شريط الأخبار

"دراسة" تحدي السلطة الفلسطينية : بناء دولة مع عدم شرعية سلطوية

11:18 - 12 تموز / يونيو 2011

دراسة خاصة بـ"فلسطين اليوم": تحدي السلطة الفلسطينية: بناء دولة مع عدم شرعية سلطوية*

بقلم: د. افرايم لافي**

تقدير استراتيجي – المجلد 14 – العدد 1 - نيسان 2011.

** عقيد (احتياط)، مدير مركز "تامي شتاينميتس" لابحاث السلام

وباحث في مركز موشيه ديان لدراسات الشرق الاوسط وافريقيا في جامعة تل ابيب.

 

        مقدمة:

        الهبات الشعبية في العالم العربي على النظم الاستبدادية لم تُفض حتى الآن الى تعبيرات هبة مشابهة عند الجمهور الفلسطيني في الضفة الغربية. لم يُحدث حتى الكشف عن وثائق التفاوض مع اسرائيل في قناة "الجزيرة" (كانون الثاني 2011)، التي أرادت ان تعرض القيادة الفلسطينية بأنها تتخلى عن مباديء الشعب الفلسطيني وأملاكه، لم يُحدث احتجاجا شعبيا على القيادة. يسود مناطق السلطة في السنين الاخيرة هدوء أمني نسبي ينبع من التأليف بين الخوف من ذراع اسرائيل وخوف السكان الفلسطينيين من العودة الى الفوضى مع جهود الحكومة لتثبيت مؤسساتها واستقرار حكمها. تفرض السلطة الفلسطينية واجهزتها الامنية القانون والنظام، وتعمل في مجابهة حماس بتعاون مع عناصر أمن اسرائيل باعتبار ذلك جزءا من فكرة الحفاظ على هدوء أمني من اجل بناء مؤسسات واقتصاد الدولة القادمة.

        إن سياسة رئيس السلطة محمود عباس ورئيس الحكومة سلام فياض التي هي التخلي عن الكفاح المسلح والتحول الى مأسسة دولية مكّنتهما من انشاء حكومة تعمل في السنين الاخيرة في شفافية وتنجح في الدفع قُدما بخطط تطوير في المجالين الاقتصادي والاجتماعي. أعادت الحكومة بناء مكاتبها واجهزتها الأمنية وزادت في جدوى عملها، وفرضت القانون والنظام وبدأت القضاء على الفساد بواسطة الشرطة والمحاكم، وأعادت حياة السكان الى مسارها السليم بعد سني انتفاضة الأقصى. ونشأت في المنطقة ظروف أمن واستقرار اجتذبت مستثمرين اجانب من العالم العربي ومن الغرب، ودفعت قُدما بالاعمال والاستثمارات. ركزت السلطة جهودا لتشجيع القطاع الخاص من اجل الدفع قُدما بالنمو الاقتصادي وتطوير مصادر العمل لمضاءلة البطالة. هذا الواقع حث الجماعة الدولية على الاستمرار في تأييدها للسلطة الفلسطينية من الجهة المادية والسياسية.

        مع ذلك لا تُخرج قيادة السلطة اليوم من دائرة الامكان تطور أمزجة سلبية تعارضها من الجمهور في الضفة الغربية بتأثير الأحداث في العالم العربي قد تفضي الى انفجار شعبي عليها. وتدرك القيادة انه برغم كون المجتمع الفلسطيني منشقا فانه عالِم بقوته باعتباره لاعبا ويعرف طرق النضال غير العنيف وقد يأخذ بها لاحداث تغيير في واقع حياته. تصغي القيادة الى اصوات الانتقاد في الداخل على شرعية استمرار حكمها وعلامات السؤال التي تقوم فوق مبلغ تمثيلها لأجزاء الشعب الفلسطيني. وقد أخذ يقوى ذلك منذ فازت حماس بالانتخابات العامة (كانون الثاني 2006)، وضياع السيطرة على قطاع غزة (حزيران 2007)، وانتهاء أمد ولاية رئيس السلطة والمجلس التشريعي قبل نحو من سنة (كانون الثاني 2010)، وكذلك ايضا ولاية السلطات المحلية. زيد على كل ذلك انتقاد على الاخلال بحقوق الانسان وعلى أن أجزاءا كبيرة من السكان لا تتمتع بثمرات التطوير وتعيش ضائقة اقتصادية ونسب بطالة عالية. ما تزال اصوات الانتقاد غير عالية لكن مضمونها ألذع من أن يُمكّن قيادة السلطة من تجاهلها زمنا طويلا.

        حذِرَت القيادة من تأييد الهبات الشعبية في تونس ومصر على الحكام لكنها مكّنت غير مختارة من مظاهرات تأييد لها. وقد مكّن رد حاكم ليبيا معمر القذافي العنيف على أبناء شعبه الثائرين القيادة من أن تزيد في نجوع التعبير عن كراهيته. تركت القيادة وسائلها الاعلامية تشجع المظاهرات عليه وتُبعد بذلك كل مقارنة بينها وبين نظم المستبدين العرب. وبدأت في نفس الوقت تروج لطائفة من الخطوات في مجال التحول الديمقراطي مثل اعلان تبديل الحكومة وانتخابات عامة ومحلية محاولة أن تُسيّر الاحتجاج الشعبي المحتمل على الاحتلال وعلى الفيتو الذي استعملته الولايات المتحدة في شأن البناء في المستوطنات في مسار تريده، وخرجت كذلك تدعو الى مصالحة وطنية.

        قرنت القيادة الفلسطينية وسائلها الاعلامية الى هذه الأهداف، وكذلك الشبكات الاجتماعية في الانترنت. وفي مجال الدعاية حاول مسؤولون كبار في السلطة أن يُبينوا أن خطة حكومة سلام فياض لبناء الدولة الفلسطينية تشتمل على اصلاحات في جميع مجالات الحياة ولا سيما مجالات الاقتصاد والمجتمع وحماية حقوق الانسان مع تأكيد ان هذه الاصلاحات في ماهيتها ومضمونها لا تناقض مطالب المتظاهرين في العالم العربي.

        مجابهة تحدي الشباب وخطر الشبكات الاجتماعية

        عدد السكان الفلسطينيين في الضفة الغربية نحو من 2.4 مليون نسمة. ومعدل زيادتهم من أعلى المعدلات في العالم، ونسبة الشباب عالية على نحو خاص: 57 في المائة شباب من سن العشرين فصاعدا، و65 في المائة لم تتم لهم 25 سنة حتى الآن. يسكن نحو من 200 ألف نسمة في مخيمات لاجئين. ومستوى التعليم عال بالقياس بالدول العربية المجاورة. وتشير معطيات المكتب الفلسطيني للاحصاء الى نسبة بطالة تبلغ نحوا من 16.5 في المائة في الربع الاول من 2010 (18.1 في المائة في الربع الرابع من 2009)، معظمها بين طبقة أعمار 15 – 29. برغم نسبة طالبات الثانويات العالية ما تزال مشاركة النساء في سوق العمل بين النسب الأدنى في العالم (18.7 في المائة فقط من القوة العاملة).

        أثمرت سياسة حكومة سلام فياض لدفع النمو الاقتصادي قُدما وتطوير مصادر العمل في الضفة الغربية ثمرات في الحقيقة وأظهرت علامات انتعاش ونمو عبّرت عنها معطيات اقتصادية عامة مثل زيادة متوالية للانتاج الوطني الخام وانخفاض البطالة وزيادة النمو وانخفاض التضخم. لكن النمو الاقتصادي يُشعر به في الأساس في المدن الكبيرة أما في القرى وفي مدن أصغر وفي مخيمات اللاجئين فبقي مستوى العيش منخفضا. ما تزال أجزاء كبيرة من السكان لا تتمتع بثمار النمو والتطوير وتعاني ضائقة اقتصادية ونسب بطالة وفقر عالية. نسبة البطالة بين الاكاديميين الفلسطينيين أقل قليلا فقط من نسبة البطالة بين سائر السكان وهي أعلى في الضواحي – في شمال الضفة الغربية وجنوبها.

        تشهد استطلاعات رأي وأبحاث على قدر ضئيل من الاهتمام والمشاركة السياسية في المجتمع الفلسطيني، بل على عدم ثقة وابتعاد واغتراب للشباب عن الجهاز السياسي. وأحد أسباب ذلك خيبة الأمل من الاحزاب والفصائل المختلفة التي لم تستطع التحول من حركات ثورية الى احزاب سياسية، وتُرى اليوم أجساما لتقديم مصالح شخصية أو حزبية ضيقة. إن أكثر الجمهور لا يميز بين اليمين واليسار السياسيين وضاق ذرعا بالحركتين المركزيتين فتح وحماس لانه لا واحدة منهما أثبتت نفسها أفضل من الاخرى في حل القضية السياسية والمشاكل الاجتماعية والاقتصادية. في هذه الظروف أخذ ينشأ بين الجيل الشاب توجه فرداني يصرف الاهتمام الى الدراسة والعمل والتقدم الذاتي في سلم الاهتمامات قبل الشؤون الجماعية الوطنية. فعلى سبيل المثال لم تُجر زمن "الرصاص المصبوب" مظاهرات شباب على اسرائيل أو مظاهرات مناصرة لسكان القطاع.

        يتمتع المجتمع الفلسطيني بالعرض لقنوات فضائية ووسائل اعلامية خاصة، ومحطات راديو وتلفاز محلية، وعلاقة السلطة بهم ليبرالية قياسا بعلاقة نظم حكم عربية اخرى. يملك الجمهور العريض وسائل تعبير متنوعة، الكترونية ومكتوبة، ونسبة دخول الانترنت واستعمال الشبكات الاجتماعية عالية قياسا بمجتمعات عربية مجاورة. إن مؤسسات السلطة الفلسطينية، وأكثر الاحزاب والفصائل والمنظمات المدنية ووسائل الاتصالات الخاصة – كل تلك تستعمل الانترنت استعمالا متنوعا. مع ذلك صورة الاذاعة في وسائل اتصال السلطة وفي الوسائل المحلية – الخاصة تشهد على انها ما تزال مجندة. فعلى سبيل المثال يتم الاستمرار في الميل الى استعراض نشاط القادة في السلطة والاقاليم وتقديم تقارير عن لقاءاتهم دون الادلاء بتفاصيل، بأسلوب الابلاغ المعروف في النظم الاستبدادية العربية. يشهد ذلك من جملة ما يشهد عليه على عدم المشاركة والباعثية عند الشبان الى إحداث ثورة اعلامية. ويشهد على ذلك ايضا ان البنية التحتية للانترنت التي تصحب وسائل الاتصالات الموجهة والمذاعة في الضفة الغربية، غير متطورة ومتقدمة بما يكفي.

        يبدو انه ليس للشباب الفلسطينيين اليوم هدف مشترك محدد للدفع قُدما ببرنامج عمل اجتماعي أو سياسي جديد من قبلهم، ولم يحتاجوا أصلا الى استعداد بواسطة الانترنت والشبكات الاجتماعية. مع ذلك وعلى أثر الأحداث في تونس ومصر بدأ في المجتمع الفلسطيني خطاب عام يتناول الانترنت والفيس بوك باعتبارهما عاملي تأثير. هبّت القيادة الفلسطينية الى استغلال هذا الخطاب لحاجاتها. فقد ارادت أن تبرهن على انها قريبة من الجمهور وعلى أنها غير مقطوعة عن مشاكله، وعلى أنها عالمة بوسائل الاتصال على الشبكة العنكبوتية والشبكات الاجتماعية. في نفس الوقت بدأت القيادة تستعمل هذه الوسائل في واقع الأمر لتجنيد الشباب لـ "الأهداف الصحيحة" في نظرها – الاحتلال والانقسام – وتُزيل بذلك خطرا ممكنا من استعمال الشبكات الاجتماعية عليها.

        أبدى الشباب في الحقيقة رغبة محدودة في الاستجابة لدعوة قيادة السلطة وفتح. فالمظاهرات التي تمت لم تكن عفوية ولم يشارك فيها سوى بضعة آلاف من الشباب فقط. ولم تحمل "مظاهرة الشباب" الكبرى التي حُددت في الخامس عشر من آذار صبغة جماعية لشباب يحركهم باعث عفوي الى الخروج والاحتجاج. فاولئك الذين جاءوا الى المظاهرات كانوا شبابا مجندين من نشطاء فتح خاصة، وطلاب جامعيين سُرحوا من دراستهم، ورجال ونساء من عاملي السلطة الفلسطينية جيء بهم الى المكان. وشهدت الشعارات التي رُفعت في المظاهرة على أنه لم يكن للمشاركين هدف مشترك، وقد رفعت الفصائل شعارات مختلفة علاوة على الشعارات المتفق عليها عن انهاء الانقسام وانهاء الاحتلال. فعلى سبيل المثال رفعت فصائل اليسار شعارات دعت الى اصلاحات في م.ت.ف. ولم تقع أي حادثة جماعية في شأن محدد اقتضت ان ترد قوات الامن الفلسطينية بالقوة وأن تعمل على قمعها. فهذه القوات بسطت رعايتها للحادثة بتقديم الغذاء والمشروبات وبالتزويد بالأعلام، بل جهدت في المشاركة بتنظيف المكان مع انقضاء الحشد، بوحي من المناظر من ميدان التحرير تعبيرا رمزيا عن مسؤولية مدنية مشتركة عن اعادة النظام كما كان.

        سُجلت ظاهرة بارزة لمظاهرات شباب هائجة بين فصائل اليسار الفلسطينية خاصة كالجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية وحزب الشعب الشيوعي وحزب المبادرة بقيادة مصطفى البرغوثي. كانت مشاركة الشباب في المظاهرات التي أجرتها هذه المنظمات احتفاءا بذكرى ايام انشائها أكبر قياسا بسنين سبقت، وكان يبدو أنها عفوية. فعلى سبيل المثال تحولت مظاهرة حزب الشعب احتفاءا بيوم انشائه الى مظاهرة فرح ومشايعة للشعب المصري. يبدو أن الفراغ السياسي الذي تخلفه اليوم الحركتان المركزيتان فتح وحماس يجذب جزءا من الشباب الى أطر بديلة أصغر تعرض برنامج عمل وطنيا – مدنيا لا يناقض خطة سلام فياض لبناء دولة وتعتبر قياداتها نقية الأيدي.

        مسألة الشرعية ومواجهتها

        ينبع الاعتراض على شرعية السلطة الفلسطينية في الحكم أساسا من انه لم تُجر انتخابات رئاسة وانتخابات المجلس التشريعي والسلطات المحلية بعد أن انقضت مدة الولاية الثابتة بالقانون. انقضت مدة ولاية أبو مازن باعتباره رئيسا منتخبا وكذلك ايضا المجلس التشريعي الذي لم يعد يؤدي عمله. وفشلت محاولات التوصل الى مصالحة وطنية بين حماس وفتح بواسطة مصر، والتمكين من اجراء انتخابات رئاسة للسلطة الفلسطينية والمجلس التشريعي في موعدها (كانون الثاني 2010) أو موعد بعد ذلك. رتبت قيادة م.ت.ف قبل نحو من سنة الواقع السلطوي في القانون وفيه استمرار ولاية أبو مازن رئيسا للسلطة حتى اجراء انتخابات. وفي مجال السلطات المحلية نشأت مشكلة دستورية بعد أن أُقيل رؤساء سلطات انتُخبوا من قبل حماس على نحو تعسفي وأُلغيت الانتخابات التي كان يُنوى اجراؤها في صيف 2010. وعُزل مؤيدو حماس ايضا عن الخدمة العامة. وحكومة السلطة ايضا يعوزها تأييد سياسي – جماهيري، وولاية سلام فياض، وهو ليس من صفوف فتح، قذى في عيون أكثر المسؤولين الكبار في فتح لأن انجازاته في مجالي الاقتصاد والاجتماع لا تُنسب الى حركتهم.

        إن حكومة السلطة الفلسطينية هي حكومة معينة مؤلفة في الأساس من تكنوقراط. وليس فيها تمثيل لعناصر القوة السياسية في المجتمع وتؤدي عملها دون قاعدة دستورية ودون رقابة برلمانية من المجلس التشريعي. تعتمد عملية سن القوانين على سلطة الرئيس في أن ينشر قرارات طواريء ذات نفاذ قانون في حال لا يؤدي المجلس التشريعي عمله. تُصاغ مسودات قوانين تُعنى مكاتب الحكومة بتقديمها في شؤون مدنية على أيدي مستشارين قانونيين في مكاتب الحكومة وتحول الى الرئيس كي تنشر باعتبارها قوانين من قبله. وهكذا مع عدم الفصل بين السلطات، تجمع الحكومة في يديها باعتبارها سلطة تنفيذية صلاحيات واسعة من التشريع والتنفيذ دونما رقابة عامة.

        على خلفية أحداث الاحتجاج الشعبي في العالم العربي واسقاط نظامي الحكم في تونس ومصر، هبّت اللجنة التنفيذية من م.ت.ف الى اعلان اجراء انتخابات رئاسة ومجلس تشريعي حتى ايلول 2011. وكان الاعلان مصحوبا بتصريحات مؤداها أن الانتخابات هي الوسيلة الوحيدة لانهاء الانقسام واعادة الوحدة الوطنية الى حالها، وبُذل وعد ان تكون الانتخابات حرة نزيهة وان تُجرى تحت رقابة دولية. بعد ذلك قدّر أبو مازن انه لن يمكن اجراء الانتخابات العامة بسبب الانقسام في الشعب والقطيعة بين غزة والضفة الغربية. وكان اجراء آخر جرى الأخذ به (في 13 شباط) هو اعلان فض الحكومة وتأليفها من جديد بحيث شارك فيها ممثلو فتح وممثلو فصائل اخرى. ادعى اعضاء المجلس الثوري لفتح على أبو مازن انهم يتقبلون بتفهم تعيين سلام فياض رئيسا للحكومة لضمان تأييد الولايات المتحدة للسلطة، لكنهم يطلبون لأنفسهم باعتبارهم حزبا حاكما الحقائب المركزية في الحكومة.

        سبق هذه الاجراءات قرار السلطة على الاستجابة لأمر المحكمة العليا الفلسطينية، التي ألزمتها باجراء انتخابات للسلطات المحلية. وأجرت احزاب اليسار الفلسطيني ومنها الجبهة الشعبية وحزب الشعب وحزب المبادرة الوطنية الفلسطينية نضالا قضائيا وجماهيريا لاضطرار السلطة الى اجراء الانتخابات المحلية التي كان يفترض ان تُجرى في صيف 2010 وأُلغيت. رفعت الاحزاب استئنافا الى المحكمة العليا الفلسطينية فأمرت هذه السلطة في منتصف كانون الاول 2010 أن تحدد فورا موعدا للانتخابات لان كل تأخير هو نقض لأوامر المحكمة. على أثر ذلك أعلن وزير السلطة المحلية الفلسطينية انه في صيف 2011 ستجرى انتخابات السلطات المحلية. أثنى نشطاء الاحزاب على قرار المحكمة العليا الفلسطينية ورفضوا مزاعم ان انتخابات في الضفة الغربية وحدها ستُعمق الانقسام القائم في الشعب الفلسطيني. وأوضحوا أن مهمتها هي انقاذ الديمقراطية من الانقسام الداخلي والتدخل الخارجي في شؤون الشعب الفلسطيني.

        ما تزال قيادة حماس في القطاع تتحدى سلطة السلطة في الضفة الغربية، ولا تعترف بشرعية حكومة فياض وقراراتها. على خلفية رياح التغيير في العالم العربي ودعوات الفصائل والسلطة الفلسطينية الى وضع حد للانقسام الداخلي، توجه اسماعيل هنية الى أبو مازن والى حركة فتح لبدء حوار وطني شامل للاستجابة لمطالب الشعب في هذا الشأن. وفي رد على ذلك أعلن أبو مازن انه مستعد للمجيء الى غزة لانهاء الانقسام وانشاء حكومة يكون عملها تنظيم انتخابات الرئاسة والمجلس التشريعي والمجلس الوطني الفلسطيني في غضون نحو من نصف سنة. من المنطق افتراض ان تواصل قيادة حماس معارضتها للمصالحة ما لم تتم تسوية قضايا مركزية تتعلق بمستقبل اجهزة أمن حماس ومشاركتها بشؤون الأمن في الضفة الغربية، وما بقيت صلة اجهزة السلطة بالولايات المتحدة واستمر تعاونها الأمني مع اسرائيل. والى ذلك يبدو ان قيادة حماس ترى اندماج الاخوان المسلمين في مصر في السلطة امكانا واقعيا وانه سيحدث تحول جوهري لسياسة مصر نحو إزالة تأييد السلطة ونقل ذلك الى حماس. وعلى ذلك قد تنتظر قيادة حماس الى ان تسقط السلطة الفلسطينية مع عدم مسيرة سياسية وعدم شرعية استمرارها في البقاء.

        مواجهة مسألة تمثيل الشعب الفلسطيني

        إن أبو مازن باعتباره رئيس م.ت.ف عالِم بالانتقاد على قضية مكانة المنظمة باعتبارها ممثلة شرعية وحيدة للشعب الفلسطيني وفيه اللاجئون في الجاليات ولا سيما بعد فوز حركة حماس في الانتخابات العامة للمجلس التشريعي (كانون الثاني 2006) وفقدانها السلطة في القطاع. إن محاولات تجنيد الرأي العام للدعوة الى انتخابات ومصالحة وطنية تلقى شروطا تشترطها قيادة حماس ومنها اصلاحات في مؤسسات م.ت.ف واختيار تأليف جديد للمجلس الوطني الفلسطيني يُمكّن من إدماج حماس في المنظمة بحسب مفتاح متفق عليه، ومطلب تغيير مواقف المنظمة السياسية.

        قد تشتد مسألة التمثيل مع انشاء نظام جديد في مصر. هناك خوف عند القيادة الفلسطينية ألا تستطيع الاحزاب العلمانية في مصر على أثر انتخابات ديمقراطية تكوين ائتلاف من غير الاخوان المسلمين، بل قد يحظى هؤلاء بأصوات أكثر من كل حزب آخر وينشئون ائتلافا. تقدير القيادة هو أنه في هذه الحال سيحدث تغيير استراتيجي في سياسة مصر وتتبنى تصورا كتصور الاخوان المسلمين يكون معناه تحويل التأييد الى حماس وتقريب نهاية القيادة الوطنية الفلسطينية، وابتعاد حماس عن العالم العربي.

        إن الاعتراض على صلاحية منظمة التحرير الفلسطينية ومراوحة المسيرة السياسية سببا ايضا ضعضعة طريقها السياسي وتقوي الاصوات في الجهاز الفلسطيني التي تشك في حل الدولتين. ولهذه الاسباب جعل أبو مازن سياسته تعتمد في السنين الاخيرة على المبادرة العربية التي تقوم على مبدأ دولتين للشعبين. وقد رآها أداة عربية عامة تعزز برنامج م.ت.ف السياسي في شأن التسوية السياسية مع اسرائيل وتُثبت مكانتها باعتبارها الجهة الوطنية الشرعية التي تمثل الشعب الفلسطيني. لعبت مصر في سياسة أبو مازن هذه دورا مركزيا وكان الرئيس مبارك سنده الرئيس في الجامعة العربية. وقد تبنت هذه موقفا عربيا موحدا حدد مقدما خطوط اطار الاتفاق شرطا لتجديد التفاوض. خطوط الاطار هذه هي انشاء دولة في حدود 1967 عاصمتها القدس الشرقية، وتبادل اراض باتفاق، وتجميد تام للبناء في المستوطنات وفيها القدس.

        التقدير الذي يسود القيادة الفلسطينية انه ما ظلت الحكومة الحالية تتولى زمام الامور في اسرائيل فلن يُجرى تفاوض سياسي ذو شأن بسبب مواقفها من شأن البناء في المستوطنات والقضايا الجوهرية. وتتلقى تعزيز تقديرها من مضمون الخطاب العام في اسرائيل على أثر التطورات في العالم العربي، والذي لا يشجع تقديم المسيرة بل يستغل الأحداث للتحذير من اتفاق سلام. ويلاحظ عند القيادة الفلسطينية ايضا خيبة أمل من امكانية ان تفرض الولايات المتحدة ودول الرباعية على اسرائيل تجميد البناء في المستوطنات وتجديد المحادثات المباشرة. اذا نشأت مع كل ذلك ظروف لتجديد المحادثات المباشرة فيبدو انه سيصعب على أبو مازن ان يعمل دون تأييد مصر لعرض مواقف مرنة ما. على سبيل المثال عارض في الماضي بشدة التقدم على مراحل الى اتفاقات جزئية وانشاء دولة في حدود مؤقتة كما اقترحت عليه جهات مختلفة في اسرائيل، وينبغي لنا أن نُقدر أنه سيصعب عليه من غير دعم عربي عام ان يؤيد ذلك فضلا عن ان يُبدي مرونة ويقوم بتنازلات في القضايا الجوهرية للتسوية الدائمة.

        يمكن اذا أن نُقدر ان تطلب القيادة استغلال حقيقة انه نضجت في الساحة الدولية في السنين الاخيرة معرفة أنه لا مناص من الافضاء الى انهاء الاحتلال كي يُصادر من اسرائيل تفردها بالقرار في شأن مصير المناطق ومستقبل الشعب الفلسطيني. من اجل ذلك ستستمر في حملتها لتجنيد تأييد دولي يمهد الطريق لاتخاذ القرار في الامم المتحدة على الاعتراف بالدولة الفلسطينية في حدود 1967 على أساس قراري الامم المتحدة 242 و338.

        مواجهة الانتقاد في شأن المس بحقوق الانسان

        يُسمع في السنين الاخيرة انتقاد بين كُتاب المقالات الصحفية ومنظمات حقوق الانسان على تنكر السلطة الفلسطينية لقيم الديمقراطية وحقوق الانسان فيها. فعلى سبيل المثال اعترف رئيس "المفوضية الفلسطينية المستقلة لحقوق الانسان" في السلطة الفلسطينية، الدكتور ممدوح العكر، بأن وضع حقوق الانسان في السلطة غير سليم، وحذر من ان عدم علاج المشكلة قد يجعل السلطة شبه "دولة شرطة". يشير العكر في تقارير المفوضية ومقابلات معه الى تقييد حرية التنظيم والتظاهر، والى الاعتقالات التعسفية خلافا للقانون، وتعذيب المعتقلين، وغربلة المرشحين لوظائف في القطاع العام على أيدي اجهزة الاستخبارات والأمن الوقائي بحسب مفتاح سياسي، واستمرار اجهزة الأمن في اعتقال مواطنين وعدم احترام أوامر المحاكم. ووجه العكر انتقادا على انشاء اجهزة الأمن برعاية الاحتلال وحجمها المفرط الذي يقتضي تخصيص ثلث ميزانية السلطة للابقاء عليها على حساب مخصصات الصحة والتربية والرفاهة. ووجه انتقاد ايضا على عدم نشاط حزبي في مجال السلطة: فحركة فتح في ازمة داخلية متصلة، وحُظر نشاط حركة حماس في الضفة الغربية، أما الاحزاب الصغيرة فلم تطور حتى الآن قدرة حقيقية على عرض برنامج عمل جديد وحشد قوة جماهيرية.

        أشار العكر الى وجود روح جديدة عند الجمهور الفلسطيني ستطلب إحياء القضية الفلسطينية واعادتها الى المكان الذي تنتمي اليه – الى نضال حركة تحرر قومي. وهو يرى أنه تنبغي العودة الى انشاء منظمة التحرير الفلسطينية من جديد باعتبارها قيادة الشعب الفلسطيني، مع قادة جدد، وتغيير عمل السلطة بحيث تبقى مع سلطات بلدية كبيرة. قال العكر انه يشعر بتباشير التغيير الذي أخذت تُعبر عنه المظاهرات التي تُجرى في القرى بنشاط حركة منظمات غير حكومية (بي.دي.اس)، تعمل للدفع قُدما بمقاطعات اقتصادية مثل مقاطعة منتوجات المستوطنات وفرض عقوبات ثقافية وغيرها على اسرائيل ومنع الاستثمار فيها. وهو يُقدر أن ما حدث في تونس ومصر سيعجل المسيرة داخل السلطة الفلسطينية.

        تتمتع السلطة الفلسطينية مع عدم وجود بديل واقعي بقدر من تأييد الجمهور، لكن تعلقها الكبير بالمساعدة المادية من الجماعة الدولية، التي تُكتسب بتعاون أمني مع اسرائيل وبضعضعة بنى حماس التحتية مع المس بالديمقراطية وحقوق الانسان، يبدو أمرا اشكاليا في رأي الجمهور. هذا الوضع يشكك في احتمالات أن تبقى الحكومة مستقرة وأن تنجح في مسار بناء الدولة، وهو قاعدة مريحة لحدوث اليأس والشعور الساخر في المجتمع الفلسطيني. يعمل مسؤولون كبار في قيادة السلطة وقيادة فتح، عالمون بهذا المزاج العام، على التحرر من الصورة السلبية للتنسيق الامني مع اسرائيل ويؤكدون، للشباب خاصة، المصلحة الفلسطينية التي تصحب ذلك. ويأملون كذلك ان يقبل الجمهور تفسير ان النضال السياسي لاسرائيل يسبق في ترتيب الأولويات الوطني النضال في الداخل للسلطة الفلسطينية بسبب مستوى أدائها.

        خلاصة ومعان بالنسبة لاسرائيل

        مصادر الحراك الذي يزعزع نظم الحكم في الشرق الاوسط تختلف عن تلك التي تميز الحراك الفلسطيني الداخلي. إن المجتمع الفلسطيني اليوم منقسم ممزق في الداخل، وما يقع تحت احتلال ويناضل من اجل استقلال سياسي. ليس عند شبابه اليوم هدف مشترك، اجتماعي أو سياسي، ويُعبر عن ذلك تفضيلهم حصر عنايتهم في تقديم شؤونهم الشخصية (الدراسة والعمل والعائلة)، مع الاندماج في القطاع الخاص أو العام ومسارات بناء الدولة. إن تهاوي الرموز الوطنية للمجتمع في السنين الاخيرة، وفي مركزها حركة التحرير الوطني، فتح التي بقيت بلا تكتل داخلي وقيادة قائدة، وخسرت تأييد الجمهور، وتحطم الوحدة الوطنية إثر ضياع القطاع والانفصال عن حماس، واهمال فكرة المقاومة لمصلحة بناء دولة – كل ذلك يشهد انه لا يوجد اليوم في الضفة الغربية قوة باعثة – سياسية تستطيع ان تحرك مسارات شعبية واسعة مثل معارضة سلطان السلطة أو ثورة على استمرار الاحتلال الاسرائيلي.

        مع ذلك لا تتجاهل القيادة الفلسطينية التحديات التي قد تغير الواقع القائم. وهي عالمة بأن مسألة الشرعية مع عدم انتخابات وفقدان السيطرة على قطاع غزة، والضائقة الاقتصادية والاجتماعية المستمرة، والمس بقيم الديمقراطية وحقوق الانسان، والتعاون الامني مع اسرائيل مع عدم تقدم في المسيرة السياسية – كل ذلك قد يكون قاعدة مريحة لحدوث غليان شعبي موجه على سلطتها. إن هبة كهذه من أسفل قد تعتمد على جماهير تشبه تلك التي أحدثت الأحداث في تونس ومصر ودول عربية اخرى لم تحركها عقيدة سياسية – حزبية صلبة.

        ستظل علامات السؤال عن شرعية سلطان السلطة وولاية أبو مازن للرئاسة موجودة في المستقبل القريب الى أن تُجرى على الأقل الانتخابات العامة للرئاسة والمجلس التشريعي. لكن سيجري ايضا وبنفس القدر الحفاظ على الأسس التي تضمن استمرار وجود السلطة ورئاسة أبو مازن: أولا، برغم الانقسام الجغرافي والانقسام السياسي، بقيت مصلحة مشتركة بين حماس وفتح في اقامة السلطة في اطار المنطقتين وعدم انشاء كيانين مستقلين؛ وثانيا، وفي نظر اسرائيل ايضا وفي نظر دول عربية وفي نظر الجماعة الدولية، لم يزُل سبب وجود السلطة الفلسطينية وقد أيدت في السنين الاخيرة استمرار وجودها بسبل مادية وسياسية.

        إزاء الأحداث في العالم العربي ستحتاج السلطة الى دعم وتأييد زائدين من اسرائيل والجماعة الدولية بنفخ الروح في المسيرة السياسية، والمساعدة في مسارات بناء الدولة والمساعدة على جهودها لـ "الاحسان الى الشعب" في مجالي الاقتصاد والرفاهة. تستطيع اسرائيل أن تُسهم في استقرار السلطة اذا شجعت قيادتها على عملها وانجازاتها في مجالات تسويد القانون والنظام واعادة الأمن الى المنطقة واذا استمرت في رؤيتها شريكة في التحادث السياسي والأمني. في الحقيقة وبخلاف الرأي السائد في اسرائيل، لا تحرض السلطة على العنف. فلم تُسمع في السنين الاخيرة من كبار مسؤوليها تصريحات بتأييد الارهاب أو جدوى العودة الى الكفاح المسلح. ولا تُسمع في وسائل اعلام السلطة الفلسطينية اقوال تحريض من القياديين ومسؤولو السلطة الكبار يكررون اعلانهم بوضوح ان درس الانتفاضة الثانية قد تم تعلمه. وبفضل مكافحة السلطة لحماس لم تعد المساجد والأحرام الجامعية ميدانا للتحريض على نشاط معاد لاسرائيل. ولهذا سيكون من الصواب من قبل اسرائيل أن تعترف بحاجة الفلسطينيين الى تخليد من يرونهم أبطال النضال الوطني من اجل التحرير، وألا ترى ذلك عملا تحريضيا، وأن تُمكّنهم في نفس الوقت من الاستمرار في النهج العملي الذي اختاروه وهو بناء الدولة القادمة التي ستعايش اسرائيل.

        إن التقدم نحو تسوية الصراع بطريق سياسي سيوجب على اسرائيل ان تغير تأييدها للتفريق بين الضفة الغربية وقطاع غزة، حتى لو كان ذلك بالتدريج: أولا، بالاستمرار في إظهار المزايا التي تكون للفلسطينيين من البديل الذي تقترحه اليوم السلطة في الضفة الغربية على بديل حماس في القطاع فيما يتعلق باحراز استقلال سياسي وبناء دولة ومجتمع؛ وثانيا، تجديد المسيرة السياسية المتعلقة بالدولة الفلسطينية التي ستنشأ في المنطقتين وتقدم حقيقي فيها؛ وثالثا، اجراء انتخابات – تستطيع السلطة في هذه الظروف اجراء انتخابات في الضفة الغربية حتى لو لم تستجب قيادة حماس للمصالحة، وأن يكون واضحا للجميع أن الحل السياسي الذي سيتم احرازه سيجري على المنطقتين. في هذه الحال ستعتبر حماس مانعة للتقدم نحو انهاء الاحتلال وانشاء دولة فلسطينية مستقلة في المنطقتين، أما الانتخابات فسيتم تصويرها في الرأي العام الفلسطيني باعتبارها اجراءا موحِّدا لا مُفرقا.

        إن تجديد المسيرة السياسية، مع الاستمرار في التنسيق الامني وتقديم مسارات بناء الدولة، قد يضائل تأثيرات الأحداث في العالم العربي في سلطان السلطة الفلسطينية ويُسهم في استقرارها. تقتضي مصلحة اسرائيل ان تكون اقامة الدولة الفلسطينية نتاج تفاوض مع القيادة البراغماتية القائمة لا تطورا يُفرض على اسرائيل من الخارج ويوجب عليها أن تعترف بدولة فلسطين في خطوط 1967.

 

انشر عبر