شريط الأخبار

الصراع على مياه النيل.. ودور إسرائيل الخفي .. أيمن بريك

01:23 - 01 تموز / مايو 2011

الصراع على مياه النيل.. ودور إسرائيل الخفي .. أيمن بريك

شهد الصراع على مياه النيل تطورات متسارعة خلال الأيام القليلة الماضية، خاصة بعد إعلان أثيوبيا تدشين مشروع نهر (الألفية) الذي يبعد قرابة 40 كيلو مترًا عن الحدود مع السودان، مستغلة انشغال مصر ـ أكثر الدول رفضًا لإعادة صياغة اتفاقية توزيع مياه نهر النيل ـ بثورة 25 يناير، وما تبعها من أحداث على الصعيد الداخلي المصري، وكذلك انشغال السودان بتوفيق أوضاعه مع الجنوب، الذي يستعد للاستقلال بشكل فعلي عن الخرطوم، فضلًا عن حالة الترقب التي يشهدها الداخل السوداني مع تصاعد وتيرة الثورات والاحتجاجات الشعبية في الدول العربية.

 

ويأتي الإعلان الإثيوبي عن إنشاء سد «بوردر» أو الألفية، بعد أيام قليلة من التوقيع على اتفاقية دول حوض النيل، والتي غابت عنها مصر والسودان، ولكن المثير في الأمر هو إعلان أديس أبابا أنها ستعتمد على جهودها الذاتية في بناء السد، والذي تصل تكلفته إلى 500 مليون دولار، دون أن تساهم في هذه التكاليف أي معونات خارجية، وهو ما يشير إلى أن هناك أياديَ خفيةً تحاول زعزعة المنطقة من خلال خلق صراع جديد حول مياه النيل، فضلًا عن الإضرار بأمن واقتصاد مصر؛ عن طريق اختلاق المشاكل حول مياه النيل، الذي يعدُّ عصب الحياة، والأساس الذي تقوم عليه التنمية الصناعية والزراعية في مصر.

 

صراع قديم.. ولكن

 

والصراع حول مياه النيل هو صراع قديم، ترجع جذوره إلى ثمانين عامًا مضت، وتحديدًا إلى عام 1929، حين وقعت بريطانيا (الدولة الاستعمارية السابقة)، نيابة عن أوغندا وتنزانيا وكينيا، اتفاقًا مع الحكومة المصرية، يتضمن إقرار دول الحوض بحصة مصر المكتسبة من مياه‏ النيل، وحق مصر في الاعتراض على إنشاء هذه الدول مشروعات جديدة على النهر وروافده. كما لحق بهذه الاتفاقية اتفاقية أخرى بين مصر والسودان عام 1959، مُنحت مصر بموجبها حق استغلال 55.5 مليار متر مكعب من مياه النيل، ومنحت السودان 18.5 مليار متر مكعب من مياه النيل، يحق لها استخدامها، على أن تتعاون الدولتان في دراسة وتنفيذ مشروعات أعالي النيل، لتقليل فاقد المياه في هذه المنطقة، وتعظيم إيراد النهر.

 

وقد شهدت السنوات الماضية تصاعد وتيرة الصراع على مياه النيل، خاصة بين دول المصب، والمتمثلة في مصر، والسودان، ودول المنبع، والمتمثلة في باقي دول حوض النيل العشرة، وهي أوغندا، وإثيوبيا، والكونغو الديمقراطية، وبوروندي، وتنزانيا، ورواندا، وكينيا، وإريتريا، حيث تتبع كل دولة جميع حيل التفاوض وأدوات التهديد من أجل الفوز بأكبر قدر ممكن من المكاسب، وما تلبث الأمور أن تهدأ حتى تنفجر مرة أخرى، ولكن الصراع هذه المرة أخذ أبعادًا مختلفة، حيث نجد أن هناك مساعي لاتخاذ خطوات من طرف واحد دون مراعاة موافقة الطرف الآخر، فقد سبق الإعلان الإثيوبي عن إنشاء نهر (الألفية)، إعلانُ دول المنبع عن توقيع الاتفاق الإطاري، وإنشاء مفوضية دول حوض النيل دون موافقة أو انضمام مصر والسودان مع فتح الباب لانضمامهما مستقبلًا، بحيث تستطيع الذهاب إلى الدول المانحة لتمويل مشروعاتها النيلية والزراعية، وهو ما يشير إلى أن الأزمة شهدت تصعيدات غير مسبوقة.

 

أهم دول المنبع

 

وتعتبر أثيوبيا أهـم دول المنبع بالنسبة لمصر، نظرًا لحجم الإيراد المائى الوارد منها في إطار الحـوض الشرقي لنهر النيل، ومع ذلك فـلا ترتبط أثيوبيا مع مصر بأى اتفاق تنظيمي باستثناء اتفاقيـة عام 1902 م بين كلٍّ من بريطـانيا (المسئولة عن مصر والسـودان)، وإيطـاليا (المسئولة عن الحبشة)، في ذلك الوقت، وهي اتفاقية تقضي بعدم قيام الحبشة (أثيوبيا) بأي أعمـال على بحيرة تانا أو النيل الأزرق أو نهر السودان، تؤثر على حصة مصر والسودان.

 

ووقَّعت مصر مع أثيوبيا عام 1993 م، إطارًا للتعاون، يتناول قضية استخدام مياه نهر النيل تفصيلًا من خلال الخبراء، على أساس اتفاق للمجـاري المائية الدولية، مؤسس على الاستغلال الأمثل والمنصف، وعدم الضرر، والتعاون بين دول النهر، إلا أن أثيوبيا تقوم حاليًا ببعض الأعمال بشكل منفرد، وهو ما اعتبرته دول المصب (مصر، السودان) محاولةً للنيل من حقوقها وحصتها المائية.

 

دور إسرائيلي

 

ويشير المراقبون إلى أن هناك أيادي إسرائيلية تتحرك من أجل إشعال الصراع حول مياه النيل، خاصة وأن إسرائيل لديها أطماع تاريخية في الحصول على حصة من مياه النيل، فمحاولة الحركة الصهيونية الاستفادة من مياه النيل قديمة قدم التفكير الاستيطاني في الوطن العربي، حيث ظهرت هذه الفكرة بشكل واضح في مطلع القرن الماضي، عندما تقدم الصحفي اليهودي تيودور هرتزل عام 1903م إلى الحكومة البريطانية بفكرة توطين اليهود في سيناء، واستغلال ما فيها من مياه جوفية، وكذلك الاستفادة من بعض مياه النيل، وقد وافق البريطانيون مبدئيًا على هذه الفكرة، على أن يتم تنفيذها في سرية تامة، ولكن ما لبثت أن رفضت الحكومتان المصرية والبريطانية مشروع هرتزل الخاص بتوطين اليهود في سيناء ومدهم بمياه النيل لأسباب سياسية تتعلق بالظروف الدولية والاقتصادية في ذلك الوقت.

 

ومنذ ذلك الوقت وإسرائيل تطالب بمدها بنصيب من مياه النيل عن طريق سيناء، وإلا قامت بإحداث متاعب لمصر في منابع النيل بإثيوبيا ومنطقة البحيرات، حيث تسعى لزيادة نفوذها في القرن الأفريقي ومنطقة البحيرات الكبرى، وهو ما يفسر قيام المسئولين الإسرائيليين بزيارات متكررة لمنطقة القرن الأفريقي، منها زيارة وزير الخارجية الإسرائيلي المتطرف، أفيجدور ليبرمان أواخر عام 2009، والتي شملت ثلاث دول من حوض النيل؛ إثيوبيا وكينيا وأوغندا، حيث تم الإعلان عن أن الكيان الصهيوني سيقوم بتمويل بناء عدد من السدود في دول الحوض، ويشمل ذلك بناء أربعة سدود في إثيوبيا، بالإضافة إلى (سد تيكيزي) الضخم الذي استكمل تشييده مؤخرًا، إضافة إلى إعلان كيان الاحتلال الإسرائيلي عن تمويل مشاريع زراعية أخرى ستؤثر في كميات المياه المطلوبة للدول التي ستقام فيها المشاريع، فضلًا عن ذلك فإن أمريكا ـ الحليف القوي والداعم لإسرائيل ـ قد نجحت مؤخرًا في تحقيق أكبر قدر من النفوذ على كلٍّ من إثيوبيا وأوغندا والكونغو ورواندا وبورندي.

 

مصر.. وإدارة الأزمة

 

وعلى الرغم من أن مصر كثفت جهودها السياسية خلال السنوات الأخيرة لاحتواء أزمة مياه النيل، خاصة بعد توقيع ٤ من دول المنبع على الاتفاقية الإطارية لإعادة تقسيم حصص المياه في أوغندا، دون مصر والسودان، حيث أجرت مؤسسة الرئاسة والجهات السيادية المعنية ووزارتا الري والخارجية في ذلك الوقت، عددًا من الاتصالات للدفع باتجاه استئناف المفاوضات مع دول الحوض، إلا أن هناك من يرى أن إدارة النظام المصري السابق لملف مياه، وتحديدًا في السنوات العشر الأخيرة، شابها مظاهر العبثية، واللامبالاة، والسلبية، والإهمال، والتجاهل، والتعتيم، والتغييب، والشعارات الجوفاء، والخطب العصماء، بعيدًا عن الجدية والتخطيط المسبق.

 

ويرى المراقبون أن المحصلة الطبيعية لذلك، كانت مزيدًا من التجاهل من الدول الأخرى، الأطراف في الأزمة لمصر، وقيام هذه الدول بتوقيع اتفاقية إطارية جديدة، وأخيرًا الإعلان الإثيوبي عن تدشين نهر جديد دون النظر للاعتراضات أو التحفظات المصرية، لتدخل السياسة الخارجية المصرية فى أزمة، كانت في غنًى عنها، ولكنها أزمة شديدة الخطورة؛ نظرًا لارتباطها بأهم عنصر من عناصر النهضة والتنمية، بل والاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي في مصر، وهو نهر النيل.

 

تحرك رسمي وشعبي

 

ويضع الخبراء المصريون في ملف المياه أمام بلادهم جملة خيارات، منها اللجوء الى القوة العسكرية، وإن كان مستبعدًا، أو الاحتكام إلى القانون الدولي، والتمسّك بالحقوق المكتسبة، وفقًا للاتفاقيات المعقودة، أو ضرورة التفاهم الكامل مع اثيوبيا وإعادة الصحوة المصرية نحو أفريقيا بأكملها، بعدما غابت عنها في سنوات حكم مبارك الأخيرة.

 

وقد شهدت الأيام القليلة الماضية أول مسعًى شعبي بعد ثورة 25 يناير تجاه قضية مياه النيل، حيث قام وفد شعبي مصري ممثل لكل الأطياف السياسية وشخصيات عامة وممثلين لشباب ثورة 25 يناير، برئاسة النائب الوفدي السابق وعضو «البرلمان الشعبي» مصطفى الجندي بزيارة الرئيس الأوغندى يورى موسيفينى في مزرعته الخاصة قرب العاصمة الأوغندية؛ من أجل الدعوة لبَدْء صفحة جديدة مع دول حوض النيل، ووقف أي مشروعات في الظروف التي تمر بها مصر بعد ثورة 25 يناير، خاصة أن محاولات بعض الدول ابتزاز مصر لا تتفق مع الأخلاق الأفريقية، داعيًا أوغندا للقيام بدور محورى في التطورات الحالية بين دول الحوض.

 

وعلى الصعيد الرسمي، فقد جاءت زيارة الدكتور عصام شرف، رئيس الوزراء المصري، إلى السودان، بهدف ترتيب الأوراق وتنسيق المواقف بين مصر والسودان إزاء أزمة مياه النيل، كما قام وزير الخارجية المصري نبيل العربي بزيارة فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب ـ شيخ الجامع الأزهر ـ من أجل التباحث حول كيفية الاستعانة بهذه المؤسسة الإسلامية العالمية، لتحسين العلاقات الخارجية، وحل المشاكل العالقة مع الدول الأفريقية ودول حوض النيل، عبر زيادة أعداد الطلاب الوافدين لدول الحوض، وبناء المعاهد الأزهرية، إلا أن هناك من يرى أن هذه الخطوات ليست كافية، وأن حل الأزمة لن يكون بالشعارات والوعود والكلمات البراقة، مؤكدين أنه لابد من اتخاذ خطوات فعلية، من خلال التنسيق بين الجهود الرسمية والشعبية، من أجل إيجاد حل جذري لهذه الأزمة التي تم تجاهلها لسنوات طويلة، حتى تفاقمت بالشكل الذي أصبح يشكّل تهديدًا للأمن القومي المصري، مع عدم استبعاد الحل العسكري إذا لزم الأمر.

 

انشر عبر