شريط الأخبار

فلسطين والأردن والثورة العربية ..أيمن خالد

08:28 - 21 تشرين أول / يونيو 2011

فلسطين والأردن والثورة العربية ..أيمن خالد

النقطة الجوهرية التي نعانيها اليوم، تعود بالأصل، إلى عالم العبيد الذي نعيش فيه، وإلى عدم قدرتنا على الخلاص من هذه العبودية، التي انضوينا تحتها ردحاً من الزمن ولا نزال. فالعبد، في كل الحضارات والأمم، هو الإنسان الذي يفقد إنسانيته، ولكنه معني بصناعة كل الأشياء من حوله، من زراعة الأرض إلى البناء للمدن والصروح، وربما يمكنه حمل السلاح والذود عن مرؤوسيه إذا مكنوه من ذلك، في شاهد عنترة العبسي قبل أن يلوذوا به فأمسى بحاجتهم إليه حراً.

في زمن عنترة العبسي، كانت الثقافة مختلفة عن ثقافتنا، فالقبيلة كانت ترحل تبعاً للماء والكلأ، وكان عنصر القبيلة الأساس، هو ذلك الإنسان الذي عليها أن تحميه، وتدافع به، وترفع من سويته بين القبائل، ويحدث هذا في زمن القبيلة، قبل أن يتبدل التاريخ، وتأتي الدولة، والتي لها معانيها الخاصة، ومفرداتها التي لا تتوافق مع منطق القبيلة، الذي بتنا نسميه منطقا متخلِّفا لا يقبل في القرن الحالي.

فالرموز التي انطلقت مع فكرة التحرر من الاستعمار، واستلهمتها الثورات، وبنت عليها الأنظمة فيما بعد, ربما هي تلك المعضلة في حياتنا اليومية.فنحن في ثقافتنا نعطي قدسية للوطن، والتراب، والشجر، والطير والبحر، والهواء، غير أن الإنسان هو الوحيد، الذي لم يحظ بقدسية، لأنه بكل تأكيد ليس زمن عنترة العبسي، وعندما جاءت الدولة فيما بعد، أيضاً استمرت قضية تعظيم الرموز، غير أن الذي أضيف إلى التعظيم هم الزعماء، والعلم، والحزب الحاكم، وأصبح الإعلام العربي مشكوراً، يبدأ كل يوم حديثه عن قدسية ذرة التراب من الوطن، والتي تم ريها من دماء الحرية، غير أن أصحاب الدماء أنفسهم، أو أحفادهم، ليسوا بهذه المكانة من القدسية، وباختصار شديد، إن مائة عام مضت، كان الإنسان فيها (مجرد مادة أولية) وظيفة هذه المادة، صناعة الوطن وحماية الأرض والزعيم والثورة، فإذا كانت عبس قد جعلت غايتها الإنسان نفسه، فإننا خلال مائة عام أو أكثر، كان الإنسان بالنسبة لنا مجرد مادة أولية.

لذلك يستطيع أي زعيم، وتبعاً لهذه النظرية الصحيحة من وجهة نظره، أن يقتل من يشاء، ويستبدلهم بأناس طيبين، يحافظون أكثر من سابقهم على متممات الدولة والعلم والحزب.

ومع أن الشتات أكل من الفلسطينيين مأكله، غير أن العنصر الفلسطيني في الشتات، هناك ولعقود مضت، ظلت القضية الفلسطينية إحدى الرموز التي تتعلق بها الأنظمة، ولكنها فوق ذلك تحتاج ابتزازاً لا بد منه، وهو أن تحصل على وثيقة تزكية، بأنها أنظمة تساعد في قضية الأمة، وقبل أن ندخل في بعض التفاصيل التي يمكن أن تمر عبر الحواجز، لا بد أن نقول أن كل نظام عربي، يعتبر نفسه يقدم صدقة للفلسطينيين فلا بارك الله به، ولا بهذه الصدقة، لأن علاقة النظم العربية مع فلسطين، هي أصلا لا تصح من باب الواجب أو النفل، وإنما هي في دائرة فرض العين، ولكن هم أرادوها من باب الصدقات التي يتبعونها مناّ وأذى.

وإذا دخلت في السياسة، يمكنك أن تقف اليوم عند الفلسطيني في ظلال الثورات العربية، فهو بالتأكيد، من غير المنطقي أن يقف إلى جوار أي نظام مهما كان هذا النظام، لأن مشكلة هذا النظام أو ذاك هي مع شعبه، ومسألة زج الفلسطينيين في حركة الشارع العربي، هي تماماً بمثابة تحويل الفلسطيني إلى مادة أولية، يتم استهلاكها في الصراع، وهو ما لا يجب أن يسعى إليه أي نظام أو فئة احتراما لقدسية هذا الضيف الذي يمثل قضية هي عنوان الأمة وليست عنوان دولة معينة.

وربما تكون الأردن، هي المفارقة الهامة، والنقطة الجوهرية التي لا بد من الإشارة إليها، ففي الأردن هناك معارضة علمانية، وهناك معارضة إسلامية، وتبقى قصة قرابة 3ملايين فلسطيني هي مع الجانبين كما هي مع النظام، فالمعارضة العلمانية، هم مجموعة من الأصوات الذين يبحثون عن طريقة يسمعهم بها ولي الأمر، ولكنهم أيضاً ينظرون إلى الفلسطينيين بهاجس مشاركة الفلسطيني لهم هذه الدولة.وهنا جوهر الأزمة، فهؤلاء الذين يحملون الجنسية الأردنية، بدلا من مشاركتهم إلى جانب المعارضة، تصبح مشاركتهم الفعلية هي الصمت، والصمت يستفيد منه نظام الملك.

ومع أن الجميع في الأردن يدرك أن أزمته هي مع المخابرات التي تجاوز خطرها حتى وصلت تأثيراتها إلى أفغانستان وإفريقيا ومصر ما بعد الثورة، وفقا لشبكة الجواسيس التي أعلنت سابقا، غير أن هذه القوى لا تريد أن ترى الصورة بشكل مختلف، فهي لا تريد أن ترى أن المخابرات هي الملك، وهنا بالطبع تبقى مصرة على العمل تحت عباءة الملك، لدرجة أن الأحزاب الأردنية على اختلافها، تعتقد أن الملك بالنسبة للأردن، هو ميزة لا مجال لتجاوزها، فهو من يعطي الأردن كلها الشرعية والوجود، فهو مثل حلقات زحل بالنسبة لكوكب زحل، والتي لو استفقنا ذات يوم ولم نجد تلك الحلقات، فنحن أيضا لن نعرف كوكب زحل ولو كان موجودا.

أما المعارضة الإسلامية، ومع أن جميع الإسلاميين يحفظون قصة يوسف عليه السلام غيباً، كما في الآية الكريمة (كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ) غير أن المعارضة الإسلامية في الأردن تريد أن تأخذ شقيق يوسف في دين الملك، وهنا يلتقي الإسلاميون مع العلمانيين، ويصبح الفلسطيني مأخوذاً في دين الملك، بما لا ينفعهم ولا يصلح من شأن الملك.

مصيبة المعارضة العربية أنها تفكر بحدود سايكس - بيكو وتريد أن تعيش على هذه الحدود قبل أن تزيل حراس سايكس ـ بيكو، وهذا ما يجعل الفلسطيني وكل الأقليات تحت مجهر الثوار الجدد، الذين نرجو أن لا يجعلوا من الإنسان مجرد مادة أولية، كسابقيهم من الحكام.

 

' كاتب فلسطيني

 

انشر عبر