادراكها ان لها شريكا ثقة في الطرف الفلسطيني لاجراء تفاوض واتفاق، لكن الظروف تُصعب ترجمة هذا الادراك الى استنتاجات عملية.

 


 

انشر عبر