شريط الأخبار

أتبادل اراضٍ؟ أنحن بقر؟.. يديعوت

11:53 - 28 حزيران / يناير 2011

بقلم: جدعون مروم وعوديد شالوم

(المضمون: تقرير صحفي يُبين رد سكان باقة أو المثقفين منهم خاصة على اقتراح تسيبي لفني نقل مدينتهم الى السلطة الفلسطينية - المصدر).

عُلقت في حائط "مقهى نابولي" وهو مقهى أسعد دقة في باقة الغربية، خريطة كبيرة لاسرائيل قبل 1948. سموها فلسطين آنذاك، وكانت مليئة بنقاط صغيرة كل واحدة منها قرية عربية فلسطينية. وقد علق صاحب المكان قرب هذه الخريطة التي لم يبق منها كثير، صحيفة كبيرة بخط يد أسير التنظيم مروان البرغوثي، وهي هدية منحها لدقة عندما افتتح هذا المكان قبل ثلاث سنين.

يجلس في مقهاه الى قهوة السبريسو مثقفو باقة. فالمعلمون والصحفيون والشعراء كلهم يجرون هنا أحاديث في السياسة والفن وفي الحياة عامة. لكن موضوعا واحدا سيطر على حديثهم هذا الاسبوع.

بعد أن حسدت شبكة "الجزيرة" "ويكيليكس" عن مكاتيب ومراسلات للطرف الفلسطيني في المحادثات مع اسرائيل – أكثر من ألف وثيقة – تبين ان "اسرائيل بيتنا" ليس وحده. فقد عرضت تسيبي لفني إذ كانت وزيرة الخارجية في حكومة اولمرت نقل بيوت الجالسين في "مقهى نابولي" في باقة الغربية الى الارض الفلسطينية على ان يكون ذلك جزءا من اتفاق شامل مع الدولة التي ستنشأ في المستقبل.

وليسوا هم وحدهم في هذا الامر فقد اشتمل اقتراح لفني على برطعة في الطرف الشمالي من المثلث وبيت صفافا في القدس، لكن مدينة باقة أمر مختلف تماما. فهي مركز تجاري ومدني للقرى والكيبوتسات اليهودية حولها. وهم عشرات آلاف من السكان مغروسون في الاسرائيلية والاسرائيلية مغروسة فيهم. هذه مفارقة غير بسيطة – فهم عرب فلسطينيون لكنهم اسرائيليون ايضا – لكنها مفارقة يتعلمونها ويعتادون معايشتها.

"نحن لاجئون في باقة"، يقول اسعد دقة عن عائلته التي جاءت في الأصل من قرية المنشية التي كانت تقع قرب كيبوتس جفعات حاييم وتم اخرابها في 1948. وعندما نسأله أهو مستعد لاعادة بطاقة هويته الزرقاء واستبدال بطاقة فلسطينية بها نظر الينا نظره الى مجانين.

"قبل كل شيء؛ أبو مازن وجماعته لا يمثلونني. فليست لهم سلطة فعل هذا"، يوضح. "وفيما يتعلق بتسيبي لفني، اقتراحها وقاحة. فما الذي حصلنا عليه منها ومن سائر حكومات اسرائيل بحيث يستطيعون أن يأتوا ويقرروا لنا تحت أي حكم نعيش؟ هذا تكبر علينا".

ليس دقة وحده، فأكثر سكان باقة الغربية لا يريدون العيش تحت حكم فلسطيني. لكن يوجد من هم مستعدون ويريدون. والجيران اليهود ايضا غير متحمسين تحمسا خاصا للفكرة لكن يوجد من هم كذلك. غير ان كل هذا كما يبدو لا يغير من الامر شيئا. ربما كانت لفني مستعدة للتخلي عنهم لكن أحدا في الجانب الفلسطيني ايضا لا ينتظرهم بأذرع مفتوحة كما يبدو.

"سنناضل اذا احتاج الأمر"

تبين أمران سريعا لزيارة باقة هذا الاسبوع بعد الكشف عما جرى داخل غرف التفاوض. قبل كل شيء ارتفعت نسب مشاهدة المحطة القطرية الى نسب لم يسبق لها مثيل في المدينة. ففي كل مكان مررنا به كانت اجهزة البث مفتوحة على "الجزيرة". وتتعلق الحقيقة الثانية بالسياسة: فقد اصبحت عضو الكنيست لفني بالنسبة لاكثر السكان نوعا من نكتة غير ناجحة على أثر اقتراحها. ووضع أبي مازن في المدينة بالمناسبة ليس أفضل.

إن أسعد من المقهى هو شقيق السجين المؤبد وليد دقة. حُكم عليه بالسجن في 1987 بعد ان تولى قيادة خلية الجبهة الشعبية التي اختطفت وقتلت الجندي موشيه تمام. إن نحوا من 25 سنة في السجن جعلت هذا الأخ واحدا من قدماء السجناء الامنيين. انضم الى حزب التجمع الديمقراطي وكان بين كُتاب برنامج الحزب وعمل سنين طويلة متحدث السجناء الامنيين الاسرائيليين. وهو بين اولئك الذين تطلب حماس الافراج عنهم ايضا مقابل الافراج عن جلعاد شليط.

كان اسعد نفسه سجينا أمنيا في فترة الانتفاضة الاولى مدة ثلاث سنين. "أُدنت بالعضوية في الجبهة الشعبية"، يقول مع ابتسامة فخر. بعد الافراج عنه تزوج بفتاة من المدينة وسافرا معا الى الولايات المتحدة. بحث عن الحلم الامريكي لكنه ادرك سريعا جدا ان مكانه ليس هناك. "عندما ولدت البنات عدنا  لأنني لم اشأ أن يتربين على القيم الامريكية".

برغم كل هذا ليست عنده أي رغبة في الانضمام الى دولة فلسطين المستقبلية. "ليس هذا شأنا سياسيا"، يقول ويهز سائر الجالسين في المقهى رؤوسهم، "هل يبدو لكم أنني أريد أن أهبط ثلاث درجات بنوعية حياتي؟".

- لكنك تُعرف نفسك بأنك فلسطيني.

"صحيح جدا، لكنني اعتقد ان الحل هو دولة جميع مواطنيها. لا دولة دينية ولا دولة يهودية ولا دولة مسلمة بل دولة ديمقراطية علمانية. الى ذلك الحين أفضل العيش هنا في اسرائيل لكن بصفتي مواطنا مساويا في الحقوق. استطيع ان أضرب مثالا بالهنود الحمر في الولايات المتحدة. ليست لهم دولة لكن لهم حقوقا كاملة ولا يقع عليهم التمييز مثلنا نحن العرب سكان اسرائيل".

- ماذا سيحدث اذا حُقق هذا الاقتراح؟

"أعلم شيئا واحدا: في ساعة الحسم اذا قرروا ذلك فان السكان سيخرجون للنضال. لن نوافق على هذا الاجراء".

يسكن باقة 34 ألف شخص. وقد أُعلن بأنها مدينة في 1996 وتعتبر واحدة من أكثر المدن العربية نماءا في اسرائيل. إن 46 في المائة من خريجي الثانويات مثلا يحملون شهادات الثانوية العامة – وهي نسبة أعلى من المعدل القطري بقليل. وفيها خمسة مدارس ابتدائية، ومدرستان اعداديتان، ومدرستان ثانويتان، ومدرسة للموهوبين وكلية لدراسة المعلمين.

تقع باقة الشرقية شرقي باقة الغربية وهي داخل اراضي السلطة الفلسطينية. انشئت الباقتان اللتان يفصل بينهما اليوم جدار الفصل في القرن السابع عشر باعتبارهما قريتين منفصلتين. بعد حرب التحرير نُقلت الغربية بينهما الى اسرائيل في أعقاب اتفاق وقف اطلاق النار مع المملكة الهاشمية الذي اشتمل على تعديلات حدودية بين اسرائيل والاردن. منذ ذلك الحين أضحى سكان باقة اسرائيليين. فلسطينيين اسرائيليين. هذا هو التعريف الذي يفضلونه.

مسألة راحة

بيد انه يوجد الى جانب من يرفضون فكرة الانتقال الى الدولة الفلسطينية من لا يعارضون ذلك ايضا في باقة. ليسوا كثيرين حقا – فهم نسبة ضئيلة جدا من السكان – لكنهم معروفون ويُسمع رأيهم. وقد رفض اولئك المستعدون لقبول اقتراح لفني بقوة اجراء لقاء معهم باسمهم على كل حال. "لا أخجل من آرائي"، قال لنا أحدهم، "لكن عندما تعارض الاكثرية ويكون التوقيت حساسا فليس من الجيد ان تسير عكس التيار".

- لكن من الحقائق ان الناس في المدينة يعلمون أنك تؤيد الفكرة.

"ليس هذا الآن وقتا حسنا. إفهموا، أنا أفضل دولة ثنائية القومية ولا أومن بأن تنشأ دولة فلسطينية الى جانب اسرائيل. لكن لو عرضوني لخيارين، اسرائيل أو فلسطين، لاخترت فلسطين. فالأجندة الاسرائيلية لن تدع لي أبدا أن اكون مواطنا مساويا في الحقوق، مواطنا بكامل معنى الكلمة. ولا استطيع باعتباري اسرائيليا الحفاظ على هويتي. فلغتي هنا لا تُحفظ، وتاريخي مزور وضاعت جغرافيتي. وهذه اشياء مهمة جدا لي. مُحي 535 قرية عن وجه الارض وليس لها أي ذكر. فمن الواضح اذا أن أشعر شعورا أفضل تحت حكم فلسطيني. فهناك اذا حافظت على القانون سأشعر شعورا جيدا. وهنا أحافظ على القانون لكنني لا أشعر شعورا جيدا".

- ماذا عن مستوى الحياة ألا يهمك؟

"مستوى الحياة في المقدمة. ستنقصني آنذاك اشياء كالبحر مثلا. وبدل ان نأكل في مطعم مرة كل اسبوع سنأكل مرة كل شهر. وبدل ان نُبدل السيارة مرة كل ثلاث سنين، سنبدلها مرة كل عشر سنين لكنني سأكون أكثر رضى من ناحية نفسية".

- لماذا لا يتمسك أكثر السكان بموقفك؟

"لانهم يخافون ان يفقدوا التأمين الوطني ومصدر العيش. وكل ذلك اعتبارات راحة. ولا توجد اعتبارات سياسية في هذا الشأن".

يقول عبد مجادلة، وهو صحفي مستقل وأخو عضو الكنيست غالب مجادلة من حزب العمل انه لا توجد عنده اعتبارات راحة. فهو ضد الفكرة "لاسباب منطقية". يتساءل: "أريد أن أفهم هل يأخذون منا ذات صباح بطاقات الهوية ويحيطوننا بجدار من غير ان يسألونا رأينا؟ أنحن بقر؟ هذه ديكتاتورية سياسية، وعدم حساسية وتكبر. في دولة ديمقراطية ذات قيم انسانية لا يمكن اخراج مدينة ذات يوم من الدولة ونقلها كما هي الى دولة اخرى. فليأتوا وليسألوا قبل ذلك أصحاب الشأن، نحن".

- هل يوجد ما يُتحدث عنه اذا؟

"أنا مستعد للانتقال الى السلطة الفلسطينية، بشرط أن يعطوني الاراضي التي لي قبل 1948. كان لسكان باقة آنذاك اراض من هنا حتى الخضيرة. ليس هذا ممكنا، صحيح؟ سنقول الشيء نفسه فيما يتعلق بسؤالكم؟ أليس هناك ما يُتحدث عنه. هذا امر ليس له مكان في التفاوض الفلسطيني الاسرائيلي. لم نختر العيش تحت حكم اسرائيلي، ولدنا داخل هذه الدولة. ولست أرى أي سبب ومنطق في اجراء كهذا ولا أريد أن أكون جزءا منه. لا أنوي ان اكون من "يُبيض" بقاء مستوطنين على ارض فلسطينية محتلة. هل يبقونهم هناك وينقلونني مع مدينتي الى داخل الدولة الفلسطينية؟ لست مستعدا لقبول هذه المعادلة: الكتل الاستيطانية مقابل باقة. ليس هذا مقبولا ولا مناسبا".

"سنحيطهم بسور"

سافرنا يومين بين باقة والقرى اليهودية حولها. أحيطوف، ومغيل، ولهفوت – حبيبا، وسديه – يتسحق، ومئور. في كل هذه القرى يعرف السكان الناس في باقة معرفة شخصية. والحديث على العموم عن مقدمي خدمات من أصحاب المهن المختلفة. نسيج نموذجي لعلاقات الجوار بين سكان المنطقة ووهم تعايش يجري منذ عشرات السنين في اسرائيل بين الاكثرية اليهودية والأقلية العربية.

بيد ان علاقات الجوار هذه تجري هنا تحت حراسة شديدة. فجميع القرى اليهودية محاطة بأسلاك شائكة عالية بعضها كهربائي، ذات أبواب حديدية وحراس ليليين. الليالي هنا هي ليالي اللصوص، "واللصوص ليسوا منا"، يغمزنا رجل ذو شارب قرب صندوق بريده في مركز قرية مئور.

أوضح لنا أيرز من مئور ان له كثيرا من الاصدقاء في باقة، "فليس من اللطيف ان يظهر اسمي الكامل في تقرير صحفي عن المدينة". إن باقة بالنسبة الينا هي مدينتنا ايضا. "أصنع كل شيء هناك. الشراء والكراج واعمال الترميم وكل ما احتاج اليه. لن يوافق ابراهيم وهو صديقي النجار على اقتراح تبادل الاراضي هذا. سيعارضه، فلماذا يحتاجونه؟ وأقول لكم هذا بصفتي يمينيا".

يقول سليماني ايضا، وهو مزارع من احيطوف ان العلاقات بباقة ممتازة ويُبين قائلا "انها علاقة منذ عشرات السنين، يروي أبي انه كان ينام هناك عند اصدقاء. وأنا باعتباري مزارعا أعمل معهم على الدوام. فالعمال وسائقو الشاحنات وتجار الحبوب ومواد المكافحة كل ذلك من باقة. ولا نتحدث في السياسة أبدا. هكذا نحن معهم"، يشبك بين اصبعين من اصابعه. "وكما يشعرون عندنا بأنهم في بيوتهم نشعر نحن عندهم بأننا في بيوتنا".

- ماذا تعتقد في اقتراح تسيبي لفني؟

"فليسألوهم ان كان هذا يلائمهم. اذا ارادوا العيش مع اخوانهم فلا بأس. وهم يستطيعون البقاء من جهتي".

يعرف بيسح كوهين، وهو متقاعد في التاسعة والستين من عمره من كيبوتس مغيل منذ سنين سكان المدينة المجاورة، وهو على ثقة بأنهم لن يغيروا رأيهم. "لا احتمال ان يوافقوا على الاقتراح"، يقول في قطع. "لي هناك اصدقاء كثير واعلم انهم ليسوا ساذجين. ليست لهم أي صلة بدولة فلسطينية. بعد 1967 عندما التقوا جيرانهم في باقة الشرقية، رأوا الفروق العظيمة بينهم. لن يشاؤوا العودة الى الخلف ولهذا لا امكانية لتحقيق هذا الاقتراح".

بيد انه يوجد هنا ايضا من هم مستعدون لقول ما يخشى كثيرون قوله بصوت عال. "لا تنخدعوا هنا بالقصص"، يقول اورن شمير، من سديه يتسحق، "فالجميع هنا يخشونهم خشية فظيعة".

من فوق تل المراقبة فوق البيت الذي يسكنه مع زوجته وابنائه الثلاثة تبدو باقة مع بيوتها المنقطة بخزانات الماء السوداء، قريبة حقا. يقول شمير وهو في التاسعة والثلاثين من عمره ان منطقة محطة الوقود عند مدخل كيبوتس لهفوت – حبيبا ازاء قريته تصبح هدفا محصنا في العاشرة ليلا.

"وهذا لان جماعة كبيرة من باقة تأتي الى هناك فتسكر وتُحدث فوضى وتتصرف في عنف. بعد ذلك يسوقون السيارات في توحش على الشارع وهو أمر مخيف جدا. ليست لي مشكلة في ان ينقلوهم الى فلسطين. بالعكس: فعلى هذه الحال ايضا أحطنا أنفسنا بجدران خوفا منهم. نفضل ان نحيطهم هم بسور".

انشر عبر