شريط الأخبار

هل تنطبق دعاوى عدم التطبيع على المجتمع الفلسطيني داخل إسرائيل؟ ...بقلم: حنين زعبي

10:00 - 18 تموز / ديسمبر 2010

هل تنطبق دعاوى عدم التطبيع على المجتمع الفلسطيني داخل إسرائيل؟ ...بقلم: حنين زعبي

 

لا نستطيع أن نستذكر بالضبط اللحظة التي طرق بها فلسطينيو الـ 48 الوعي العربي وحتى الفلسطيني لسائر شعبهم، بعد غياب طويل، غياب تشاركت إسرائيل والسياسات العربية في صنعه.

 

ربما نستطيع أن نستذكر عاملين مركزيين: الجزيرة وعزمي بشارة. الأولى، فتحت أبوابها على محرمات عربية، سياسية تحديدا، فلسطينيو الـ48، أحدها. عزمي بشارة انفتح للعالم العربي كقومي عربي، وكصاحب أول مشروع سياسي يتعامل مع الهوية العربية كمحرك مركزي لمشروعه السياسي داخل حدود إسرائيل!

 

إقصاؤنا عن فضائنا القومي الثقافي الطبيعي، رافقه التعامل الفلسطيني لمنظمة التحرير وللشتات معنا بين تجاهلنا أو تخويننا أو التعامل معنا كشأن إسرائيلي داخلي، ولم يتم احتساب نضالنا في الدفاع عن حقوقنا وعن أرضنا وعن هويتنا، كجزء من نضال فلسطيني وطني. في المقابل، نشهد الآن مبالغة في الاتجاه المعاكس: رومانسيات سياسية تضخم دورنا وتحولنا جميعنا لأبطال.

 

مر أكثر من عقد على طرقنا لأبواب الوعي العربي، وقام التجمع الوطني الديمقراطي خلال ذلك بترجمة حقنا في التواصل إلى جزء من مشروع سياسي تم التعبير عنه عن طريق زيارات الأهل إلى سورية (حيث قامت عشرات ألوف العائلات بزيارة شطرها الثاني في سورية)، متحدين القانون الإسرائيلي الذي يمنع دخول بعض الدول العربية معتبرا إياها دول عدو. بالإضافة إلى ذلك كان عزمي بشارة عضو الكنيست العربي الأول الذي يدخل سورية من دون أخذ تصريح من الداخلية الإسرائيلية كما ينص القانون الإسرائيلي بذلك، وبعدها حذا حذوه أعضاء الكنيست العرب. وقد قال حينها رادا على اتهامات إسرائيلية بمخالفة القانون بأن "إسرائيل لا تحدد لنا العدو من الصديق".

 

بالتالي تعامل العرب في الداخل وبالتحديد التيار القومي العربي مع التواصل كحق سياسي، وكممارسة علينا أن نفرضها متخطين حواجز الممنوعات الإسرائيلية قدر المستطاع.

 

بالإضافة لذلك طمحت "النخبة" الثقافية من كتاب ومسرحيين وفنانين فلسطينيين إلى التعامل مع العالم العربي كساحة الاستيعاب الأجدر بإبداعاتنا الثقافية، وطمح هؤلاء في أن يشكل العالم العربي الحاضن الأول الجماهيري والمعنوي لإنتاجات ثقافية نجحت في أن تهرب من إسار الأسرلة ومن محاولات تدجين وزارة "الثقافة" الإسرائيلية وأتباعها من المؤسسات والمنح. كما طمح مزارعون وبعض أصحاب الصناعات الخفيفة، التي حاولت إسرائيل التضييق عليهم وخنقهم ومنع توسعهم في الأسواق الإسرائيلية، أن يجدوا في أسواق العالم العربي بديلا وأبوابا مفتوحة تدعمهم وتقوي بهم الزراعة والاقتصاد الفلسطينيين في الداخل.

 

لكن تجاوب العالم العربي مع رغبة وإرادة التواصل هذه قوبلت إما بتجاهل ولا مبالاة، أو برفض، وبعاطفة معنوية غير مجدية. وانحصرت العلاقات مع قيادة الجماهير العربية إلى دعوة يتيمة وجهت من قبل العقيد القذافي إلى لجنة المتابعة، كالهيئة السياسية العليا التي تمثل كافة التيارات السياسية المركزية وغير المركزية في المجتمع الفلسطيني في الداخل.

 

أما العلاقات الثقافية ومبادرات دعوة أو دعم الحركة الثقافية الوطنية في مواجهة "فناني" البلاط الإسرائيلي الذين لا يتورعون عن تمثيل إسرائيل في المنابر الدولية المختلفة، فهي معدومة. أما فيما يتعلق بدعم المزارعين والتجار وأصحاب الصناعات ذات التقنيات المتوسطة أو الخفيفة، فما يتم منها يقع كغطاء لعلاقات تطبيع مع تجار وشركات إسرائيلية، وبدل أن يتم دعم الصناعات العربية كدعم للفلسطينيين والاقتصاد الفلسطيني داخل إسرائيل، يتم استعمالها لتسويق بضائع وخدمات إسرائيلية.

 

بالتالي، نحن أمام حالة من انعدام البوصلة الوطنية العقلانية، فمن جهة هنالك إغلاق وانغلاق تام على مبادرات وطنية بحجة عدم التطبيع، ومن جهة أخرى، هنالك محاولات استغلال لأسماء عربية بهدف تسويق منتجات وخدمات وصناعات إسرائيلية.

 

إن دعاوى عدم التطبيع، وحركة عدم التطبيع التي تتصدرها النقابات الأردنية بحرص وغيرة وحس وطني، هي رسالة سياسية مهمة لإسرائيل، بأن الشعوب العربية ما تزال حية وترفض التطبيع مع الاحتلال ومع دور إسرائيل في المنطقة ومع سياساتها تجاه الفلسطينيين.

 

من جهة أخرى، يقع فلسطينيو الـ 48 ضحية عدم حصر دعاوى التطبيع هذه في البضائع والخدمات الإسرائيلية، وضحية عدم التمييز بين السياسات الإسرائيلية وبين ضحاياها، ويدفع بذلك الفلسطينيون الثمن مرتين.

 

وإذا أخذنا القطاع الزراعي مثلا، نجد أن عدد المزارعين العرب بالداخل يصل إلى سبعة آلاف مزارع يشكلون 37 % من المزارعين، لكنهم يزرعون 19 % فقط من الأراضي الزراعية، ويستعملون 2 % فقط من كمية المياه القطرية، وقد قامت إسرائيل بتدمير الزراعة الفلسطينية التي كانت من أهم مصادر العمل والرزق، وذلك في أعقاب مصادرة الأراضي وتشديد قواعد استعمال المياه، ومنع العرب من بعض فروع الزراعة، وعدم استصدار رخص لمربي الدواجن من العرب وحصر هذا الفرع في المزارعين اليهود، تقنين الصادرات الزراعية العربية ووضع شروط ومواصفات تصدير لا تلائم المزارع العربي وقلة موارده، خنق فروع زراعية ناجحة كفرع زراعة الورد الذي نافس المزارعين اليهود، ومحاولات حالية لخنق فرع التوت الأرضي.

 

فهل يعقل أن تقوم نقابة الزراعة الأردنية بتطبيقدعوى عدم التطبيع على المزارعين والزراعة الفلسطينية داخل إسرائيل؟

 

لقد كان صندوق التعاون أول من أدرك حاجة فلسطينيي الداخل إلى دعم رأس المال الفلسطيني والعربي، فقام بمشاريع أنقذت العديد من منازل عكا العربية من المصادرة أو الهدم، وقام بعدة مشاريع لرفع الوعي وتعزيز الهوية العربية لجيل الشباب، فهل يعد ذلك تطبيعا؟

 

ثم إن أهم مشروع للتواصل هو فتح أبواب الجامعات الأردنية أمام طلابنا من الداخل، حيث يدرس اليوم في الأردن زهاء 7000 طالب. لقد جرى كل ذلك مباشرة وبلا علاقة بالمؤسسة الإسرائيلية. كل جماهيرنا الفلسطينية في الداخل ترى في هذا المشروع نموذجاً للتواصل الحقيقي والبناء، ويمكن الاستناد إليه في توسيع باب التواصل مع العالم العربي، والأردن هو البوابة الرئيسة لهذا التواصل.

 

نحن نعلم أن الدعوة للتواصل ودعم المبادرات الثقافية والاقتصادية العربية، قد تفتح الباب الخلفي للتطبيع، لكن القوى الوطنية في الأردن لن تعدم الوسيلة للفرز بين دعم الاقتصاد والصمود الفلسطيني الوطني في الداخل وبين التطبيع.

"الغد الأردنية"

انشر عبر