شريط الأخبار

المعتقلون والمصالحة وإعدام القواسمي..هاني المصري

07:19 - 11 حزيران / يناير 2011

المعتقلون والمصالحة وإعدام القواسمي..هاني المصري

 بعد إضراب لعدة أسابيع مارسه ستة من المعتقلين من "حماس"، وبعد تدخل أمير قطر والعديد من الشخصيات الوطنية داخل الخط الأخضر والأراضي المحتلة العام 1967، وبعد أن اشترطت "حماس" استئناف اللقاءات مع "فتح" بالإفراج عنهم، أصدر الرئيس أمراً بإطلاق سراحهم، الأمر الذي أشاع أجواء إيجابية سمحت بالحديث عن إمكانية عقد لقاء جديد بين "فتح" و"حماس" لتذليل العقبات المتبقية أمام توقيع "حماس" على الورقة المصرية.

بعد عشر ساعات على الإفراج عنهم، قامت قوات الاحتلال باعتقالهم، وأعدمت عمر القواسمي في سريره، فيما اعتبرته خطأً لأن المقصود هو وائل بيطار أحد المعتقلين المفرج عنهم، وكأن من حق سلطات الاحتلال قتل من تريد وقتما تشاء وحتى دون استخدام الذريعة المعتادة بأنه كان مسلحاً وأن القوات المحتلة كانت تدافع عن نفسها .

إن جريمة الاغتيال واعتقال المفرج عنهم يتحمّل المسؤولية الكاملة عنها سلطات الاحتلال، وهذا أمر كان من المفترض أن يوحّد الجميع ضد الاحتلال، وأولهم "فتح" و"حماس"، خصوصاً أن الأهداف الإسرائيلية من الجريمة واضحة، وهي إحراج السلطة وإظهارها بأنها لا تملك من أمرها شيئاً حتى في المناطق المصنفة (أ)، والتي من المفترض أنها تحت سيطرتها الكاملة، وأنها تتعاون مع الاحتلال لدرجة تبادل اعتقال الأشخاص أنفسهم، وهذه ظاهره تكررت كثيراً بعد الانقسام الفلسطيني، واحداث الوقيعة بين "فتح" و"حماس"، لأنها لا تريد أن يتقدم ملف المصالحة على خلفية وصول المفاوضات إلى طريق مسدود.

بدلاً من أن توحّد جريمة الاحتلال الجميع شهدنا تبادلاً للاتهامات، حيث حمّلت "حماس" خصوصاً في قطاع غزة السلطة المسؤولية عن الجريمة لدرجة تسيير التظاهرات المنددة بالسلطة.

في المقابل، حمّلت "فتح" وأوساط السلطة "حماس" المسؤولية عن جريمة الاحتلال؛ لأنها تعهدت بحماية المفرج عنهم، ولأنها وصفتهم أثناء اعتقالهم بالإبطال المقاومين الذين لقنوا ويستعدون لتلقين الاحتلال دروساً في المقاومة لو تم الإفراج عنهم .

السؤال الأول هو: هل تستطيع "حماس" حماية أحد في الضفة المحتلة ؟ والسؤال الثاني: هل من واجبات السلطة حماية أمن وحياة وممتلكات مواطنيها، أم إن واجبها لا يشمل جرائم الاحتلال؟.

إن الاحتلال في ظل الانقسام أصبح بريئاً أو مجرد شريك في الجريمة أو خارج الصورة تماماً، وهذا يدل على أن تأجيج الصراع الداخلي له الأولوية عند أفراد وشرائح من السلطتين المتنازعتين، على الصراع مع الاحتلال الذي أصبح حليفاً أو أصبحت مقاومته إما متوقفةً كلياً أو تستخدم كأداة من أدوات الصراع الداخلي.

إن المسألة الملحّة التي تطرحها أحداث الخليل هي ضرورة وقف الاعتقالات السياسية كلياً، ولا ينفع لتبريرها الادعاء بعدم وجود معتقلين سياسيين لأن الأحداث والشهادات والتقارير الصادرة عن المؤسسات المعنية بالدفاع عن حقوق وحريات الإنسان الفلسطيني حافلة بالأدلة على تعرض المئات (إن لم أقل الآلاف) من الفلسطينيين إلى اعتقالات على خلفية انتماءاتهم السياسية في الضفة الغربية وقطاع غزة، وأن العديد منهم تعرض ويتعرض للتعذيب، وعدد منهم مات جراء ذلك، ومعظمهم لم يعتقل بصورة قانونية، وتتم إحالة الكثير منهم إلى محاكم عسكرية خلافاً للقانون، ومع عدم تنفيذ أو المماطلة بتنفيذ قرارات محكمة العدل العليا بالإفراج عنهم.

إن هناك حجة هشة تستخدم لتبرير استمرار الاعتقالات السياسية وهي أن الاعتقالات نتيجة للانقسام، وعندما يعالج الانقسام تنتهي الاعتقالات بشكل نهائي. إن كون الاعتقالات نتيجة للانقسام لا يعطي شرعية لاعتقال أحد، وإنما يستوجب التركيز على إنهاء جذور الانقسام دون القفز عن ضرورة عدم اعتقال والإفراج عن كل المعتقلين.

لقد انطلت هذه الحجة على الكثيرين معظم الوقت كما يظهر من خلال عدم إعطاء الاهتمام اللازم بالإفراج عن المعتقلين لأنهم سيفرج عنهم إذا تحققت المصالحة. ولم تتحقق المصالحة، واستمر مسلسل الاعتقال.

"حماس" بدورها تستخدم ذريعة المعتقلين تارة لتعطيل عقد اجتماعات المصالحة، وتارة أخرى تقفز عنها، وهي ذريعة جاهزة دائماً للاستخدام كلما احتاجت إليها.

أما "فتح" فإنها تدافع عن الاعتقالات بأنها تتم لأسباب أمنية ومالية وتتعلق بالسلاح وتأتي في سياق إحباط ما تصفه محاولات واستعدادات "حماس" للانقلاب على السلطة في الضفة الغربية مثلما فعلت في قطاع غزة.

ليس من حق أحد، الاعتداء على الحريات العامة، ومدان أي فرد أو أية سلطة تقوم باعتقال شخص على خلفية انتمائه السياسي، فأعضاء "حماس" في الضفة ليسوا مباحين للاعتقال لأن "حماس" نفذت انقلاباً في غزة، وأعضاء "فتح" في غزة ليسوا مباحين كرد فعل انتقامي أو من قبيل المعاملة بالمثل أو بإطلاق الحجج الجاهزة بالعمالة والتآمر. فلا تزر وازرة وزر أخرى، وأعضاء "فتح" و"حماس" لا يمكن محاسبتهم بالجملة أو لأنهم ينتمون إلى "فتح" و"حماس" لمجرد أن عناصر من تنظيمهم قاموا بما يوجب العقاب، أو ما يعتقد أنه يوجب العقاب.

إن السلطة من حقها وواجبها أن تقوم بالتحقيق أو اعتقال كل من يرتكب أو يستعد، فعلاً، لارتكاب جريمة يعاقب عليها القانون شرط أن يتم ذلك بشكل قانوني، بداية من الاعتقال مروراً بإجراءات الاحتجاز والتحقيق، وانتهاء بالإفراج أو بالإحالة إلى المحاكم المدنية المختصة، على قاعدة أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته.

وكل من يخالف القانون سواء من السلطة أو خارجها، يجب أن يحاسب، فالقانون ليس سلاحاً في يد السلطة تستخدمه في مواجهة المخالفين والمعارضين والانقلابيين فقط، وإنما سلاح في يد الشعب كله، فلا قيمة للقانون إذا لم تكن هناك سيادة للقانون على الجميع دون استثناء.

إن المصالحة على الرغم من أنها ضرورة لا غنى عنها ــ وعلى الرغم من أن التطورات والأحداث على صعيد فشل المفاوضات وعملية التسوية تستوجب إعطاءها الأولوية أكثر من السابق ــ ليست ناضجة حتى الآن لأسباب فلسطينية وإسرائيلية وعربية وإقليمية ودولية. وبالتالي يجب عدم تأجيل ملف إطلاق سراح المعتقلين السياسيين لحين إتمام المصالحة.

طبعاً هذا لا يبرر لـ"حماس" أو لغيرها استخدام ملف المعتقلين لرفض إجراء أو لعدم عقد الاجتماعات الرامية إلى تذليل العقبات أمام إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة، لأن الحوار والاجتماعات وتوفير الأجواء المناسبة ممر إجباري وحيد، وجزء لا يتجزأ من الجهود الرامية لتحقيق المصالحة.

إن الاحتلال مرتاح جداً لأن الانقسام يعطيه مزايا هائلة من ضمنها تبادل الاتهامات بين الأطراف الفلسطينية المتنازعة عن مسؤولياتها عما يرتكبه الاحتلال. فإذا اغتال مواطن في مناطق السلطة فهذا ثمرة من ثمرات التنسيق الأمني والاتهامات تتركز في هذه الحالة على السلطة .

وإذا شن عدوان على غزة أو غيرها فهو بريء، لأن الفلسطينيين أعطوه الذريعة لأنهم أطلقوا صواريخ على جنوب "إسرائيل"، أو نفذوا عمليات مقاومة ضد الاحتلال .

إن الاحتلال عدواني واستيطاني وعنصري وإجلائي وليس بحاجة إلى ذرائع، ولا يعني هذا أن أحداً يجب أن يتبرع لإعطائه ذرائع، والدليل على ذلك أن الضفة الغربية هادئة تماماً تقريباً من العمليات المسلحة منذ عدة سنوات، ولم يتغير العدوان الإسرائيلي تغيّراً يذكر، بينما تزايدت الإجراءات الإسرائيلية لتطبيق المخططات التوسعية والاستيطانية والعنصرية بصورة غير مسبوقة. فما العمل ؟

إن أية جريمة إسرائيلية تستوجب التوحد في مواجهتها، وليس تبادل الاتهامات الفلسطينية حول المسؤولية عنها، أو الاكتفاء بشجبها وإدانتها بحيث كل شيء يبقى بعد الجرائم الإسرائيلية، كما كان قبلها. لذا تستمر الجرائم الإسرائيلية دون رادع.

آن لهذا الوضع أن يتغيّر بشكل جوهري وحاسم .!!

 

 

 

انشر عبر