شريط الأخبار

الحوار ضرورة وحياة..علي عقلة عرسان

08:42 - 18 حزيران / يونيو 2011

الحوار ضرورة وحياة..علي عقلة عرسان

 

إن الحوار بين الناس قديم قِدَم وجود البشر على وجه الأرض، وكثيراً ما قاد إلى المعرفة والتفاهم وحل الخلافات وتعميق المودة، ولكنه رهن بمناخه دائماً واستعداد أطرافه، والمناخ الموضوعي يقود إلى التفاهم، والتفاهم قد يقود إلى المودة فالمحبة فالأمن والاستقرار. يقولون: هل يمكن أن نحب؟ والرد نعم ولكن هل نستطيع التقدير الدقيق لكل معطى ذي بعد إنساني وأخلاقي؟!. والتقدير الصحيح جزء من أساسيات الحوار ومقتضياته وجزء من وعي المشترك الإنساني وأحقية كل شخص به؟ ولم يكن الحوار ليفضي دوماً وبالضرورة إلى نتائج إيجابية طيبة كما أسلفنا ولكنه غالباً ما يقود إلى معرفة أدق وأفضل وإلى تراكم الخبرة البشرية التي تكثِّف كل معطيات الحوار وخلاصاته ونتائجه وتكتشف فيها أموراً مفيدة وإمكانيات لتجنب الكثير من الخلافات والصراعات الدامية، فيما لو تم تغليب المنطق والحكمة المستخلصين من الوقائع والحوادث والتاريخ ومما في الطبيعة البشرية من ميول إلى الخير وتقديم لـه على شرور وصراعات وحروب كثيرة دامية ومدمرة للعلاقات الاجتماعية والبنى الحضارية والقيم الإنسانية.

وأنا من المؤمنين بجدوى الحوار ومكانته وضرورته ودوره الحضاري والإنساني وبقدرته على صقل السلوك والأساليب والملكات وإغناء الشخوص، نظراً لما ينشئه من قواعد وأسس ومفاهيم وما ينقله من صورة صادقة عن الآخر الشريك فيه، ومن ثم لما يخلقه من مناخ غني في النفس وفي المحيط يساعد على التفاهم والاطمئنان للآخر والتعايش معه وتبادل الثقة والمعرفة وإنضاج الرؤية المشتركة وتحريض العقول والإرادات بصور مختلفة على الأداء والسلوك الإيجابيين المتميّزين في هذا الاتجاه. وفي تجارب الأمم والشعوب والأفراد ما يؤكد ذلك

لو أننا أخذنا بحكم نهائي على لون أو جنس أو قومية أو طائفة أو فئة من البشر وقلنا إنها خيِّرة أو شريرة بصورة مطلقة لجاوزنا الحقيقة، وجافينا المنطق، وأطلقنا العنان للتعسف، وألغينا إمكانية الانتقال بالحوار إلى معرفة أدق وتغيير الحكم المسبق الذي قد يشوبه الظلم من جراء الجهل، ولتوقَّف الفكر والزمن وتعطل مفعول العقل والمنطق والفكر والقول على نحو ما.

ولو توقفنا عند الرأي القائل بأن الخير أصيل في الإنسان والشرّ يتأتى من الظروف والمعطيات والأوضاع الطارئة أو القاسية.. من الأطماع والنزعات التي تنمّيها بعض أساليب التفكير والتدبير والعيش والتواصل بين الأشخاص والقوى والإرادات، ومن الطموحات المتورمة التي تحكم بعض بني البشر، ودققنا قليلاً في ذلك، لوجدنا أن الخير والشرّ حصنا عربة، وطرفا حوار أو نزاع أو صراع دائم في الحياة وبين الأحياء، وأن سَعة المساحات التي يأخذها الأخيار أو الأشرار، الخير أو الشر، تتوقف على الظروف التي يساهم الحوارُ المتبادل في خلقها والمشكلات التي يحلها والصعوبات التي يذللها والاكتشاف الذي يقود إليه.

 

والثقافة، والأحرى منها بذلك السياسة، تخوض حوارها مع كل ما تتصل به وما يُطرح عليها ويُتوقّع منها، بكل ما تنتجه وما يشكل قوامها وعمقها وسَعَتها وقدراتها. وسواء أكان ذلك الحوار ساخناً أم بارداً، علنياً أم مستتراً، فإنه موجود وفعَّال ويقدم مدخلاً مهماً لحل القضايا ولتوسيع أفق التفكير والتدبير باستمرار ولإحداث نقلة نوعية في الحياة والسلوك وأساليب التعامل والعيش، ولكنه لا يسفر بالضرورة عن تقدم حسب مسار واحد صاعد ينفُذُ في فراغه نفوذ السهم إلى الهدف، وإلا لكنا وصلنا بطاقتنا البشرية والمادية والروحية إلى أقصى درجات الانعتاق من كل القيود والمعوِّقات، وإلى أفضل أنواع الأداء، ومن ثم الرقي المثالي، على المستويات جميعاً.

والحوار من الأساليب والوسائل المجدية في إقامة مجتمع الديمقراطية والشورى والحرية والعدالة والمساواة والشراكة من جهة ووضع حد للتهور والنزوع العدواني والعنصري وللطغيان المتأتي من تورّم أشخاص أو أنظمة حكم أو عقائد من جهة أخرى، ومن ثم فهو سبيل من سبل التفاهم والارتقاء وتطوير الأداء الحضاري ـ مع رغبة في التأكيد على أن التقدم الحضاري مرتبط، وينبغي أن يرتبط، ببعد خلقي وقيمي وإنساني وليس هو مجرد تقدم تقني وامتلاك قوة فتك متطورة عمياء يستخدمها المصابون بمرض الهيمنة والتسلط والغطرسة من دون رادع من خلق أو ضمير، ومن ثم فإن المعيار الحضاري ينبغي أن يأخذ البعد الخلُقي والإنساني بالاعتبار ـ وهو يفعل فعله في هذا الاتجاه منذ زمن بعيد.

ويبدو لي أن أداء الحوار الثقافي الأشد تأثيراً يتم في الداخل.. في العمق الروحي والنفسي والوجداني والفكري للشخص، حيث تدخله نفس المتلقي باستعداد إيجابي للأخذ والعطاء والانتقال من ساحة رؤية إلى أخرى ومن موقف إلى آخر، حين تتوفر الثقة ويتوفر الاقتناع وتظهر الحقائق ويجلجل الحق. ويتم ذلك عملياً مع بداية تسلل الرأي الآخر من خلال إبداع المبدع وفكر المفكر إلى نفس محاوره أو متلقيه. والحوار الذي يحمل آراءً وحججاً ورؤى ويقدم منطقاً أو يولد شعوراً عميقاً قوياً يدوِّم في فضاء النفس ويرويها ويبذر في تربتها بذوره، يبقى هناك في العمق يفعل فعله ويؤدي أداء قد يكون سحرياً من حيث نوعيَّته وتأثيره في الإنسان والسلوك والمعايير والعلاقات البشرية ونتائجه العامة. والحوار المعلن لا يقتصر على واحد، أي على طرف وحيد، وإنما يستدعي طرفين على الأقل، ولا يمكن أن ينشأ أي نوع من أنواع الحوار من دون اعتراف كل طرف من أطرافه بالآخر وقيمته وبوجود شيء لديه ذي قيمة يمكن أن يقدمه للآخر، أو هدف يريد أن يصل إليه وينتزعه أو أن يقنع به الطرف الآخر. حتى عندما يكون الحوار داخلياً أو حين يصبح كذلك فإن الذات تجرد منها محاوراً وتعطيه صوتاً ورأياً وحجة ومكانة. وحينما يدخل الشخص عالم "المونولوغ" ـ الحوار مع الذات أو الحوار الداخلي الذاتي ـ يكون هناك من يتم التوجه إليه بالخطاب، أي أن هناك مُحاوِراً مستهدَفاً بالرأي والكلمة واللوحة واللحن.. إلخ، سواء أكان مشخصاً محدداً مرئياً أو مفتَرَضاً، وسواء أكان جماعة منظورة أو مفترضة.

ونجاح الحوار يستدعي مناخه وشروطه على الخصوص وصولاً إلى أهدافه، وأذكر من ذلك:

أولاً ـ إعلاء شأن المنطق والبحث عن الحقيقة بموضوعية ومنهج علمي سليم وعقلانية رشيدة وحس نقدي بناء مع توفير كل الوسائل والطاقات والإمكانيات اللازمة لذلك، وتمحيص الوقائع والوثائق والمعطيات التاريخية لتنقية الذاكرة من كل الشوائب التي ألحقتها بها ظروف وأهواء وأشكال من الجهل والتجاهل والعداء، بعيداً عن التحيز وازدواجية المعايير ومحاولات التذاكي والمداجاة لتغليب إرادات أو مصالح بوسائل يرفضها العقل السليم والخلق القويم والقوانين الأرضية والشرائع الإلهية، ولا تستقر في النفوس على أسس مقبولة ودائمة وثابتة بقوة المنطق والعلم والحكمة.

ثانياً ـ عدم الانطلاق من أحكام ومواقف مسبقة ثابتة وغير قابلة للتغيير أو التطوير، وعدم ادعاء العصمة وامتلاك الحقيقة، وعدم التوهم بأن هناك مرتبة أعلى لبشر فوق بشر ترتب تبعية أو وصاية من أي نوع، وأن هناك شعباً مختاراً من بين الشعوب يُخَوَّل فعل ما لا يحق للآخرين فعله. والابتعاد عن أي اعتقاد من أي نوع يجعل أمة ما أو مجموعة بشرية تظن أنها مكلفة برسالة إلهية وأن التاريخ يناديها لتحكم العالم وتفرض عليه نمطَها في العيش والتفكير والسلوك والحُكم ونظام طعامها ولباسها وموسيقاها ومن ثم ثقافتها بصورة عامة، وما أن على الأمم كافة أن ترى ما تراه خيِّراً كان أو شريراً، وتملي على الآخر من يصادق من الناس ومن يعادي، ومن يحارب ومن يتهم وبمَ، ومن وما يشوّه!؟. إن المدخل السليم: الطيب، الإيجابي للحوار هو ذاك الذي يقوم على استثمار الكلمة الطيبة ويؤسس على النية الحسنة ويقوم على أساس الاعتقاد الراسخ بأن كل أبناء البشر يتساوون في الشرط الإنساني والمصير الإنساني، فكيف بأبناء الوطن الواحد؟! وأنهم خلقوا أحراراً ومن حقهم أن يطوروا أفق الحرية ويجددوه بالوعي المعرفي، وأن يعيشوا بكرامة وأمن. وهم جميعاً يحتاجون إلى المعرفة والخبرة وتعميق مكارم الأخلاق والعمل بها، ويملك كل منهم ما قد يحتاج إليه الآخر. وأن الله سبحانه، الذي خلق الإنسان في أحسن تقويم، لم يفضل مخلوقاً بشراً على آخر إلا بالتقوى ـ وموضوع التقوى ذاك تقديره لـه وحده يوم الحساب ـ وأنه سبحانه لا ينحاز إلى فئة من البشر دون أخرى.. ومن يدخل الحوار الثقافي على أساس هذه المبادئ والقيم والمقومات والشروط يستطيع أن يعطي الحوار الثقافي معناه وقيمته، وأن يوفر لـه مناخه وشروطه الأولية ويفسح المجال واسعاً ليكون الحوار والثقافي منه على الخصوص، ذا بعد إنساني وأهداف حضارية، ووسيلة سامية تجعل من الثقافة سادناً للأمن والسلام والمحبة والوعي والقيم. إن هناك في عالمنا من يعتقد بأن "ثقافات العالم يمكن تقسيمها إلى ثقافات يداوي فيها الزمنُ الجراح والأحقاد، وثقافات على العكس من ذلك، وأن البيض ينتمون إلى النوع الأول في حين ينتمي الهوبي إلى النوع الآخر..". ويقول: " رأى الأمريكيون أيضاً في الهنود قبل كل شيء فوضى عالم واقع تحت سيطرة الشيطان والتقوا بسبب طبيعتهم الفاسدة مع كل الوثنيين وكل الشعوب غير المسيحية، وضربوا عرض الحائط بالإرادة الإلهية وعاشوا حسب قانون الطبيعة لينشروا الفساد. إنهم إذن قناصون، أي متمردون على الطبيعة والحضارة، لأن الرجل المتحضر هو الذي يفلح الأرض ويستثمرها ولا يكتفي فقط بالجلوس فوقها."

        ثالثاًـ إن دخول الحوار الثقافي/ السياسي، استناداً إلى أي نزوع عنصري أو تعال من أي نوع يفسد الحوار ويجافي الإنسانية والثقافة والحضارة، ويُدخِل الناس في متاريس يتراشقون منها بالكلام والتهم أو بالرصاص وأشكال الموت.. لا فرق، إذ تكون النتيجة الدخول في حدي: هجوم ودفاع، ومن ثم ينتفي الحوار الثقافي ويُدَّمر مناخُه، ذلك المناخ الذي يُستَنْبَت أصلاً في الثقة المتبادلة والمعرفة المتبادلة والاحترام المتبادل.. في الموضوعية وإعلاء شأن المنطق والحق ومنظومات القيم والمصلحة العليا للبشرية ويفضي إلى الاعتماد المتبادل، ويؤدي رسالته وأغراضه من دون أن يضر بالثقافة والحضارة وخصوصيات الأمم وهوياتها الثقافية وعقائدها، ومن ثم بالناس كافة والمصالح كلها ومقومات الحياة.

إننا أحوج ما نكون إلى الحوار لأنه ضرورة وفيه تجدد وحياة، ونحتاج أكثر وأكثر إلى أن يقبل كل منا الآخر، وأن يتفهم كل منا بعلمية وموضوعية أعمق كل ما يمليه قانون الحياة الذي هو حركة وتغيير ليس فيه للجمود وجود.. ولكل مرحلة، وحالة تغيير، وحركة إصلاح ضروراتها وموجباتها ومعطياتها وآفاقها.. ولها أيضاً ثمنها.. والإصلاح عملية مستمرة في الحياة الاجتماعية والسياسية، ولكن التغيير الجذري المضرج بالدم أشبه العمليات الجراحية الكبرى في حالات الأمراض السرطانية المستعصية التي يوجبها البقاء على قيد الحياة والتمسك بأمل وأفق مفتوحين فيها.

 

انشر عبر