شريط الأخبار

يسير كالمصري .. معاريف

11:27 - 11 حزيران / فبراير 2011

بقلم: شموئيل روزنر

        (المضمون: سياسة اوباما في مصر: ببطء، بحذر، الى الامام، الى الوراء - المصدر).

        فرنك فيزنر بعثت به ادارة اوباما الى الرئيس المصري حسني مبارك كي ينقل اليه رسالة: زمن التغيير حل. ولكن فيزنر، الدبلوماسي السابق هو شخصية خاصة. لقب "مبعوث" او "مبعوث خاص" الذي ربط باسمه كان مؤقتا فقط – وان كان في مسألة كم كان مؤقتا، او بتعبير آخر، متى ينتهي مفعوله، يدور الان جدال. السبب: فيزنر أحرج الادارة هذا الاسبوع، حين أعلن على الملأ بان برأيه على مبارك ان يبقى في الحكم. "استمرار قيادة الرئيس مبارك حرج"، قال في ميونخ، حين كانت تجلس في جمهور المستمعين، فتفاجأت هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية التي بعثت بفيزنر يحمل رسالة معاكسة الى هذا الحد أو ذاك.

        في واقع الامر، ليست كلينتون هي التي بعثت بفيزنر. فمن جنده كان مساعد الوزيرة في وزارة الخارجية بيل برانس الذي يعرف فيزنر لسنوات طويلة. وكان فيزنر سفيرا في القاهرة، فيما كان برانس سفيرا في الاردن – ولكنه كتب كتابا عن مصر: المساعدة الاقتصادية والسياسية لمصر، 1955 – 1981. مقطع تاريخي مثير للاهتمام، فقط مع نهايته تمكن برانس من لمس نظام حسني مبارك الوافد. خلافا للاعلانات الكبرى لسلفه، انور السادات، كتب برانس – فان مبارك استخدم كنز كلمات التوقعات المنخفضة".

        وهو يقتبس مبارك كمن يقول: "لا تتوقعوا مني العجائب. لا يوجد لدي أي عصا سحرية" – ولكن يبدو ان برانس يعتقد بان العصا السحرية التي بيد أمريكا هي الاخرى قصيرة جدا. وهو يصف في كتابه كـ "عديمة الاساس" "التوقعات الامريكية في أن تؤثر المساعدات الاقتصادية الامريكية بشكل دراماتيكي على السياسة المصرية. وكتب برانس يقول ان "لم يكن للمساعدات الاقتصادية تأثيرا أكثر من هامشي على السياسة التي اعتقد ناصر بانها حيوية لمصالح بلاده".

        عندما كتب الكتاب في 1985 كان برانس اكاديميا ودبلوماسيا شابا وجهته الشرق الاوسط. بعد 25 سنة يكاد يجلس في رأس الطاولة كي يوجه الخطوات الامريكية حيال التطورات في القاهرة. لا يزال حذرا جدا، لا يزال شكاكا جدا، لا يزال يتذكر بان قدرة الولايات المتحدة على تحديد جدول الاعمال المصري معدودة. ووقع له مع فيزنر خلل ما كان يمكنه أن يقدره. فقد اضطرت الادارة الى التنكر لاقواله بل وطلبت منه أن يتوقف عن الحديث. وقد استجاب فيزنر للطلب. تفسير مقبول لما قاله ولماذا قاله لم يصدر.

* * *

        في تشرين الثاني 1956 مكث فيزنر في فيينا، وشاهد الثورة التي تنهار تقريبا امام عينيه. لم يكن هذا فيزنر القاهرة، بل فيزنر الاب. رجل سي.أي.ايه يجلس وينظر الى دبابات الاتحاد السوفييتي تحطم الى شظايا المحاولة البطولية للهنغاريين التحرر من عبء الشيوعية. فيزنر كان رجلا يتملكه اليأس – حتى، ربما، لانه شعر بذنب ما. لانه عمل على تشجيع الهنغاريين، لتحريك الثورة، ولكن عندما حل يومها قصرت يده عن تقديم المساعدة. امريكا آيزنهاور لم تفكر بالدخول الى حرب مع السوفييت من أجل تحرير هنغاريا. فيزنر انهار نفسيا، شُخصّ وادخل المستشفى، ثم سرح. بعد تسع سنوات من ذلك انتحر برصاصة في رأسه ببندقية ابنه.

        فيزنر الاب كان مشاركا بثورات اخرى، كتلك التي صفت حكم جاكوبو اربنز كوزمان في غواتيمالا في 1954. مهني اضطر للتعاطي ايضا مع ثورات اساسها السعي الى الحرية من الطغيان – هنغاريا وكذا كتلك التي هدفها فرض طغمة عسكرية وحشية على السكان لاعتبارات استراتيجية باردة – غواتيمالا (التي قررت الولايات المتحدة التدخل في شؤونها الداخلية خوفا من الشيوعية في أمريكا اللاتينية). كارلوس كاستيلو، الذي رفعته الحربة الامريكية الى الحكم الى أن قتل بعد ثلاث سنوات من ذلك، يحتفظ باللقب المشكوك فيه كمن أسس "خلايا الموت" الاولى في القارة.

        دور فيزنر الاب في الثورات التي بادرت اليها السي.أي.ايه لم تخفى عن منتقدي الابن، الذين تكبدوا عناء ذكر خطايا العائلة باسرها. احدهم اعطى للفيزنريين لقب "رجال مافيا الامبراطورية". هو ورفاقه شكوا بان فيزنر لم يتحدث عبثا. شك مفهوم وذلك لان فيزنر اختير للمهمة لانه معروف كدبلوماسي يمكن الثقة به او كما وصف هذا الاسبوع احد معارفه في اسرائيل فانه "لا يقوم بالاعمال على سبيل التجارة الخاصة". اذا كان تحدث فلا بد انه قصد أن يعكس موقف أحد ما، وليس فقط موقفه هو. لعله لم يفهم ماذا قصدت الادارة، ولعل هذا هو في واقع الامر موقف برانس، او اوباما او كلينتون – ولعله كان بالون اختبار لفحص كيف يمكن أن يرد الجمهور على هذه الانعطافة السياسية الطفيفة: بدلا من مطالبة مبارك بان يذهب "الان" تريد الولايات المتحدة من مبارك ان "يذهب" بعد أن يساعد في تحقيق الاصلاحات والانتقال الى نظام آخر.

* * *

        لوكان هذا بالون اختبار، لما كانت الصدمة فظيعة. الامريكيون، ربما مثل المصريين أنفسهم، يتشوشون قليلا عند صياغة سياسة متماسكة. نعم، يريدون التغيير. لا، لا يزالون لم يقتنعوا بان تصفية النظام المطلق ستجعل مصر "ايران جديدة" على حد قول رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو. وبالمقابل – فانهم مع ذلك ذهلوا قليلا من امكانية التغيير السريع جدا، من خطر الفوضى. من يرغب في انتقاد اوباما سيقول انه يتذبذب. من يرغب في شرحه، سيقول انه يحاول السير بين النقاط ويكيف السياسة، في كل يوم من جديد، مع الوضع على الارض.

        هدف واحد حققه اوباما: معظم الجمهور الامريكي، 60 في المائة تقريبا، يعتقد بان هذا التذبذب في الظروف الحالية، "على ما يرام تقريبا". قلة قليلة فقط تعتقد مثل موقف اسرائيل بان اوباما أيد المتظاهرين اكثر مما ينبغي (12 في المائة) او أيدهم أقل مما ينبغي (12 في المائة آخرين). وفي واقع الامر حتى في اوساط الجمهوريين فان هناك الكثير ممن يعتقدون بان اوباما يتصرف على ما يرام في الازمة المصرية (43 في المائة حسب استطلاع "بيو") ممن يعتقدون بان سياسته معادية أكثر مما ينبغي لمبارك (19 في المائة)، أو عاطفة اكثر مما ينبغي تجاه مبارك (15 في المائة). ولعل كل هذا لان الامريكيين على أي حال لا يفهمون لماذا تتعلق هذه الازمة بهم – اكثر من ثلثهم يعتقدون بان هذا "لا يغير في شيء بالنسبة لامريكيا"، وربع آخر يعتقد بان الازمة "سيئة" لامريكا و 15 في المائة آخرين يعتقدون بانها "جيدة" لامريكا. فاذهب لتجعل من هذا سياسة.

        في واقع الحال، اوباما يجعل. ليس بالضبط سياسة مفهومة، ليس بالضبط سياسة ثابتة. ولكن في أروقة وزارة الخارجية الامريكية تجول هذا الاسبوع موظفون قرأوا الانتقاد الموجه اليهم من اليمين ومن اليسار، ولم يصدقوا. وقال احدهم: "ماذا، أيعتقدون اننا لا نفهم تركيبات الوضع؟ أم ربما لا يفهمون التركيبات؟". الرئيس ووزيرة الخارجية يعرفان الى أن يسعيان بشكل عام: مصر ديمقراطية ومستقرة ستكون انجازا طيبا يتباهان به. مصر ديمقراطية أكثر بقليل ولا تزال مستقرة ستكون انجازا. مصر مستقرة فقط ستكون انجازا ليس فيه ما يتباهان به. مصر التي هي "ايران جديدة" ستكون كارثة. ولكن كلاهما يذكران – واذا لا، فان برانس يذكرهما: قدرتهما على ان يقررا الى اين ستسير مصر صفر. قدرتهما على التأثر محدودة.

        قبل نحو 25 سنة، بعد قليل من كتابة برانس كتابه عن مصر، اطلقت فرقة البنجلز اغنيتها الشهيرة "سر كالمصري" (Walk Like An Egyptian) التي احتلت المسيرات وساحات الرقص ولكن قلة فقط فهموا معنى كلماتها الغريبة. صورة "السير كالمصري" ولدت في رأس الكاتب ليام سترنبرغ حين رأى اناسا يسيرون بحذر على دكة سفينة خوفا من السقوط – أناسا ذكرته خطواتهم بالخطى الغريبة لشخصيات من رسومات مصرية عتيقة. وها هنا بات ممكنا مد خط من مصر العتيقة حتى الدرس الذي يوجه ادارة اوباما مع مصر الحديثة: "اذا كانوا يسيرون بسرعة أكبر مما ينبغي فانهم سيسقطون كالدومينو".

انشر عبر