شريط الأخبار

الخيار الشمالي -هآرتس

11:35 - 19 تشرين أول / ديسمبر 2010

الخيار الشمالي -هآرتس

تحطيم محور الشر

بقلم: عاموس هرئيل

        (المضمون: وفي ظل غياب تقدم في القناة الفلسطينية، يبدو أن هذا هو الوقت لاعادة فحص امكانية مفاوضات حقيقية مع سوريا، مثلما توصي قيادة الجيش الاسرائيلي منذ فترة طويلة - المصدر).

        رودجر كوهين، كاتب في الشؤون الخارجية في صحيفة "نيويورك تايمز" زار الاسبوع الماضي بيروت وعاد متأثرا. حزب الله، كما يدعي كوهين بحزم، أقوى من أي وقت مضى وهو الان اللاعب الاهم في لبنان. حزب الله هو خليط من "حزب سياسي، حركة اجتماعية وميليشيا"، تعريفه كمنظمة ارهابية "غير مناسب على الاطلاق". ويدعو كوهين ادارة اوباما الى التحلل من الاوهام والكف عن تجاهل الواقع. حان الوقت، كما يدعي، بان تجد واشنطن السبيل للحديث مع حزب الله.

        في اليوم الذي نشر فيه مقال كوهين، نشر في "يديعوت احرونوت" تحليل مغاير جوهريا للوضع في لبنان. مسؤول كبير في قيادة المنطقة الشمالية (لمن يجدون صعوبة في حل لغز هويته، ارفقت الصحيفة بالخبر صورة قائد المنطقة الشمالية، غادي آيزنكوت) شرح لـ "يديعوت" بان حزب الله يعيش أزمة قبل نشر لوائح اتهام المحكمة الدولية ضد مسؤولين كبار في المنظمة عن دورها في اغتيال رئيس الوزراء الاسبق رفيق الحريري.

        وزعم بان المنظمة تعيش أزمة هي الاشد التي ألمت بها منذ تأسيسها. فقد قلصت ايران بنحو النصف المساعدات المالية لحزب الله – عقب العقوبات ضدها. الامين العام للمنظمة، حسن نصرالله لا يزال يختبىء في خندقه وليس متحمسا للقتال مرة اخرى ضد اسرائيل. ولكن مع ذلك اذا ما أغراه ذلك فسيكتشف بان حرب لبنان الثانية "ستظهر كالنزهة بالقياس الى ما سيتلقاه من ضربات من الجيش الاسرائيلي.

        رودجر كوهين، بالمقابل، يتأثر بالضاحية، الحي الشيعي الذي يعج بالحياة في جنوب بيروت، الذي ترمم من أضرار القصف الاسرائيلي في الحرب. وقد أخذ الانطباع بان لبنان سيأخذ جانب الحذر من الدخول في حرب أهلية متجددة. معارضو سوريا وحزب الله انطلقوا في رحلات ندم ومصالحة الى دمشق بينما لن يكون للحريري الابن، رئيس الوزراء الحالي، بديل فانه سيصبح مثابة "الملاذ اللبناني" الذي يجلس في حكومة تضم في عضويتها قتلة أبيه. الزمن الذي مر منذ الاغتيال سيمنع تحقيق العدل في قضية اغتيال الحريري الاب. الاستقرار اللبناني أهم.

        إذن من المحق، آيزنكوت أم كوهين؟ محللون لبنانيون، شاركوا مؤخرا في مؤتمر في اوروبا، يرسمون صورة مركبة لما يجري في بيروت. فالى جانب تعزز حزب الله، يعرضون تخوف كل الاطراف من فقدان السيطرة عقب قضية الحريري. في موضوع واحد يتفقون مع آيزنكوت: حزب الله سيفكر مرتين قبل أن يفتح النار باتجاه اسرائيل. ويقول المحللون ان المنظمة اكتوت بشدة في حرب 2006. هناك حاجة الى حافز خارجي – قصف اسرائيلي لقوافل الصواريخ من سوريا الى لبنان، او تعليمات ايرانية صريحة لاعادة اشعال الجبهة بين حزب الله واسرائيل.

        عصر الحافة

        هذه أيام معقدة في الشرق الاوسط. اسرائيل، ومثلها الولايات المتحدة، لم تعد ترى ما يجري في المنطقة بتعابير "محور الشر" بالاسود والابيض، بل كشبكة نزاعات وتوترات محلية، بعض ما يؤدي لها ينخرط في الصورة الاكبر، للصراع بين المتطرفين والمعتدلين في العالم الاسلامي. في هذا الصراع، يخيل بان يد المتطرفين الان هي العليا. لا يوجد هنا حسم تام، بل تطور تدريجي. "حراك الالواح الجوفية العظمى"، هكذا وصف رئيس الاركان غابي اشكنازي الامر في احاديث اجراها مؤخرا مع نظرائه في الغرب.

        تأثير المتزمتين من ايران الشيعية وحتى ملحقات القاعدة السنية، عظيم. ايران تملي بقدر كبير جدول الاعمال الاقليمي، ليس فقط في رحلتها الصبورة نحو النووي، بل بالتآمر الذي يبدو ملموسا من المغرب عبر لبنان والعراق وحتى افغانستان. حيالها يظهر واضحا ضعف الدول العربية المعتدلة، وعلى رأسها مصر والسعودية، اللتين تستعدان للتغيير الشخصي في الحكم عقب شيخوخة زعيميهما. والى جانب ذلك يضعف النفوذ الامريكي مثلما يتجسد ايضا في وثائق ويكيليكس على خلفية الاستعدادات لاستكمال الانسحاب من العراق والورطة المتعمقة في افغانستان والازمة الاقتصادية الداخلية.

        الايام التي جمدت فيها ايران خطة نووية واحدة وليبيا تراجعت عن خطة نووية اخرى، تحت انطباع الاجتياح الامريكي للعراق، تبدو ما قبل التاريخ، ضائعة في مكان ما في بداية العقد الماضي. عندما ينظر زعيم مؤيد للغرب مثل الحريري الابن الى الشرق، فهو يرى السوريين والايرانيين. وعندما ينظر الى الغرب يرى البحر، وليس حاملات الطائرات الامريكية. لا غرو أن الحريري كلف نفسه مؤخرا عناء زيارة الرئيس الايراني محمود احمدي نجاد ايضا.

        ولما كان تعبير "سنة الحسم"، قد اخرج من القاموس الاستخباري عقب الاستخدام الزائد، فان التعبير الاكثر استخداما في شعبة الاستخبارات الان هو "عصر الحافة": ايران على حافة النووي، لبنان قد يكون يقف امام حرب اهلية (حين يتعاظم التوتر على خلفية الكشف عما وصف هناك بانه كمنظومات التجسس الاسرائيلية)، الفلسطينيون قبيل الحسم اذا كانوا سيعلنون من طرف واحد عن دولة مستقلة في الضفة الغربية. الى جانب ذلك فان التطور الاكثر اثارة للقلق من زاوية نظر اسرائيل، الى جانب حملة نزع الشرعية ضدها، هو التغيير الذي يجري في ميزان النار بين الطرفين. فحيال ما كان احتكارا اسرائيليا – قدرة على ايصال، في كل لحظة معينة، السلاح بكل نقطة في المنطقة (اساسا من خلال سلاح الجو)، تتطور قدرة ذات مغزى للعدو، من خلال تحسين وتوسيع منظومات الصواريخ والمقذوفات الصاروخية التي في حوزته.

        كلهم مذنبون

        اعلان ادارة اوباما عن سحب اقتراح التجميد الاضافي للبناء في المستوطنات، مقابل رزمة بادرات طيبة لاسرائيل واستمرار المفاوضات السياسية، حظي هنا بصدى قليل نسبيا، في ايام تجري فيها معركة سياسية على مسألة المسؤولية عن الحريق في الكرمل. ولكن لتفجير المفاوضات، الذي لم يقترح الامريكيون بديلا جوهريا عنه بعد قد تكون آثار بعيدة المدى.

        الذنب في هذه القصة يتقاسمه الاطراف على ما يبدو. الولايات المتحدة تتمسك عبثا بصيغة التجميد ولكن في واشنطن ايضا انطلقت تقديرات بان المسار المقترح لن تنشأ عنه منفعة كبيرة. التوقعات بان يكون رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو قد اجتاز تحولا ايديولوجيا وانه مستعد الان لتنازلات كبيرة، تبددت. نتنياهو لم يجتز الروبيكون، واذا ما اجتازه، فانه قفز هذا الشهر بخفة عائدا الى نقطة المنطلق.

        الفلسطينيون هم ايضا بعيدون عن ان يكونوا أبرياء. فالسلطة لم تظهر، في أي مرحلة، الجدية اللازمة لعقد الصفقة. والامور صحيحة أيضا بالنسبة لعهد ما قبل نتنياهو، عهد ايهود اولمرت. في المفاوضات التي ادارها مع رئيس السلطة، محمود عباس (ابو مازن) وان كان اولمرت مثل نفسه اساسا، وذلك لانه عانى من تأييد جماهيري صفر في نهاية عهده. الا ان اقتراحاته كانت هي الاكثر سخاءا مما سمعه أي زعيم فلسطيني من نظيره الاسرائيلي.

        عندما جاءت وزيرة الخارجية الامريكية هيلاري كلينتون في اول زيارة لها الى اسرائيل في هذا المنصب، فور أداء ادارة اوباما القسم القانونية في 2009، عرض عليها اولمرت ما اقترحه على الفلسطينيين في الاشهر السابقة. الضيفة، التي كان آخر ما اطلعت عليه من المفاوضات هو صيغة كلينتون التي طرحها زوجها بيل في نهاية العام 2000، ابدت شكا. "اذا كنتِ لا تصدقينني، فأسألي ابو مازن"، اقترح اولمرت. ففحصت كلينتون واعترفت بان مضيفها الاسرائيلي كان محقا.

طوبة في حائط

نتنياهو بعيد عن مواقف اولمرت والسيناريوهات التي تقف امامها اسرائيل، بدون استئناف المفاوضات، غير لطيفة: من اعلان الاستقلال الفلسطيني من طرف واحد وحتى انتقاضفة ثالثة، كفيلة بان تندلع بسبب حادثة دموية محلية (ولا سيما، طائفية) على خلفية الاحباط المتواصل من غياب التقدم السياسي. في مثل هذه الحالة، من شأن العلم والسلاح في أيدي كتائب دايتون التي دربها الامريكيون من أجل الفلسطينيين، ان يوجها مرة اخرى ضد الجيش الاسرائيلي.

        على مدى الزمن لن يبقى الوضع الراهن في الشرق الاوسط. دون تقدم في قناة ما، فان انعدام اليقين ينطوي في داخله على خطر اقليمي وحرب تنشأ في ظروف غير مريحة لاسرائيل. التفكير بان الامور ستتدبر من تلقاء نفسها هو تفكير عابث. على المدى البعيد، اسرائيل كفيلة بان تذكر الضفدعة من التجربة التي لا تلاحظ الوعاء الذي يسخن حولها وذلك لان الامور تجري ببطء، درجة إثر درجة.

        الوزير موشيه يعلون يدعي بحزم بان احدا من وزراء "السباعية" لا يؤمن حقا باحتمال تحقيق سلام مع الفلسطينيين في الزمن القريب القادم. وفي ظل غياب تقدم في القناة الفلسطينية، يبدو أن هذا هو الوقت لاعادة فحص امكانية مفاوضات حقيقية مع سوريا، مثلما توصي قيادة الجيش الاسرائيلي منذ فترة طويلة. رئيس الاركان، وكذا شعبة الاستخبارات، لا يتعهد مسبقا بنتائج ايجابية لمثل هذه الخطوة، ولكنه يقترح على القيادة السياسية أن تجرب.

        زعم هيئة الاركان هو أن الرئيس السوري بشار الاسد يلعب الان في جانبي الملعب، دون أن يدفع الثمن. من جهة حلفه مع ايران وحزب الله يتوثق. من جهة اخرى، لم يعد الاسد منبوذا. فقبل اسبوع فقط كان في زيارة رسمية في فرنسا، التي تراجعت تماما عن موقفها المتصلب الذي ابدته تجاهه قبل بضع سنوات بسبب شبهاتها بان سوريا كانت ضالعة في اغتيال الحريري.

        في نظر الجيش، سوريا هي الحلقة الضعيفة في المحور الراديكالي برئاسة ايران. المفاوضات معها ستسمح بفحص فرص اخراج هذه الطوبة من الحائط، وستضع الاسد أول مرة امام معضلة حقيقية. اذا كان السلام مع اسرائيل سيترافق الى جانب اعادة الجوان، بفتح باب أوسع نحو الغرب، فان الاسد كفيل بان يرد بالايجاب. الرئيس السوري ليس ساذجا بالنسبة لموازين القوى الحقيقية بين جيشه والجيش الاسرائيلي. وهذا على ما يبدو هو السبب الذي جعله يتجلد على ما ظهر كسلسلة اعتداءات اسرائيلية على سيادته (الهجوم على المفاعل النووي)، اغتيال عماد مغنية واغتيال الجنرال السوري محمد سليمان، وكلها في العامين 2007 – 2008). ولا يزال هناك تخوف بان يفسر في المستقبل خطوة اسرائيلية ضد حزب الله كاستفزاز واحد أكثر مما ينبغي، او يحقق خطوة هجومية من جانبه.

        كيف، مثلا، سترد اسرائيل اذا حاول الجيش السوري تنفيذ عملية اختطاف سريعة في القرى الدرزية في الجولان او وجه ضربة نار فتاكة وقصيرة على قواعد الجيش الاسرائيلي، وأرفقها بالمطالبة باستئناف المفاوضات السياسية باسناد دولي؟ اسرائيل منشغلة جدا في صد التهديد النووي الايراني – وحسب مصادر أجنبية في الاعداد ايضا لهجوم عسكري محتمل من جهتها – ولكن قائمة مصادر القلق على جدول الاعمال الامني بعيدة عن ان تنتهي بذلك.

        نهاية معتدلة

        رئيس الاركان اشكنازي، الذي ستنتهي أربع سنوات ولايته في 14 شباط، لا يزال ملزما بتفسير دوره في قضية وثيقة هرباز التي عصفت في القيادة الامنية في النصف سنة الاخيرة. الرواية المختصرة التي قدمها هذا الاسبوع، في مقابلة مع صوت الجيش لم توفر صورة كاملة او مقنعة بما فيه الكفاية. تقرير مراقب الدولة في هذا الشأن والذي يتبلور هذه الايام، كفيل بان يتشدد في تحليل سلوك رئيس الاركان في القضية.

        ما لا يمكن أخذه من اشكنازي، الى جانب عدة سياقات ايجابية تمت في الجيش بقيادته بعد حرب لبنان الثانية، هو الخط المعتدل والواعي لديه في المسائل الاستراتيجية، من سوريا وحتى ايران. في هذا الموضوع كان لرئيس الاركان شركاء في صورة رئيس الموساد، مئير دغان ورئيس المخابرات يوفال ديسكن، اللذين سينهيا ولايتيهما في الفترة القريبة القادمة. فهل الخلافات بينه وبين وزير الدفاع ايهود باراك ترتبط في هذه المسائل ام أنها تتلخص فقط بالنفور الشخصي المتبادل؟ في هذا الموضوع ايضا الاطراف تختلف. يحتمل أن توجد بعض الاجوبة عن ذلك في تقرير المراقب.

انشر عبر