شريط الأخبار

ايهود باراك، المأساة .. يديعوت

11:18 - 19 حزيران / يناير 2011

بقلم: ايتان هابر

في هذه اللحظات، في مكتبه في الطابق الرابع عشر في مبنى وزارة الدفاع في تل أبيب، يجلس ايهود باراك، يقرأ عناوين الصحف، ينصت الى الاذاعة، يشاهد التلفزيون وهو مبتهج، مبتسم من الاذن الى الاذن: مرة اخرى يلف كل الدولة على اصبعه الصغيرة، والدولة ترقص، ترد، تشهر، تثني، حسب أنغام نايه. ليس هناك مثله يعرف انه بعد يومين – ثلاثة ايام ستنطفىء اضواء الكشافات، وسيعود الى الفعل الامني الممل حتى المرة القادمة. وعندها، أو عندها، مرة اخرى سيلف كل العالم حول اصبعه الصغيرة.

هو لن يقول هذا أبدا، ولكن هذا ما يحبه: ان يكتب وحده السيناريو، وان يكون المخرج والممثل الرئيس في السياسة المحلية، وفي هذه المناسبة، اذا كان ممكنا، في السياسة الدولية ايضا.

أكثر من مدهش العودة 11 سنة الى الوراء فقط الى تلك الليلة اياها في ميدان رابين في تل أبيب، حين لاول مرة في تاريخ الدولة غمر عشرات الالاف المكان بأمل "فجر يوم جديد". دولة كاملة، هكذا حقا، تجندت في حينه من أجل انتصاره في الانتخابات ضد بنيامين نتنياهو. دولة اسرائيل أحبته في حينه، مثلما يخيل انها لم تحب أي زعيم اسرائيلي ابدا. ماذا حصل منذئذ؟

أمام ناظرينا تنبسط مأساة: الرجل كان على مدى سنين اسطورة تسير على قدمين. سياسيون كبار مجدوه ورشحوه للعظمة. وعلى مدى السنين كان موضع اساطير بطولة، حبكات حربية، زعامة منذ الولادة، حلما – واليوم، كل واحد ينظف به قدميه. وهو يضرب ارقاما قياسية في كراهية الشارع له. وهو اسم رديف للفشل وذكرى اسمه يجتذب هتافات تنديد. قبل وقت ما عقد في قصر نوكيا في تل ابيب مؤتمرا ضم الاف المواطنين من العاملين في الجيش الاسرائيلي. وعندما بدأ رئيس الدولة حديثه قائلا: "سيدي وزير الدفاع"، ساد في القاعة الكبرى صمت. عندما، فور ذلك، ذكر الرئيس اسم رئيس الاركان، غابي اشكنازي، فقد هدد التصفيق العاصف بطيران سقف القصر.

على مدى سنين كان باراك حاسوبا اعلى لجهاز الامن وبعد ذلك العالم السياسي والحزبي الاسرائيلي. رؤساء في العالم ورؤساء وزراء دقوا بابه، لسماع تقويماته للوضع، التحليلات الرائعة تقريبا في كل موضوع: في الموسيقى، في ابطال الرياضة، في التوراة، الرياضيات وماذا لا. وسار خلفه ذيل من الشائعات عن حملات خفية وجريئة. ها هو امامكم الجندي الذي حصل على اكثر الاوسمة في الجيش الاسرائيلي. في السياسة لم يكن قبله أي رئيس وزراء اقترح هذا القدر الكبير للفلسطينيين. عبقري سخي ووحشي؟

خطأه الرئيس كان، انه بعد سنوات جيل في الجيش، لم يفهم باراك بان الجيش الاسرائيلي ليس العالم السياسي: في الجيش انت تعطي أمرا والامر يترك الغرفة، ينزل الى نائب رئيس الاركان، الى قائد سلاح الجو مثلا، قائد الجناح مثلا، قائد السرب مثلا، الى الطيار، ولا يعود الا الى الاقرار النهائي لدى رئيس الاركان. اما في السياسة فانك تصدر أمرا وهو ليس فقط لا يغادر الغرفة – أنت حتى كرئيس وزراء، يجب ان تحرص على التفاصيل الصغيرة، وان "تدحرجها" دون أن تهين احدا في الطريق، وتفحص كل الوقت خلفيتك لتفهم نفسية كل واحد من المشاركين.

ايهود باراك لم يفهم ولا مرة ولن يفهم ابدا الانشغال بالصغائر والتوافه، التي تكاد تكون هي الاساس في السياسة. ذكاؤه الحسي "خرب" تماما، وهو بالمناسبة، سيكون اول من يعترف بذلك. ولكن ليس هذا وحده "قتله" جماهيريا وسياسيا. فعلى مدى السنين اتخذ صورة من يحلل  الوضع على نحو صحيح، يفهم الامور على حالها – ويقرر بشكل مغلوط. باستثناء القرار التاريخي بانسحاب الجيش الاسرائيلي من لبنان، يخيل أنه لم يكن هناك خطأ لم يرتكبه، قرارا مغلوطا لم يتخذه.

وفوق كل شيء، الانطباع الذي يخلفه لدى الجميع بان حرصه، أولا وقبل كل شيء، على نفسه وعلى حياته المهنية، وفقط بعد ذلك الدولة وأمنها. صحيح؟ غير صحيح؟ هذا هو الرأي الذي تجذر في الجمهور، وهو – هو السبب للصمت في قصر نوكيا حين ذكر اسمه والهتافات العاصفة عندما طرح اسم غابي اشكنازي.

انشر عبر