شريط الأخبار

الفرق بين الفلسطينيين والباسكيين- هآرتس

11:27 - 09 حزيران / مارس 2011

 

الفرق بين الفلسطينيين والباسكيين- هآرتس

بقلم: يوني إشفار

مدير القسم العام في منظمة "غيشه" (توجه)

(المضمون: يختلف وضع الفلسطينيين عن الباسكيين والاسكتلنديين بأن اسرائيل تبرأت من كل مسؤولية عن تحسين أوضاعهم برغم انهم يخضعون لحكمها العسكري، أما بريطانيا واسبانيا فلم تتخليا عن مسؤولية تحسين اوضاع هاتين الأقليتين - المصدر).

        يسهل الغاء مقالة يسرائيل هرئيل ("من يخاف قانون الشفافية"، 24/2)، حيث يتهم منظمات حقوق الانسان بأنها "باعت أرواحها من اجل تقديم مصالح حكومات اجنبية"، لانها انقضاض متناقض. يزعم هرئيل ان المنظمات الأكثر شفافية في المجتمع المدني الاسرائيلي تخاف من الشفافية، لأن هذه الشفافية قد تكشف عما لم تحاول قط إخفاءه – وهو أن جزءا كبيرا من تمويلها يأتي من صناديق عامة اوروبية.

        لكنه من وراء اللغة التي تشعر بالمطاردة والمتحمسة، التي تُعبر عن المزاج العام الذي يسيطر على الكنيست والحكومة، يكمن سؤال يقلق أناسا نزيهين ايضا ويستحق النقاش الجدي وهو: هل النشاط العام الذي تنفق عليه جزئيا حكومات اجنبية يضعضع سيادة الدولة ويمس بالديمقراطية؟.

        في كل دولة حساسية من تدخل دول اخرى في شؤونها الداخلية. وقد جرى التعبير عن هذه الحساسية تعبيرا معياريا في العلاقات الدولية بمبدأ عدم التدخل ومؤداه أن تدخل دولة بسياسة دولة اخرى مس بسيادة هذه الأخيرة. وقد جرى تحديث قواعد التدخل باعتبار ذلك درسا من صعود الفاشية في اوروبا وأحداث الحرب العالمية الثانية بحيث لم يعد المس بطوائف السكان الضعيفة كالأقليات ومعارضي نظام الحكم والمدنيين تحت احتلال عسكري، يحظى بحصانة باعتباره "شأنا داخليا" بل انه يُسوغ بل يضطر الى تدخل دولي.

        إن التدخل على هيئة ضغط عسكري واقتصادي يُحسن في احيان نادرة الوضع، ولهذا تبحث الدول عن وسائل تدخل "أكثر ليونة" تشتمل ايضا على تأييد عناصر محلية تعمل في حماية طوائف السكان القابلة للمس بها. إن التفاهم الدولي الذي وقعت عليه اسرائيل ايضا هو أن الحفاظ على حقوق الانسان مصلحة مشتركة بين الانسانية عامة. ثم مكان لانتقاد شكل تطبيق هذا التفاهم احيانا، لكنه يصعب، ولا سيما عندما يكون الحديث عن يهودي، الاعتماد على قدسية عدم التدخل.

        إن زعم ان الصراع الاسرائيلي الفلسطيني مسألة داخلية اسرائيلية هو جذر الخطأ أو تضليل هرئيل. بل انه يبالغ ويقارن الوضع هنا بنضال الاسكتلنديين والباسكيين من اجل الاستقلال في اوروبا، ويزعم وبحق ان بريطانيا واسبانيا كانتا تغضبان لو أن دولة اجنبية عملت داخلهما من اجل الدفع قُدما بهذا النضال. بيد أنه يوجد بين الحالة الاسرائيلية الفلسطينية وبين تلك الحالتين عدد من الفروق الجوهرية.

        أولا، الاسكتلنديون والباسكيون هم مواطنون في بريطانيا وفرنسا واسبانيا، وباعتبارهم كذلك تُفتح أمامهم امكانات ديمقراطية لتحقيق أهدافهم (وهذا الذي يجعل أكثرهم يبغضون النضال العنيف). وثانيا، لا يُعلم باخلال شديد ساحق بحقوق الانسان لهذه الأقليات الانفصالية. وثالثا، وفي حالات نضال أعنف كما في ايرلندة الشمالية، فان الدولة الحاكمة لا تمنع اعادة بناء الأنقاض، وإطعام السكان، والخدمات الصحية والتربوية وانشاء جهاز صحة في الحد الأدنى، وتُلقي عبء ذلك على "كيانات سياسية اجنبية"، كما تفعل اسرائيل في المناطق ولا سيما منذ اتفاقات اوسلو.

        إن اسرائيل باعتبارها لا ترى نفسها مسؤولة عن مصير السكان الذين ما تزال تسيطر عليهم عسكريا – تُخل بسيادتها هي نفسها، لأن السيادة الكاملة تقتضي تحمل مسؤولية كاملة.

        يشعر اسرائيليون كثيرون أن خطاب حقوق الانسان أصبح أداة لوصم غير متناسب لاسرائيل في العالم وقاعدة للتعبير عن كراهيتها. فالتحدي الذي يواجه منظمات حقوق الانسان الاسرائيلية اذا هو التذكير بأن احترام حقوق الانسان، والدفاع عن الأبرياء والمحافظة على طهارة السلاح ليست مصلحة معادية لاسرائيل اجنبية، بل هي قيم راسخة في قوانين دولة اسرائيل، وفي الشيفرة الاخلاقية لجيشها، وفي التراث اليهودي والتراث الصهيوني، وليس فيها ما يناقض الحق في الدفاع عن النفس.

        إن تقليص الجدل السياسي، من اليمين ومن اليسار في مسألة مصادر تمويل المنظمات والجمعيات هو الآن تهديد أكبر للخطاب الديمقراطي في اسرائيل من تبرعات حكومات اوروبية، وأرباب ثروة امريكيين وكنائس انجليكانية معا. يجب علينا جميعا ان نعود ونصرف عنايتنا الى انتقاد موضوعي وتنافس صحي بين الأفكار.

انشر عبر