شريط الأخبار

رسالة عاجلة إلى المنهزمين ..د. محمد مورو

02:00 - 07 حزيران / يونيو 2011

رسالة عاجلة إلى المنهزمين  ..د. محمد مورو

أسوأ ما يمكن أن يصاب الإنسان به، هو هزيمة نفسه بنفسه، بمعنى أن تكون كل الظروف والإمكانيات لصالحه، ومع ذلك لا يتقدم لتحقيق الفرص ، بل يتقاعس، أو يراوغ، أو يهادن، وتضيع الفرصة بالتالي، وهذا هو حال بعض الإسلاميين الآن.

 

وكذلك هناك نوع آخر من الإسلاميين، يخجلون من إعلان إسلاميتهم، ويحاولون صياغة الأمر بطريقة مطاطة تحتمل أكثر من تأويل، أما النوع الثالث وهو الأخطر، فهم هؤلاء الذين تخلوا عن القيم والمبادئ الإسلامية لحساب التصالح مع الليبرالية والعلمانية والمدنية وغيرها.

 

وسوف أناقش بعض القضايا التي تتجلى فيها هذه العيوب في عجالة كرسالة إلى الإسلاميين المنهزمين حتى لا يجردوا الحركة الإسلامية كلها إلى هزيمة بلا مبرر .

 

أول هذه القضايا قولهم أن الشعوب مصدر السلطات والحقيقة أن الله تعالى ومن ثم الإسلام هو مصدر السلطات، ذلك أن كلمة الشعب مصدر السلطات هي كلمة مراوغة لأنه لو كان الشعب مصدر السلطات مثلا، لكان معنى ذلك إعطاء السلطة للأغلبية لتقرر ما تشاء دون مرجعية عليا، فماذا يحدث مثلا لو قررت الأغلبية قتل الأقلية أو منعها من ممارسة شعائر دينها أو غيرها من الأمور ، وفقا لقاعدة الشعب مصدر السلطات، فإن ذلك أو مشروع وقانوني، وعلى الأقلية أن تخضع لحكم الأغلبية، ولكن لو كانت هناك مرجعية عليا، أعلى من الشعب، أي الله تعالى، أو الإسلام، لكان معنى ذلك أن هناك قيما عابرة للأغلبية، وفوق إرادة تلك الأغلبية، منها مثلا قيمة الحق في الحياة.

 

وفي الحقيقة فإن كل الدساتير الوضعية ليس بها أصل نظري لتلك الحقوق العليا، كالحق في الحياة مثلا، وصحيح أن الدول التي تخضع للدساتير الوضعية تحاول أن تجعل هناك قيما أعلى من رأي الأغلبية وتسميتها قيما بديهية، ولكن من أين جاءت تلك القيمة، وما هو المعيار الذي لا يجعلها متغيرة مثلا حسب الظروف؟!

 

إن هتلر مثلا فكر في قتل العاجزين والمسنين، على أساس أنهم قوى غير منتجة، وبالتالي فهي ضارة بالمجتمع، تستهلك ولا تنتج، ما الذي يمنع تكرار هذا سوى قيمة الرحمة مثلا، وهي قيمة إلهية عليا جاءت من الأديان ولها أصل إلهي.

 

هذا بالطبع لا يعني أننا نرفض الاحتكام إلى صندوق الانتخابات وأن من يختاره الناس هو الذي يحكم، على أساس أن كل أطروحة إسلامية هي في النهاية رؤية مجموعة من البشر "حزب مثلا" فيها الصحيح وغير الصحيح، ولكن القيمة الإسلامية العليا هي المعيار النهائي.

 

نحن استنادا إلى الناحية الإسلامية ندعو إلى قيمة التغيير، وحرية تداول السلطة، وحرية تشكيل الأحزاب، وإلى العدالة الاجتماعية، وإلى رفض كل أنواع الديكتاتورية، ولكن وفق الاستناد إلى قيمة عليا، أعلى من الشعب والناس منها قيمة الحرية بكل أنواعها، وقيمة العدالة، وقيمة الرحمة، وحق الحياة ... إلخ.

 

ثاني هذه الأشياء دعوة بعضهم إلى إجراءات ليبرالية باعتبارها قيما عليا، وهي ليست كذلك، بل هي إجراءات يمكن أن تخرج من صحيح المنهج الإسلامي، ومن ثم فإن عدم ربطها بالإسلام يجعلها أولا، غير قابلة للتطبيق ؛ لأن الناس مسلمون أولا وأخيرا، أو يجعلنا نترك مرجعتينا الإسلامية مصالح مرجعية وضعية ثبت فسادها.

 

إن البعض لا يخجل من الدعوة مباشرة إلى الديمقراطية وهي كلمة يستحيل تعريبها، وليس لها مفردات عربية، كلمة الاشتراكية مثلا، لها أصل عربي ومشتقات عربية، وبالتالي يمكن استخدامها.

 

إن كلمة الديمقراطية فهي تدخلنا في مقاطعة معرفية كبيرة، ولدينا أصلا في الإسلام كل الحريات المطلوبة من حق تداول السلطة، حق تشكيل الأحزاب، حق التعبير عن الرأي، حق الاختلاف، حق الاختيار بين برامج مختلفة.

 

أما الديمقراطية فتجربتنا معها مريرة، يكفي أن الدور التي دعمت قيام إسرائيل، ولا تزال تدعم وجودها كانت دولا ديمقراطية، وإسرائيل جريمة مستمرة منذ أكثر من ستين عاما، وجرائمها معروفة على مدى اليوم والساعة، وعلى مرأى ومسمع من الدول الديمقراطية، وتحت شعار الديمقراطية، ثم استقرقاق السود، وإبادة الهنود الحمر، والأبورجيين "أصل استراليا الأصليين"، وتم تدمير نجازاكي وهيروشيما بالقنابل الذرية، ناهيك عن حربين عالميتين، واستعمار وقهر ونهب بلا حدود.

 

الأخطاء والخطايا التي يقع فيها الإسلاميون الملتزمون كثيرة، ونحن في مرحلة لا حجة لأحد أن يتعلل بأنه مكره، أو أن الظروف الدولية أو المحلية تحول دون إعلان مواقفه بصراحة، بل العكس هو الصحيح تماما بعد ظهور الفجر العربي والإسلامي متمثلا في ثورات الشعوب السلمية ..

 

أيها السادة لا تضيعوا هذه الفرصة ..

 

انشر عبر