شريط الأخبار

أميركا الصهيونية../ عبد اللطيف مهنا

01:30 - 29 تموز / مايو 2011

أميركا الصهيونية عبد اللطيف مهنا

لكل زيارة لنتنياهو إلى واشنطن حديثها العربي إياه. ويمكن تعميم هذا أيضاً بأثر رجعي على زيارات أسلافه وسحبه على من سيخلفه مستقبلاً. إنه دائماً حديث إعادة اكتشاف المكتشف في بلادنا، أي أنك تسمع بالعربية ذات ما سمعته في المرات السابقة، ولن تسمع غيره بين ظهرانينا في قادم الأيام الأمريكية الإسرائيلية.

 

 إن كل ما سمعناه وسنسمعه دار وسوف يدور ويحور حول طبيعة العلاقة العضوية إياها بين الولايات المتحدة وإسرائيلها. هذا إذا ما كان الكلام الذي نسمعه واضحاً، أي لا نسمعه من قبل أولئك الواهمين الذين يحاولون تصيد ما يوهمهم وحدهم، ذلك عبر إجهادهم النفس في ملاحقة شوارد ما بين سطور ضجيج الزيارة علهم يعثرون في تأويلاتها على ثمة ما قد يشوب هذه العلاقة شبه السرمدية، ومن ثم يؤبدون وهمهم المستطاب.

 

أمريكياً وإسرائيلياً، يكاد يتكرر أمامنا  المشهد ذاته ونتابع  السيناريو ذاته. نسمع لغطاً يثار عادة يسبق ويمهد للزيارة العتيدة عن ثمة سحب من "خلافات بين أصدقاء"، وفق تعبير نتنياهو الأخير، يسبقه ضجيجها إلى واشنطن، أو اصطناع "أزمة مبيتة"، وفق توصيف للمعلقين الإسرائيليين أنفسهم، وعن تأكيدات على "روابط بين الولايات المتحدة وإسرائيل غير قابلة للكسر" تلاقيه هناك، كما سمعنا مؤخراً وكنا سمعناه مراراً من أوباما... عن تشدد نتنياهوي مدروس، قد يصل إلى درجة الصلف والفجاجة، وبالمقابل، تسامح أمريكي مضمون، قد يصل إلى حدود التملق والاسترضاء، من قبل سيد البيت الأبيض، مهما كان اسمه أو لونه أو حزبه.

 

سبق الزيارة خطاب لأوباما، لم يعد مهماً التعرض له الآن لأن ما تلاه، وبعد 24 ساعة لا غير، ونقصد خطابه أمام مؤتمر "أيباك" الصهيوني، قد جبّ أوهام أو تأويلات ما قبله، أي ذرتها رياح العلاقة الراسخة بين المركز وثكنته المتقدمة المدللة... هذه المرة لا جديد أيضاً... "التزام الولايات المتحدة بأمن إسرائيل محض". وحيث إن إدارته قد جعلت من أمنها أولوية، فقد غدا تعاونهما العسكري يزداد "إلى مستويات غير مسبوقة"... وكرر اللازمة الأمريكية إياها، أي التعهد بالحفاظ على "تفوق إسرائيل النوعي". أما مقاومو احتلالها فهم مجرد "مجموعات إرهابية"... وقد نمضي في تعداد كل ما جاء في خطابه ناسفاً فيه كل الأسس التي يقولون إنه قد قامت عليها ما كانوا يدعونها ب"العملية السلمية"... القدس، اللاجئون، المستعمرات، حدود 1967... لدينا هنا في الجوهر، إذا ما نحينا جانباً الشكل، تطابقاً كاملاً مع رؤية وفهم نتنياهو المعهود لعملية التصفية التي يريدها للفروغ من القضية الفلسطينية... مع بعض استدراك، نبّه أوباما إلى الخطر الديموغرافي الناجم عن تزايد الفلسطينيين، والذي، كما قال، "يعيد بشكل رئيسي صياغة الوقائع الديموغرافية لكل من إسرائيل والفلسطينيين، ومن دون تسوية، فإن هذا الأمر سيجعل من الصعب الحفاظ على إسرائيل كدولة يهودية وكدولة ديموقراطية"... هنا هو يبدو أكثر حرصاً على إسرائيله من نتنياهو، وينبّه كأحرص منه عليها إلى جديد العرب المقلق، وهو أن "جيلاً جديداً من العرب يعيد صياغة المنطقة. لم يعد يمكن صياغة سلام... مع واحد أو اثنين من القادة العرب"... أما جديده، إن صحة التعبير، فهو رفضه الحازم "إنشاء دولة فلسطينية في الأمم المتحدة"، أو تلويح رام الله باحتمال التوجه إلى هناك لطلبها. حول هذه المسألة بالذات، قال: "سنخضع الفلسطينيين للمساءلة عن أفعالهم وخطابهم"... خطاب أوباما الإيباكي صح فيه قول البعض، بأنه كان خطاب اعتذار عما سبقه، أو بالأحرى،  عما شاب السابق من عدم التأكيد أكثر على جوهر المواقف، أو الثوابت، الأمريكية الإسرائيلية على نحو أوضح، وبالتالي، اقتضى تدارك اللاحق هنة السابق.

 

قد يتساءل متسائل وماذا يريد الإسرائيلييون سماعه من أوباما أكثر من قوله: "لقد رأيت بنفسي عندما وضعت يدي على الحائط الغربي وتلوت صلاتي ودعائي بين أحجاره العتيقة، فكرت في كل القرون التي تمنى فيها أطفال إسرائيل العودة لموطنهم القديم"!

 

والآن، ماذا كان رد الصهاينة على تحية أوباما؟! كل ما قالوه أنه كان خطاباً مُرضياً، لكنما يسوءهم أنهم "رأوا فيه نبرة توازن جزئي بين الإسرائيليين والفلسطينيين"!

 

...وماذا عن نتنياهو؟ أقل ما يقال، أنه دخل المركز كعادته فاتحاً لا متطلباً، حيث استقبل موفد الثكنة المتقدمة هناك بما يقتضيه دورها في سياق الاسترانيجية الامبراطورية. حظي في واشنطن بما لا يحظى به في القدس المحتلة. كرّموه فألقى خطابه في الكونغرس معيداً فيه التأكيد على كامل ثوابته مكرراً معهود لاءاته، أو ما كان قد صدح بها أمام صهينة "إيباك"... أعادها وكررها أمام غرفتي الكونغرس مجتمعتين، الشيوخ والنواب، جمهوريين وديموقراطيين ومستقلين... بلغة أخرى، أمام الولايات المتحدة كاملة عبر كامل من يمثلها. والمفارقة هنا، هي أنه في حين له معارضوه في الكنيست فهو هنا، وأمام ما وصفهم ب "أركان التحالف الإسرائيلي الأمريكي" فليس ثمة من معارض... صفّقت أمريكا الإمبراطورية وأمريكا المصالح بكاملها لثوابته، ووقفت وهي تصفق بين يديه إجلالاً للاءاته أكثر من 29 مرة في أقل من أربعين دقيقة... هنا ما يمكن وصفه أيضاً بإعادة اكتشاف المكتشف، وهو مدى سخف مقولة، اللوبي الصهيوني، أو خرافة أسطورة "إيباك" وأخواتها، هذه التي تريح بعض العرب، وتبرر لآخرين منهم وضع بيضهم في سلة العم سام.

 

وإذا كنا قد تحدثنا عن العرب وإعادة اكتشافهم للمكتشف، فكيف لنا أن نصنّف تعقيباً لصائب عريقات، "مسؤول ملف التفاوض" سابقاً على ما جرى، والذي من نوع: لقد "ثبت لنا (له وحده) الليلة أنه لا يوجد شريك للسلام"؟!!!

 

...خلاصة القول، أنه ثبت للأمة اليوم مجدداً ما لم يثبت لعريقات بعد، والذي لطالما ثبت لها طيلة أيام وليال 63 عاماً نكبوياً مرت عليها، وهو أن أمريكا كانت ولا زالت وستظل عدو العرب الأول، وإن نتنياهو وشاكلته ليسوا إلا مجرد تفصيل ضئيل من تفاصيلها العدوانية القبيحة

انشر عبر