شريط الأخبار

استحقاقات ما بعد الثورة ..د. محمد مورو

12:40 - 19 حزيران / فبراير 2011

 

استحقاقات ما بعد الثورة  ..د. محمد مورو

إذا كانت الثورة المصريَّة العظيمة قد كانت ولا زالت نقطة كاشفة في الواقع المصري والعربي والإسلامي والدولي المعاصر، فإن الأمر يقتضي بالضرورة أكبر قدرٍ من المصارحة والمكاشفة، نعم كانت الثورة نقطة فرز رائعة، لهؤلاء الذين وقفوا مع الثورة منذ البداية حتى النهاية وظلّوا معها ولا يزالون، وهؤلاء الذين أمسكوا العصا من المنتصف وراوحوا بين هذا وذاك بانتظار الوقوف مع المنتصر في النهاية، وآخرون وقفوا ضدّ الثورة منذ البداية ودعموا نظام الرئيس المخلوع حسني مبارك نتيجة اقتناع أو مصالح، وهؤلاء استمرّوا على رفضهم للثورة حتى بعد نجاحها، ونحترم في هؤلاء شجاعتهم، أما الذين وقفوا ضدّ الثورة في البداية وكذَّبوا ومارسوا التضليل والخداع ثم عندما انتصرت الثورة انقلبوا 180 درجة وراحوا يكيلون السباب لنظام مبارك ويمتدحون الثورة، فهؤلاء هم أسوأ أنواع البشر.

 

على كلِّ حال فإن نجاح الثورة لا يقتضي الوقوف عندها، فتضيع الثورة ويتسلَّق عليها الانتهازيون أو سارقو الثورة وهم موجودون في كلِّ زمان ومكان، يجب أن تكون الثورة نقطة بداية لوضع مصر على الطريق الصحيح، مصر العربية والإسلامية وليس مصر الإقليميَّة، وفي هذا الصدد فإن الكثير من الأمور يجب أن نأخذها في اعتبارنا.

صحيح أن الثورة هي ثورة حريات حتى الآن، ولا عيب في ذلك، ولكن يجب أن تكون هناك ثورة ثقافية حقيقيَّة تعيد الانتماء المفقود للشعب المصري، وتضع نصب عينيها رفع مستوى العمل والأداء والإيجابيَّة، وهذا يقتضي التركيز على بناء الضمير، وفي نفس الوقت بناء منظومة مؤسَّسيَّة تمنع الرشوة والمحسوبيَّة وازدواج المعايير.

وكذلك فإن من الضروري العمل على رفع الانتماء العربي والإسلامي لمصر؛ لأن مصر بدون انتماء عربي وإسلامي أشبه بسمكة في حوض ماء، سينفذ الأكسجين بعد مدة طويلة أو قصيرة، أما الانتماء العربي والإسلامي فهو بمثابة البحر أو المحيط الذي تعيش فيه السمكة.

ومن الضروري كذلك تطوير وبناء عدالة اجتماعيَّة حقيقيَّة بوضع حدٍّ أدنى للأجور وحد أعلى للأجور فتكون الفروق مثل الفروق بين أصابع اليد، وليس فرق بين الأرض والسماء، وإلا فإن علينا أن نتوقع ثورة اجتماعيَّة أخرى تكمل ما بدأته ثورة الحريَّات.

ومن الضروري أن نكون صرحاء مع أنفسنا ومع الثورة التي شاركنا فيها بقوة ولنا حق عليها، فإذا كان العنوان الرئيسي للثورة هو الحرية، فإن حرية العقيدة إحدى أهم ركائز تلك الحرية، ومن ثم فإنه لم يعد من المقبول واللائق أن تظل أمثال وفاء قسطنطين وكاميليا شحاتة أسرى للكنيسة، وقد كان من العار أن يتم تسليم هاتين المرأتين اللتين أسلمتا إلى الكنيسة بدعوى وجود توازنات دقيقة، بل ربما كان دعاء هاتين السيدتين وآخريات مثلهن أحد أسباب انهيار النظام السابق، وكذلك الاستفزاز المترتِّب على تسليمهما وغيرهما، ولا ننسى هنا أن مصر الثورة أقوى من ضغوط اللوبي الطائفي في أمريكا والغرب، ولن تقبل مصر الثورة استمرار تلك المهزلة.

يدخل في باب استحقاقات ما بعد الثورة تعويض كل هؤلاء الذين اعتُقلوا ظلمًا أو سجنوا بمحاكم عسكريَّة والإفراج عنهم فورًا، ومحاكمة ظالميهم، وفي هذا الصدد فإن الأمر يقتضي ردّ الاعتبار للجماعة الإسلاميَّة، التي أسقطت منهم العنف، وأن يسمح لها بعمل حزب سياسي علني يشارك في بناء مصر المستقبل، دون أن تفرض رؤيتها على أحد، وما لم يتمّ ذلك وغيره، فإن الثورة ستظلُّ ناقصة.

 

انشر عبر