شريط الأخبار

محاضر التفاوض إذ تفضح مواقف السلطة ..ياسر الزعاترة

08:56 - 24 تموز / يناير 2011

ياسر الزعاترة يكتب :  محاضر التفاوض إذ تفضح مواقف السلطة

تبدو الوثائق التي حصلت عليها الجزيرة وشرعت في نشرها وتغطيتها منذ مساء الأحد (23/1) بخصوص جولات طويلة من المفاوضات بين السلطة والكيان الصهيوني، أشبه بوثائق ويكيليكس في السياق العربي على وجه التحديد، إذ إنها لا تضيف الكثير بالنسبة للمراقبين العارفين بالشأن السياسي، ولكنها تمنحهم أدلة يصعب نفيها على مواقف دأب القوم على نفيها، وإن لم يُستبعد أن تتنطع جماعة "عنزة ولو طارت" بنفي بعض ما ورد فيها على قاعدة أنها مجرد محاضر وليست تسجيلات.

 

أيًّا يكن الأمر، فنحن إزاء وثائق نعرف عن مضامينها الكثير، نحن الذين نتابع بشكل يومي ومنذ عقود تفاصيل الشأن الفلسطيني، لا سيما أن الصحافة الإسرائيلية التي نتابعها أيضا بشكل يومي لا تبخل عادة ببث الكثير من التفصيلات بخصوص جولات المفاوضات واللقاءات الكثيرة هنا وهناك، سواء أكان منها ما خص الوضع الأمني أم السياسي.

 

نبدأ هنا بالشق الأمني الذي سال حبر كثير في متابعته خلال السنوات الأخيرة، تحديدا منذ الحسم العسكري في قطاع غزة، حيث لم تبخل الصحافة الإسرائيلية بالحديث عنه، في الوقت الذي كانت فيه الممارسات على الأرض تفضح الكثير من حيثياته على نحو يومي، لكن الحصول على وثيقة تؤكد التعاون المباشر إلى درجة التفاوض بشأن اغتيال رموز المقاومة -كما في واقعة حسن المدهون التي وردت في الأوراق- يبدو أكثر فضائحية مما هو متوقع.

 

قبل أسابيع فقط كانت الأجهزة الصهيونية تتحدث عن خلو قائمة المطلوبين في الضفة الغربية من أية أسماء، باستثناء خلية مجهولة لحماس في الخليل، دون أن تنسى التأكيد على فضل أجهزة السلطة في تحقيق ذلك الإنجاز، بينما جاءت حكاية المطلوبين الستة الذي أضربوا عن الطعام في سجون السلطة ثم أفرج عنهم واعتقلوا بعد ساعات قليلة في الخليل، لتؤكد ذلك الدور القذر الذي تلعبه أجهزة السلطة، حيث تمت مراقبة الرجال من السجن حتى بيوتهم، وصولا إلى مجيء قوات الاحتلال لاعتقالهم. ولا تسأل عن قتل اثنين من المقاومين بدم بارد في قلقيلية العام الماضي.

 

وعندما يأتي قادة الاحتلال الأمنيون في مرات عديدة لتفقد الوضع في المدن الفلسطينية بصحبة رجال الأمن الفلسطينيين، فذلك يدل على مدى الوقاحة التي بلغها التنسيق الأمني.

 

الأهم من ذلك كله أن التنسيق الأمني والتعاون مع الاحتلال لم يقف عند حدود المقاومة المسلحة، بل وصل حد استهداف كل ما يمت إلى برنامج المقاومة بصلة (المؤسسات، التحويلات المالية، الأشخاص، الجامعات، المساجد.. إلخ).

 

وفي هذا السياق يتحدث صائب عريقات في المحاضر عن استهداف خطب الجمعة إرضاء للاحتلال والأميركان. وتجدر الإشارة هنا إلى محاولة الجنرال دايتون والجهات الغربية النأي بنفسها عن قضايا التعذيب، مع علمها بما يجري في سجون السلطة من ممارسات مشينة بحق المعتقلين من ذلك اللون الذي وثقته العديد من مؤسسات حقوق الإنسان.

 

الجانب الأهم في المحاضر والوثائق يتعلق بقضيتين تصنفان من قضايا الوضع النهائي، وهما قضيتا اللاجئين والقدس.

فيما خصّ ملف اللاجئين ليس ثمة جديد غير إثبات ما ينفيه القوم، إذ يعلم الجميع أن السلطة شطبت حق العودة من حساباتها، ونتذكر أن محمود عباس شخصيا قال إن اللاجئين في الأردن والدول الغربية مرتاحون في أماكن تواجدهم، كما نتذكر أن المبادرة العربية تحدثت عن حل متفق عليه لهذا الملف، مما يعني شطب حق العودة لمناطق 48.

في هذا السياق كانت الصحف الإسرائيلية أيام إيهود أولمرت قد كشفت عن موافقته الأولية -في ما عرف بتفاهماته مع عباس- على إعادة 30 ألف لاجئ خلال عشر سنوات ضمن ما عرف بلم شمل العائلات، في حين تكشف الوثائق عن مطالبة السلطة بإعادة 100 ألف، لكن أولمرت نفسه عاد وتراجع عن عرضه الأول وهبط بالعدد إلى 10 آلاف يعودون خلال ذات المدة.

 

أما بالنسبة لمسألة التعويض فيظهر في المحاضر ما هو معروف منذ سنوات، أعني رفض الاحتلال الاعتراف بمسؤوليته عن معاناة اللاجئين، وبالطبع لأن ذلك سيرتب عليه دفع تعويضات عن تلك المعاناة بحسب القانون الدولي، الأمر الذي يرفضه رفضا قاطعا، مقترحا أن يكون التعويض من العرب والدول الغربية.

 

الأخطر في سياق ملف اللاجئين يتعلق بمسألة يهودية الدولة التي يقر بها المفاوض الفلسطيني العتيد، وإن رفض التصريح بذلك في العلن كما قال ممثلوه، ثم تسامحه مع الحديث عن إمكانية تبادل المناطق ذات الغالبية العربية من الأراضي المحتلة عام 48 لكي يصبح سكانها تحت ولاية الدولة الفلسطينية.

 

في هذا السياق، نتذكر أن تسيبي ليفني التي كانت ممثلة الطرف الإسرائيلي في أكثر المحاضر التي نحن بصددها، كانت أول من تحدث عن أن تجسيد الحلم بالنسبة لفلسطينيي الأراضي المحتلة عام 48 هو في الدولة الفلسطينية، قبل أن تتراجع عن التصريح بعد الضجة التي أحدثها، ثم ما لبث نتنياهو أن تبنى الطرح عبر مقولة يهودية الدولة التي تتحدث عنها ليفني صراحة في المحاضر، وبلغة جازمة.

 

للتذكير فقط، فإن قضية اللاجئين هذه لم تكن هي التي أفشلت محادثات كامب ديفد عام 2000، إذ حتى ياسر عرفات رحمه الله كان قد أبدى تسامحا حيالها، معتبرا أن بالإمكان إعادة اللاجئين إلى مناطق السلطة، وهو ما عاد وصرّح به على نحو أكثر وضوحا لإحدى الصحف الإسرائيلية أثناء حصاره في المقاطعة في رام الله عام 2003.

 

في المحاضر فضائح من العيار الثقيل تتعلق بالملف الذي أفشل عمليا فرصة التوصل إلى اتفاق بين محمود عباس وحكومة أولمرت-ليفني.. إنه ملف القدس، إذ على الرغم من أن المفاوض الفلسطيني كان كريما إلى حد كبير (عريقات قال للإسرائيليين إننا نعرض عليكم أكبر "أورشليم" في التاريخ)، فإن الطرف الإسرائيلي كان متشددا على نحو استثنائي، مع ضرورة التذكير بأن تشدد ليفني في تلك المفاوضات لا يعكس موقفها فقط، إذ تحظى قضية القدس بإجماع في الساحة السياسية الإسرائيلية.

 

وحتى يوسي بيلين -حمامة السلام الإسرائيلية- كان يقول إن جبل الهيكل بالنسبة لليهود مثل الكعبة بالنسبة للمسلمين. والمصيبة أن الهيكل المذكور لا يزال مجهول مكان الإقامة -بفرض أنه موجود أصلا وهو ليس كذلك- لأن كل الحفريات التي تتم منذ عام 1967 لم تسفر عن شيء، لكنه برأيهم موجود في الكيلومتر المربع الذي تتواجد فيه المقدسات الإسلامية (المسجد الأقصى وقبة الصخرة)، مما يعني أن تلك المساحة ينبغي أن تبقى تحت السيادة الإسرائيلية، وهو ما رفضه ياسر عرفات وأدى إلى انهيار محادثات كامب ديفد.

 

صيغة كلينتون التي وافق عليها عرفات قبل انهيار القمة المشار إليها، هي أن الأحياء العربية للعرب واليهودية لليهود، مع منح اليهود جزءا من منطقة المسجد (حائط البراق، وقيل جزء آخر يقام عليه كنيس يهودي)، لكن قريع وعريقات يظهران كرما استثنائيا مع نظرائهما الصهاينة، إذ يعرضان التنازل عمليا عن سائر المناطق التي استولت عليها المستوطنات في القدس ما عدا مستوطنة "هارحوما" جبل أبو غنيم (لماذا يطالبون بوقف الاستيطان فيها إذن؟!). وهنا يصل الحال بأحمد قريع حد القول إن بقاء تلك المستوطنات مصلحة للطرفين (كيف؟ لا ندري!!).

 

اللافت بالطبع أن ليفني ترفض حتى مناقشة الموضوع، وتدعمها في ذات السياق كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية أثناء ولاية بوش، مما يعني أن ما يريده الإسرائيليون عمليا هو أكثر من ذلك.

 

كان ذلك قد تسرب أثناء المحادثات، وكان واضحا أن المهم بالنسبة لمحمود عباس هو الحصول على حصة في القدس الشرقية يقيم عليها العاصمة، وتمكنه من القبول بالدولة البائسة التي تُعرض عليه. ونلاحظ في المحاضر أن الخلافات لا تنتهي عند هذا الحد رغم موافقة الطرف الفلسطيني على مبدأ مبادلة الأراضي الذي يعني بقاء المستوطنات الكبيرة، ليس في القدس وحدها، ولكن في الضفة الغربية أيضا، إذ تشمل قضايا السيادة والوسائل التي سيتحكم العدو من خلالها بالكيان الفلسطيني الجديد.

 

يُلاحظ في السياق أن كثيرا من حيثيات التفاوض تمت الإجابة عليها في وثيقة جنيف وملحقها الأمني اللذين أنجِزا بمباركة عباس ويدعمهما الأميركان، لكن المسألة تبقى برسم التفاوض على ما يبدو، وبالطبع لأن الطرف الإسرائيلي يمني النفس بما هو أفضل مما ورد في الوثيقة التي تكشف عن كيان فلسطيني هزيل مفتت الأوصال يتحكم به الاحتلال من كل جانب (يشمل ذلك السيطرة على منطقة الغور التي تفصل الكيان الفلسطيني عن الحدود الأردنية)، بينما يبدو الوضع في القدس كاريكاتيريا إلى حد كبير.

 

وفي المحاضر التي نحن بصددها ثمة موافقة فلسطينية على صيغة خلاقة لإدارة الحرم، مع أن أي إدارة دولية لن تغير في حقيقة أن السيادة ستبقى للطرف الإسرائيلي الذي يصرّ على حرية الحفر بحثا عن الهيكل، مع أن صائب عريقات في الوثائق لم يوافق على ذلك.

 

من الفضائح التي تكشفها المحاضر ما يتصل بحرب غزة ومعرفة محمود عباس المسبقة بها، وكذلك تقرير غولدستون، وهنا لا جديد يذكر بعد ما كشفته وثائق ويكيليكس، وقبل ذلك حكاية غولدستون التي كانت فضيحة على رؤوس الأشهاد، لكن وجود المحاضر يضيف المزيد من المصداقية لما تداوله الناس وحاول البعض إنكاره.

 

من القضايا المهمة في السياق ما يتعلق بالأبعاد المعنوية، إذ يظهر صائب عريقات وأحمد قريع أمام الإسرائيليين بصيغة مختلفة عن التي يُسمعنا إياها عريقات في وسائل الإعلام، بينما يبدو المفاوض الصهيوني أكثر قوة بكثير. أما الأهم فهو المتعلق بالدور الأميركي الذي لا يظهر إلا ضاغطا على الطرف الفلسطيني.

 

في المحاضر ما يثير الغثيان فيما يخص تحريض صائب عريقات وأحمد قريع على حماس، بما في ذلك مطالبة الأخير باحتلال معبر فيلادلفيا، وتشديد الحصار على قطاع غزة، لكن الأهم هو التحريض على عدد من الدول العربية مثل قطر، والمطالبة بكف يد الأردن عن المسجد الأقصى، والحديث السلبي عن السعودية، بل وحتى مصر أيضا، فضلا عن التكرار الممل لحكاية حماس وإيران وحزب الله وأسامة بن لادن اعتقادا بأنها فزاعة يمكن أن تخيف الإسرائيليين.

 

هكذا يتبدى المشهد موغلا في الفضيحة، ويتأكد الجميع أن حكاية الثوابت التي يتشدقون بها كل يوم ليست سوى معزوفة سخيفة، بينما الواقع أن مسلسل التنازلات كبير جدا، وأن حكاية الدولة على حدود 67 ليست سوى كلام فارغ، فضلا عن أن تضاف إليها عودة اللاجئين.

 

إن استعداد القوم لتقديم التنازلات أكبر بكثير مما يعتقده الكثيرون، وقد آن للأصوات التي تتبرع بالدفاع عن هؤلاء أن تسكت، كما آن لحركة فتح أو من تبقى من الشرفاء فيها أن يخرجوا عن صمتهم ويعلنوا البراءة من هذا الذي يجري إذا أرادوا الخروج من دائرة الذين تشملهم لعنة فلسطين وشعبها وقضيتها المقدسة.

 

فاصل بالغ الأهمية

في أغسطس/آب 2009 وإثر استبعاده من اللجنة المركزية الجديدة لحركة فتح، خرج أحمد قريع يقول في حديث لصحيفة القدس العربي إن "المرحلة صعبة وقاسية، وهناك عروض لدولة مؤقتة وحل بلا لاجئين أو قدس، وتقطيع أوصال، وكتل استيطانية باقية، ويبدو أن بعض الناس يضعون ذلك في الاعتبار"، مضيفا أنه لم يعد "يؤمن مطلقا بحل الدولتين، لأن هذا الحل بات شبه مستحيل، فأي دولة هذه التي لا تُعرَف لها حدود ولا تتمتع بأي سيادة، وتمزق تواصلَها الجغرافي الكتلُ الاستيطانية، والقدس ربما لا تكون عاصمة حقيقية لها".

 

انشر عبر