شريط الأخبار

"فهمونا"..الدكتور عاطف أبو سيف

02:48 - 22 تشرين أول / نوفمبر 2010

 

"فهمونا"..الدكتور عاطف أبو سيف

لا أحد يفهم ما يحدث تحديداً، فقطار المصالحة يسير على سكة حديد مجهولة، ومحطاته ليست مهمة، على ما يبدو للمسافرين، فذات صباح قد نصحو فنجد الأخبار تبلغنا أنه كاد يقترب وأنه أقرب من حبل الوريد، وفي المساء وبعد أن نغفو وقت القيلولة قد تقول لنا الأخبار إن ثمة "خللاً فنياً" بسيطاً أعاق وصول القطار. وتفسير ذلك وتبيان مكامن الخلل ليس مهماً بالنسبة إلى قارئ نشرة الأخبار لأنه على ما يبدو، أيضاً، فإن المسافرين قد ملوا اللعبة، فلم تعد تعني لهم شيئاً، فهم جالسون في مقاعدهم والقطار يسير أو يقف لا يعنيهم بشيء، كأن الأمر يدور عن رحلة أخرى غير تلك التي يقومون بها. وأن الحديث عن مصير أناس آخرين غيرهم. لا يهم إذا تفجر القطار أو اصطدم بجبل من الأزمات واشتعلت فيه النيران مثلما حدث في حزيران الدامي قبل ثلاث سنوات ونصف (هل يصدق أحد أن ثلاث سنوات ونصف قد مضت والبعض قال إنها غمامة صيف وخلاف بسيط). كما لا يهم أحد أن يوضح لنا ما الذي كان خلف بواعث الأمل التي اتقدت فجأة في روحه وجعلته يدفعنا للتصديق بأن ثمة مصالحة قادمة لا محالة وأن القضية قضية وقت وأن كافة القضايا العالقة في طورها للحل، أو أن يقف أحد الناطقين عشاق الجزيرة ليشرح لنا بالضبط ماذا يريد منا أن نصدق؟ هل نصدق مثلاً حقاً أن الوحدة الوطنية مهمة بالنسبة له وهو غارق في فيلته خارج الوطن يتألم على غياب الوحدة الوطنية، أو أن نصدق أن القضايا الخلافية خطرة ولا يمكن السكوت عنها وأن الحديث يدور عن معركة خيبر جديدة وأن حق العودة ليس مهماً بهذا القدر، أو أن نصدق أن الفرق بين كلمتي "توافق" و"تشاور" وعبارات من باب "على أسس مهنية" أو "على أسس وطنية" تمس جوهر الحقوق الوطنية وهي، ليست الحقوق بالطبع، غير القابلة للتصرف أيضاً. ماذا يريدنا أن نفهم. ثمة تقليعات في السياسة العربية من باب "خنقتونا" و"ازهقنا" وغيرها تنطبق على الواقع الفلسطيني.

هذا التيه الذي يحسه المواطن يحرمه المقدرة على الأمل، على التفكير بمستقبل أفضل، وهو ما جعل الكثيرين يفقدون ثقتهم بالماضي الجميل الذي ناضلوا فيه نحو مستقبل أفضل. وهم حين يرون هذا الواقع الذي أنتجه ماضيهم ونضالهم وصبرهم يصابون بالخيبة، الخيبة الكبيرة لأن المولود مشوه ولأنهم لم يحلموا يوماً ولا في أسوأ كوابيسهم بأن هذا الخلاف الداخلي بأسمائه المختلفة التي لن يحد أكثرها لطفاً من قبحه سيكون نتيجة لمسيرة طويلة من العناء والشقاء.

لا أحد يعرف المخرج من هذا التيه لأن الشعب صاحب الكلمة الفصل في هذا مغيب، فالانتخابات تثير حساسية البعض ولا يريدها وكأن الحديث لا يدور عن مصيره بل مصير شعب آخر. لماذا لا تقوم الأطراف المتشاجرة بمناظرة أمام الناس لتفسير وجهة نظرها بعيداً عن الردح السياسي والتكفير والتخوين وما شابه، مناظرة إنسانية تعود بالخطاب السياسي الفلسطيني إلى مرحلة العقل، وتقترب من المواطن وتحاول أن تشرح له. وإذا اقتضى الأمر إجراء استفتاء عام حول البنود المختلف عليها ليقرر الناس ماذا يريدون في كل نقطة، فهم الأجدر بأن يقولوا الكلمة الفصل في طبيعة نظامهم السياسي إذا كان للنقاط الخلافية أي علاقة مصيرية بجوهر هذا النظام.

على ما يبدو، ويتمنى المرء أن يكون مخطئاً رغم ذلك، فإن المصالحة لن تتم. وللذين يستبشرون بإمكانية التوقيع فإن التوقيع قد يحدث. وللأسف فإن قطار المصالحة وسير عجلاته جعل من مجرد التوقيع إنجازاً لأن المهم هو التوقيع خاصة بعد رفض حماس المستميت التوقيع وجعلها التوقيع الحادث الأهم في تاريخ الحركة الوطنية. لذا فإن التوقيع قد يحدث لكن المصالحة لن تتم. فالشيطان لا يكمن في التفاصيل فحسب بل إن مراحل تنفيذ الاتفاق إن تم ستستغرق سنوات. عملية معقدة وطويلة ببساطة لأن أحداً لا يشعر بالناس ويدرك أنها حقاً زهقت وتريد أن يتغير الحال ويتبدل. يريدون أن يستيقظوا من النوم فيجدوا أن ما حدث كان حلماً وأن العذابات التي تكبدها أبناء الجلدة الواحدة من أبناء جلدتهم لم تكن إلا درباً في كابوس مؤلم، وليست حياة أبدية.

في مسرحية الكاتب الإيرلندي صمويل بكيت الشهيرة "في انتظار غودو" هناك طفل صغير يدخل في نهاية المشهدين ليخبر بطلي المسرحية أن غودو يقول إنه قادم غداً ويخرج. بطلا المسرحية ينتظران غودو الذي وعد كلاً منهما على انفراد أنه قادم لكنه لا يفعل. يتسليان بالحديث عنه وتقصي أخباره من بعضهما لنكتشف أن أياً منهما لم ير غودو ولا يعرفه، لكنهما متأكدان أنه قادم، لذا فهما ينتظرانه. التفاصيل الأخرى في المسرحية ليست مهمة بقدر أهمية هذا الانتظار العبثي الذي تقوى عليه النفس البشرية في سعيها نحو الخلاص أو في تشبثها بأي قشة قد تأتي بها أمواج الحياة لعل فيها يكون المخرج من حالة التيه. أليس هذا حالنا؟ على كل، في العرض الأول للمسرحية في باريس ظل جمهور المسرح واقفاً على باب المسرح ولم يغادر رغم إغلاق الستارة وانتهاء العرض لأنهم هم أنفسهم أخذوا ينتظرون غودو. المصالحة الوطنية تشبه غودو ونحن نشبه كل هؤلاء الحالمين الراغبين في الخلاص الذين ينتظرون وصوله، حتى لو لم يرد أن يصل لا نملك إلا أن ننتظره، فماذا نملك غير ذلك، لعله يصل ولعل حالة الانتظار العبثية هذه تنتهي. لكننا لسنا بحاجة لمخرج يواجهنا بالحقيقة المؤلمة وهي أن قطار المصالحة لن يصل وأن غودو مجرد فكرة جميلة لا تتحقق مثل المصالحة بل نحن بحاجة إلى طفل يقفز إلينا من كوابيس المسرح يرمي في وجوهنا الأمل بأن "واقع الحال" لن يدوم وأن المصالحة ستصل "إذا مش اليوم بكرا".

-عن الأيام المحلية

انشر عبر