شريط الأخبار

آلاف يستعدون لتكرار تجربة بو عزيزي .. يديعوت

11:46 - 21 تشرين أول / يناير 2011

بقلم: الداد باك

        (المضمون: تقرير من بين الجماهير التي ما زالت غاضبة في بلدة سيدي بو زيد التي بدأت فيها اعمال الاحتجاج على نظام الحكم التونسي - المصدر).

        سيدي أبو زيد – تونس. في قلب الشارع الرئيس في سيدي بو زيد قام تمثال مذهب على شكل ناب فيل مخروط. عمل فني حديث يبدو غريبا عن بيئتها القاتمة المثيرة للكآبة، وكأنه سقط من السماء بين بيوت البلدة البسيطة المهملة التي لم يعرف أحد قبل عدة اسابيع عن وجودها، من خارج حدود تونس.

        اذا كان يصعب في الايام العادية الوقوف على جوهر التمثال فقد أصبحت مهمة حل لغزه الآن غير ممكنة. إن يدا مجهولة صبت عليه صبغا احمر، يصرخ الى بعيد مثل لطخة دم. وعلقت فيه أيدٍ اخرى منشورات بخط اليد. وثُبتت الى رأس التمثال صورة وجه الثورة: الوجه الباسم لمحمد بو عزيزي، الشاب الذي أحرق نفسه قبل نحو من شهر قبالة مبنى الادارة المحلية، احتجاجا على رفض الحاكم لقاءه، وأشعل بذلك نار التمرد في جميع أنحاء الدولة على نظام الطغيان والفساد.

        "في ميدان بو عزيزي" تحتشد جموع كثيرة، يحذرونني قائلين: "لا تقترب الى هناك. هذا خطر على الاجانب". النفوس هائجة بين الرجال عند قدمي التمثال. يجري نقاش بصوت عال عن حكومة الوحدة الوطنية الجديدة التي أُعلن انشاؤها في بداية الاسبوع. أمل قادة الحزب الحاكم تسكين الانتفاضة بأن يضموا عددا من مندوبي المعارضة في الحكومة الجديدة. لكن الثورة لا تقف فهي في بدايتها فقط. نجح الشعب التونسي في ان يكتب تاريخا مدهشا عندما جعل الرئيس زين الدين العابدين ابن علي يهرب. أُسقط أول طاغية عربي لكن حكم الطغيان قد بقي.

        ترتجف فوق مقعد فارغ ورقة فصل فيها المتمردون مطالبهم، واهداف الثورة الشعبية: "شمل الحق في العمل في الدستور، وحل الحكومة، وحل الحزب الحاكم، وحل البرلمان، وانشاء حكومة وحدة وطنية، وانشاء مجلس تشريعي". وأضيف في أسفل الورقة توضيح: "لن يكف الاحتجاج حتى تحقيق جميع الأهداف".

        عندما لحظني الجمهور المتجادل وقف الجدل العاصف. وجدت نفسي دفعة واحدة محاطا من كل جهة. طلبوا إلي أن أُعرّف نفسي وفحصوا عن بطاقة الصحافة. خلع التونسيون رئيسا، وجعلوا شرطته تهرب، وسيطروا على شوارع الدولة، وما زالوا يخافون النظام. فما زال عملاء مُستخفون يتابعون ويقدمون التقارير. يظهرون فجأة ويبرزون بطاقة ويبدأون في طرح الاسئلة. وكل غريب يُرتاب بأنه عميل. ينشأ بين الحاضرين جدل ساخن أيتحدثون أم لا. يسخن الجو. وأشعر بأنني مهدد في قلب الجمهور المطبق علي.

        يُسكت أحد المتحدثين الرؤساء الآخرين قائلا: "لا بأس، انه صحفي". اسمه علي، في الخامسة والخمسين، من نشطاء اتحاد العمال الرئيس في الدولة. ضُم ممثلو الاتحاد الى حكومة الوحدة لكنهم استقالوا بعد يوم تحت ضغط إبعاد الوزراء الكثيرين الممثلين للحزب الحاكم. له شارب وخطه الشيب وهو يلبس عباءة بنية تقليدية. ويوحي كلامه بالسلطة.

        "نريد تغيير الساحة السياسية تغييرا تاما وحل البرلمان"، يُبين. "عانينا، وما نزال نعاني الاضطهاد والبطالة والفساد. اعتمد ابن علي وعائلته على الحزب الحاكم. وقد كان مافيا لصوص وتجار مخدرات. سيطروا على الاقتصاد كله، ستستمر الثورة الى أن يختفي كل هذا".

        "حتى الموت"، يقطع كلامه أحد الشبان المحيطين بي. "سيكون محمد بوعزيزي آخرون. كلنا بوعزيزي. ثم عشرات الآلاف مثله، من المستعدين لاحراق انفسهم. ليس لنا ما نخسره".

 

        نحن مثقفون

        ليس عرضا ان نشبت حركة الثورة في سيدي بو زيد. فالبلدة وهي على مبعدة 250 كم جنوبي تونس، هي عاصمة احدى المحافظات الأكثر فقرا في الدولة. يعتاش سكان المحافظة من الزراعة بصعوبة. أكثر الشبان عاطلون وكذلك اصحاب الألقاب الجامعية. تمدح نظام الحكم بأنه زاد في السنين الاخيرة عدد الدارسين في الجامعات لكن عشرات الخريجين منها ظلوا خائبي الأمل بلا عمل يلائم اعدادهم.

        كان محمد بوعزيزي واحدا من هؤلاء. واضطر الى العمل بائع خضراوات في الشوارع بلا رخصة كي ينفق على أمه وأخته. وفي أحد ايام كانون الاول صادر مراقب بلدي عجلة خضراواته وهو يشتم ايضا الشاب ابن السادسة والعشرين. وعزم بوعزيزي على الاحتجاج فجاء الى مبنى الادارة اللوائية وطلب لقاء الحاكم ليستعيد عجلة الخضراوات فرفض الحاكم لقاءه.

        وفي رد على ذلك اشترى بوعزيزي وعاء نفط وعاد الى مدخل مبنى الحاكم وأفرغ على جسمه الوقود وأحرق نفسه. وبعد ذلك بثلاثة اسابيع مات. فأصبحت حادثة الاحتجاج اليائسة الثقاب الذي أشعل الغضب. وأصبح بوعزيزي رمز نضال الاضطهاد خارج تونس ايضا. ففي الايام الاخيرة تم الابلاغ عن شبان مضوا على أثره وأحرقوا انفسهم في الجزائر وموريتانيا ومصر.

        يقع في الطرف الثاني من الشارع قاعدة عسكرية محروسة جيدا. جاء ابن علي من صفوف الجيش لكنه أقام نظام طغيانه على الشرطة. وهذا أحد اسباب أن أيد الجيش الانتفاضة. مع انصراف الرئيس في الحال أسرع رجال الشرطة من جميع الرتب الى اخفاء بزاتهم والاستتار في بيوتهم. أما اولئك الملزمون بالمجيء الى العمل مثل رجال شرطة الحدود، فيقومون في نوبات حراستهم بلا ملابس شرطية كي لا ينكلوا بهم في الشارع.

        اسألهم هل يثقون بالجيش: "الجيش مع الشعب"، يصرخ أكثر الناس المحيطين بي". "ليس بالضبط"، يتدخل منجي ابن الثالثة والخمسين وهو معلم رياضيات. "نحن نوهم أنفسنا ان الجيش الى جانبنا". يحتج الجمهور حوله. يناضل التونسيون على الحرية لكن توجد امور مثل قدسية الجيش يجب ان تظل فوق كل جدل.

        "يحلم الجميع ان يتغير كل شيء يوما ما"، يتابع منجي، "لكن ذلك سيكون متعلقا بالشعب. ما يحدث اليوم شيء جديد تماما بالنسبة لنا وبالنسبة للعالم العربي كله. في الماضي قامت الجيوش بالانقلابات باسم الشعب. في مصر وسوريا وموريتانيا. وعندنا أعطى الشعب الجيش فرصة ان يكون معنا لا العكس".

        عدنان محاضر بالاحصاء، وهو أحد القليلين الذين حظوا بالحصول على عمل يلائم اعدادهم. انه في الثلاثين من عمره، يمثل الجيل الذي نفذ الثورة. جيل الفيس بوك. فقد مكّنت الشبكات الاجتماعية الشبان من تنظيم انفسهم سريعا من وراء ظهر حكم الطاغية، ومن تبادل المعلومات والافكار وانشاء التعاطف الذي أخرجهم الى الشوارع معا.

        عند عدنان نظرية سياسية مشكلة. فهو يطلب الحق في الكلام معي ويريد أن يُبين للعالم ما يحدث هنا، مؤملا أن يقوم العالم الى جانب الشعب التونسي وألا يخونه كما في سني التعاون مع ابن علي.

        "اذا حقق التونسيون فقط حقوقهم في المواطنة فسنستطيع التقدم"، يقول عدنان. "كان الحزب الحاكم قويا جدا لاننا خفنا طوال سنين وقلنا "نعم، نعم" لكل شيء فعله. وما يزال هذا الحزب موجودا في رؤوس الناس. فهم يخافون الآن ايضا التفكير على نحو حر.

        "يجب حل الشرطة السرية. فهي التي أخافتنا. استمد الحزب الحاكم قوته من خوف الشعب. ضقنا ذرعا بهذا الوضع. ثار الناس كي يحترموهم.

        "ما يخيفني هو الغرب، الذي يتحدث عن الحرية دائما. لماذا يلوحون لنا بالتهديد الاسلامي؟ لا يمكن بناء دولة علمانية قائمة على الشرطة فقط. لا ننوي ان نصبح دولة اسلامية. نريد ان نجد الصراط بالمستقيم بين الاسلام والحرية. يخاف الغرب المتطرفين لكن اسلامنا مختلف. فهو عندنا دين لا سياسة بخلاف ما يحدث في ايران".

        تمر في الشارع مسيرة احتجاج. ويصدر عن المتظاهرين شعارات ويحملون لافتات في كثير منها رمز "لا دخول". في كل يوم في التاسعة صباحا يجتمع مئات من سكان سيدي بو زيد في الشارع الرئيس للبلدة ويسيرون مدة ساعات جيئة وذهابا. لا ينوون الكف عن السير حتى تُلبى جميع مطالبهم حتى لو استعملوا القوة عليهم مرة اخرى كما حدث هذا الاسبوع.

        أُصعب الامر عليهم قائلا: كيف يمكن ادارة دولة اذا ألغيتم بمرة واحدة كل الاجهزة القائمة.

        "يجب التفريق بين الموظفين والساسة. فالساسة هم الفاسدون. ليست لنا ثقة بالحكومة الجديدة ايضا، لكننا أناس ثقافة، ونحن لا نبحث عن مجابهة بل عن مساواة. نريد دولة موحدة وحرية حقيقية".

        من المهم لسالم، وهو رجل قانون متعطل في السابعة والثلاثين ان يقول ان الجماعة الدولية يجب ان تحاكم الرئيس المخلوع وأبناء عائلته في لاهاي. تنافس التونسيون هذا الاسبوع لا في قصصهم عن مبلغ فساد الرئيس وأبناء عائلة زوجته ليلى فقط، بل في بت الاحكام ايضا. يصرخ شخص ما: "أريد أن أرى ابن علي مشنوقا كما شنقوا صدام حسين".

        "كلا، لا نريد شنقه"، يسارع عدنان الى الرد، "لكننا نريد العدل. يجب على الغرب ان يجمد جميع املاك العائلة. سرقوا كل شيء وفي ضمن ذلك معروضات أثرية سُرقت من متاحف وتملأ قصورهم. نريد استعادة ماضينا.

        "علمونا في المدارس عن حقبتين فقط: حقبة والد تونس الحديثة الحبيب بورقيبة، وابن علي لكن لنا تاريخا طويلا غنيا. لماذا يعود اليهود الآن الى ماضيهم؟ كي يستطيعوا بناء مستقبل. ونحن نريد هذا ايضا".

 

        ليسكت القذافي المُختل نفسيا

        داس حاكم ليبيا معمر القذافي وهو الزعيم الوحيد الذي خرج علنا للدفاع عن ابن علي، اعصاب التونسيين. "انه مُختل نفسيا"، يقول عزمي وهو مدقق حسابات، "يبدو مثل مومياء خرجت من قبر الفراعنة في مصر. عرض على رئيسنا الهارب اللجوء لكن ابن علي لم يشأ البقاء قريبا من تونس. فهو يخشى ان يجتاز أحد الحدود ويقضي عليه".

        تحظى السعودية ايضا التي منحت ابن علي اللجوء السياسي بالشتائم والسب. "ماذا يمكن ان نتوقع من الطغاة؟".

        احتفل ماهر بيوم ميلاده الثاني والثلاثين في الرابع عشر من كانون الثاني، أي اليوم الذي غادر فيه ابن علي تونس. رتب والدا زوجته له حفلا عائليا في بيتهما في احدى ضواحي تونس. لهذا غاب عن المظاهرات العاصفة التي كانت ما زالت تُفرق بعنف قوات الامن.

        يقول ماهر: "عندما كنت في الخامسة نشبت أحداث شغب في جميع أنحاء تونس في أعقاب رفع أسعار الخبز، وقُمعت بالقوة في يومين مع عشرة قتلى. قرر بورقيبة ببساطة خفض السعر من جديد وعاد الهدوء".

        لم يكن أكثر المتظاهرين الذين أغرقوا في الاسابيع الاخيرة شوارع تونس قد ولدوا بعد عندما نشبت "أحداث شغب الخبز". وليست هذه بالنسبة اليهم حرب حرية فقط بل مغامرة ايضا. كل من شاء، حتى الاولاد الصغار يرتبون حواجز مرتجلة عند مداخل الشوارع ويوقفون السيارات ملوحين بالهراوات أو بأعمدة حديدية وعلى وجوههم تعبير مهدِّد. يريد الجميع تفتيش الجميع: بطاقات الهوية والحقائب والمحافظ.

        لكن الجو المتحمس يهدأ سريعا جدا. فالمراقبون من تلقاء انفسهم يعاودون التبسم ويستغلون التشويش. ليس التونسيون شعبا عنيفا. إن شعور القوة اللحظي هذا جزء من المعركة على الحرية وعلى الكرامة.

        نشأ ماهر في قرية مجاورة في عائلة كثيرة الاولاد. كان والده الذي عمل موظفا يؤجر نحوا من 150 يورو في الشهر. وبعد ان أنهى ماهر المدرسة سجل للجامعة المحلية ودرس الاقتصاد. تنفق الدولة على الدراسة الجامعية في تونس، لكن وضع عائلته الاقتصادي لم يُمكّنه من انهاء دراسته فقرر أن يجرب حظه في المدينة الكبيرة وانتقل الى تونس حيث يعمل سائق ليموزين لسياح وسائق سيارة أجرة بسيطة وقت الضيق. وقد نجح سريعا جدا في توفير ما يكفي ليشتري لنفسه عددا من السيارات وليبني بيتا له ولعائلته الشابة.

        يقول: "السياحة هي غنى تونس الوحيد. لو أنهيت دراستي الجامعية وحصلت على عمل على أساس لقبي الجامعي لعشت اليوم في فقر".

        في طرف سيدي بو زيد يرتفع فجأة عمود دخان أسود. يسرع الشبان للفحص عما يحدث هناك. برغم ان الثورة التونسية نشبت هنا، لم تُسجل في البلدة اعمال تدمير كتلك التي شوهدت في مدن الساحل. فلا توجد هنا دارات مهدمة، ومصانع مسلوبة، ومصارف مخترقة وسيارات محروقة. فلم يكن لعائلة الرئيس في سيدي بو زيد أملاك يمكن توجيه الغضب عليها فهي ببساطة فقيرة جدا.

        يرتفع الدخان من مخزن سيارات قديمة. فقد قرر صاحب المخزن ان يحرق عددا من الاطارات القديمة عبثا دونما صلة بالتحرير والحرية والكرامة. تجب العودة في وقت ما الى الحياة العادية وإن لم تكن الثورة قد انتهت بعد.

انشر عبر