شريط الأخبار

الاعترافات بالدولة الفلسطينية والخيارات البديلة ..علي بدوان

12:38 - 19 تشرين أول / يناير 2011

الاعترافات بالدولة الفلسطينية والخيارات البديلة ..علي بدوان

 

لا شك في أن الاعترافات الدولية المتتالية بالدولة الفلسطينية، وآخرها اعتراف تشيلي، هي خطوة متقدمة على طريق إنجاز المشروع الوطني الفلسطيني، وهي خطوة لم تكن لتقع بفضل العملية السياسية في المنطقة، بل جاءت في سياق النضال الوطني للشعب الفلسطيني في شكل عام، وفي سياق الحراكات الدولية الرافضة للاحتلال والتغطية الأميركية المتواصلة لمشاريع الاستيطان والتهويد الجارية في الأراضي المحتلة، كما جاءت رداً مباشراً على سياسة العدوان والغطرسة الصهيونية، في وقت أعلنت الولايات المتحدة عجزها عن ممارسة الضغوط على "إسرائيل".

 

وفي حقيقة الأمر، فإن الاعترافات الدولية تمت عملياً بعيد إعلان الجزائر الصادر عن المجلس الوطني الفلسطيني في دورته الثامنة عشرة في 15 تشرين الثاني (نوفمبر) 1989، حين اعترفت غالبية دول العالم بـ «الإعلان الفلسطيني» الصادر في حينه عن أعمال المجلس الوطني، والذي أعلنه الرئيس ياسر عرفات بعد أن كلف الشاعر محمود درويش بصياغة نصه الكامل. ومن بين الدول التي اعترفت بإعلان المجلس الوطني الفلسطيني المشار إليه، كانت غالبية دول أميركا اللاتينية بدءاً من كوبا وانتهاء بتشيلي والأرجنتين. وجاءت تلك الاعترافات ليس بسبب إعلان الجزائر فقط، بل بتأثير مباشر من حالة النهوض الوطني الفلسطيني العارم في ظل صعود الانتفاضة الفلسطينية الأولى التي دقت أبواب العالم بأسره، ونقلت القضية الفلسطينية من طور إلى طور.

 

لقد اعترفت أكثر من مئة دولة بإعلان الاستقلال الفلسطيني الصادر عن المجلس الوطني في تلك الدورة، إلا أن هذا الاعتراف وإن رافقه افتتاح مقرات وسفارات فلسطينية أو ممثليات في البلدان المعترفة بإعلان الجزائر، إلا أن الإعلان بقي عملياً حبراً على ورق، وذلك لغياب الرؤية والاستراتيجية الفلسطينية، التي فضلت اتخاذ خيارات جديدة أملتها التطورات التي وقعت بعد حرب الخليج الثانية وانهيار الحالة العربية وتفككها وصولاً إلى ذهاب العرب والفلسطينيين إلى مؤتمر مدريد.

 

لقد قوبل إعلان الجزائر في حينه بترحيب الجمعية العامة للأمم المتحدة بأكثرية موصوفة تعدت مئة صوت، ومن ثم قامت مئة وثماني دول بالاعتراف بالدولة الفلسطينية، وكان ممكناً توظيف هذا الاعتراف لجهة تثبيت الدولة الفلسطينية، لأن معاهدة مونتيفيديو عام 1933، كما يقول خبراء القانون الدولي، تؤكد أن اعتراف الدول بالدول الأخرى غير مشروط وغير قابل للتراجع، إلا أن اتفاق أوسلو اللاحق أغفل كل هذه الاعترافات ولم يشر حتى إلى الحق في تقرير المصير، وإنما أرجأ المواضيع الهامة كالحدود ووقف الاستيطان وقضية اللاجئين، وقذف بها نحو المجهول.

 

ومع هذا فإن الاعترافات الدولية المتتالية الآن بالدولة الفلسطينية المفترضة، خطوات جيدة ومؤثرة، ولها دلالاتها القطعية، لكنها تفترض بالفلسطينيين المراكمة عليها في خطوات لاحقة من أجل تحويل هذا الاعتراف إلى واقع ملموس عبر إنجاز بناء الكيان الوطني الفلسطيني وتجسيده التام على أرض فلسطين بدولة حرة مستقلة، وهو ما يتطلب سياسات فلسطينية جديدة ومغايرة لما تم القيام به خلال السنوات الماضية.

 

إن الخطوات المتخذة من أصدقاء الشعب الفلسطيني في المنظومات الدولية المختلفة بصدد الاعتراف بالوليد الفلسطيني القادم، وعلى أهميتها، يفترض أن لا تدفع الإطارات القيادية الفلسطينية الرسمية إلى الاسترخاء والنشوة المبالغ بها، وكأن الدولة الفلسطينية باتت أمراً واقعاً فوق الأرض الفلسطينية المحتلة عام 1967، فالاعترافات الدولية على أهميتها تبقى محدودة التأثير ما لم ترافقها حركة ديبلوماسية وسياسية وإعلامية فلسطينية نشطة، تنتقل بالعمل الفلسطيني من مرحلة اللهاث وراء نهج المفاوضات، إلى آفاق أرحب، يتم من خلالها تثمير كل أوراق القوة في اليد الفلسطينية، وأولى تلك الأوراق ضرورة إنجاز وحدة الشعب والبيت الفلسطيني، وإعادة الاعتبار إلى منظمة التحرير الفلسطينية التي يفترض أن تشكل الإطار الموحد لعموم الشعب الفلسطيني في الداخل والشتات.

 

إن الاعترافات المتتالية بالدولة الفلسطينية تظهر في جانب مهم منها أن بإمكان الفلسطينيين القيام باشتقاق خيارات متعددة، كبديل عن خيار التفاوض وحده في ظل اختلال عملية التسوية في شكل صارخ، وغياب الراعي النزيه لها. فالاعترافات الدولية بدولة فلسطين قد يكون لها جدوى إذا استثمرت في سياق خطة فلسطينية بعيدة عن المفاوضات مع الجانب الإسرائيلي. ومن هنا فان هذه الاعترافات يجب أن تترافق مع إعلان من القيادة الفلسطينية بفشل المفاوضات مع "إسرائيل"، وهو ما يستوجب وقفة نقدية جادة وخطوات نوعية والالتفات إلى إعادة بناء البيت الفلسطيني الداخلي. فاستمرار المفاوضات مع الدولة العبرية في ظل الاعترافات بالدولة الفلسطينية سيكون غطاء تستخدمه "إسرائيل" للمماطلة. ومن هنا أهمية استغلال هذا الجهد العالمي ليكون حقيقة، وليس لمصلحة المفاوضات بصيغتها التي تريدها الدولة العبرية والولايات المتحدة وبعض الأطراف الإقليمية.

 

* كاتب فلسطيني

 

 

انشر عبر