شريط الأخبار

لنمسك المتملص..معاريف

04:23 - 16 تموز / نوفمبر 2010

بقلم: بن كاسبيت

الجدال السياسي لم يبدأ بعد، المجلس الوزاري لم يجلس بعد. السباعية بحثت واعضاؤها، بوغي يعلون مثلا، رووا أمس لمن اراد فقط ان يسمع بان الرزمة الامريكية "مفتوقة"، ان المداولات في ذروتها، وان المسائل مفتوحة وصعبة. وها هو، بعد كل هذا، في ذروة المساء، جاء الرئيس الامريكي براك اوباما وصرح بان كل الاحترام لنتنياهو على تمديد التجميد، "فهذا يثبت بانه جدي".

        مع جدية كهذه، ما العجب في أن الجميع يضحكون. إما أن يكون اوباما أخرق لدرجة أنه بهرائه كشف عن بؤس القصة برمتها وعن كون دولة اسرائيل "خرقة"، بلدة يهودية محوطة بالاغيار، وحكومتها هي، في واقع الامر، لجنة لجالية. أو ان اوباما شرير لدرجة أنه لم يفوت فرصة اخرى كي يجعل شريكه من القدس أداة فارغة على نحو خاص، يحاول أن يسوق لحكومته ولشعبه صفقة رزمة ويسعى الى قرار مصيري فيما أنه يتضح في هذه الاثناء بان القرار سبق أن اتخذ أو ان يكون الجوابان صحيحان: اوباما أخرق وشرير في نفس الوقت. احيانا، هكذا يبدو هذا حقا.

        من أجل الدخول الى رأس بنيامين نتنياهو ينبغي لنا أن نفهم طريقة تفكيره. رغم أنه ليس فيهما كبيرا في الرياضة، الا ان رئيس الوزراء يفكر بمفاهيم كرة القدم. وهو يلعب الخندق. من ناحيته، نحن بتنا في الشوط الثاني. استراتيجيا، لم يعطِ بعد أي شيء. النتيجة، في نظره، لا تزال صفر للطرفين. كم من الوقت سيكون له كي يحتمل هذه الادارة الامريكية؟ معظم النصف الثاني، يقول بيبي لنفسه، سيكون زمن جراح. في مرحلة معينة اوباما سيبدأ بالفهم بان من الاهم له أن ينتصر في الانتخابات القادمة من أن ينتصر على اوباما، وسيخف عنه. بيبي لا يتجرأ على التفكير بالامكانية الثانية. تلك التي تمنح اوباما ولاية اخرى. مع المشكلة يأتي الحل. وعليه، فان نتنياهو الذي نراه هو نتنياهو تكتيكي، يضيع الوقت ويرتجل خطوات عابثة، المهم الا يعطي أي شيء حقيقي في هذه الاثناء. مشكلة نتنياهو هي أن الواقع لا يتعاون مع هذه الاستراتيجية. إذ أن التجميد التالي الذي رسمت نقاطه الاساسية في "معاريف" قبل اسابيع طويلة يفترض أن ينتهي بترسيم حدود الدولة الفلسطينية. هو، بنيامين ابن بن تسيون نتنياهو، يفترض أن يحل النزاع التاريخي الاقليمي الذي لم يحل منذ 43 سنة، في عدد لا يحصى من المفاوضات السياسية. هو بالذات وقع عليه هذا. في الاجنبي، يسمون هذا "كورلز" (مسار ذبح العجول). من اللحظة التي يدخل، لا مخرج.

        يمكن السير فقط الى الامام، او الذبح. ليس فقط ان نتنياهو جاء الى الحكم دون أي خطة جديرة باسمها، ليس فقط أنه متذبذب دون خجل، على عرض كل الجبهة، بل الان يتبين انه ايضا يحرص على تكرار الاخطاء التاريخية الاكثر جسامة التي ارتكبها. بالضبط مثلما في حينه، حين عاد من واي بلانتيشن. غير السياسة الى اليسار، ولكن لم يقصد حقا، ولما كان لم يقصد، فانه لم يغير الائتلاف ايضا، وهكذا سقط.

        اذا اراد نتنياهو حقا، فانه سيقر هذه الرزمة الامريكية. رغم المعارضة العنيدة وغير البسيطة، ولا سيما من نائبه، بوغي يعلون وسلفان شالوم، اللذين انقضا عليه فورا مع بدء جلسة "وزرائنا" أمس. واحد (بوغي) من الجناح الامني، الثاني (سلفان) من الجناح السياسي – الحزبي، الثالث (بيني بيغن) لم يأتِ، ولكن كما قال احد ما أمس، في سن 68 لن يكون لبيغن المعهد الجيولوجي الذي سيجد فيه ملجأ له. من الصعب الافتراض بان عليه سيقوم أو يسقط التجميد الثاني.

        تقسيم العمل بين شالوم ويعلون مثير للاهتمام: سلفان أكثر شجاعة، يتحدث وينتقد علنا. صغير عليه. داخل الغرفة، يعلون بالذات هو الاكثر فظاظة. معلل، مقنع، مفعم بالايمان بصحة الطريق، يعلون لا ينتقي الكلمات. في المداولات الداخلية يقول ان نتنياهو سقط في أسر ايهود باراك الذي يمارس عليه الرعب. وان كل شيء، بما يشمل كل شيء، هو طبخة باراك، الذي بالاجمال يريد أن يبقى وزير دفاع (على حساب بوغي، الذي يريد هو ايضا، بالطبع). الرزمة الامريكية هي اغراء، سحر عابث، معظم الامور هناك لا تساوي حقا الضجيج الذي تحدثه. ان اسرائيل تفقد مصداقيتها، تدفع بالعملة الصعبة (الحدود) ولا تتلقى أي مقابل. ان نتنياهو يدخل نفسه في زقاق بلا مخرج. الخير لن يخرج منه. والى أين مستعد لان يسير بوغي في هذا الاحتجاج؟ ليس واضحا. في هذه الاثناء هو بمثابة "المقنع". بالاساس لنفسه. لديه مشكلة. فهو غير معني بان يدخل في الخانة الكدية لنتنياهو.

        لانه لن يصل بعيدا. ليس في اسرائيل رئيس وزراء شق طريقه الى القمة عبر "يشع" (المستوطنين). هناك الكثير من رؤساء الوزراء الذين حرثوا على ظهر رجال يشع. يعلون، في هذه الاثناء، ينحصر في مبادئه الامنية. معقول الافتراض بانه لن يرفع لواء التمرد حقا. لبيبي ستقوم مجموعة معارضة صاخبة في الليكود، ولكن لن يكون لها زعيم طبيعي. سلفان شالوم سيشجع من وراء الخطوط، ولكنه لن يضحي بنفسه.  فهو فهيم أكثر من ان يفعل ذلك. أفيغدور ليبرمان؟ سيجعل لنتنياهو الموت، ولكنه لن ينسحب. سيركز على حرب العصابات، على العقوبات الصغيرة والاليمة في الطريق الى الجائزة الكبرى: قيادة اليمين الاسرائيلي في الانتخابات القادمة. مشوق أن نعرف ماذا يحاول الامريكيون تحقيقه في هذه الخطوة. فهم يدفعون ثمنا باهظا، 20 طائرة متملصة، حوالي 3 مليار دولار، وليس واضحا من اجل ماذا. رأيهم الحقيقي عن نتنياهو يمكن ان نقرأه، أمس ايضا (مثلما في كل اسبوع) لدى توم فريدمان، الذي وصف نتنياهو أمس كمن يفكر بانه يعرف كيف يطير، ولكنه في واقع الامر يسقط من الطابق الثمانين ومقتنع بان كل شيء على ما يرام الى أن يتحطم.

        إذن من أجل ماذا كل هذه المتملصات؟ الامريكيون لم يدرجوا على القاء مقدراتهم في الفراغ. فهم يستثمرون 20 متملصة، كي يقبضوا على متملص واحد. المتملص هو رئيس وزراء اسرائيل، بنيامين نتنياهو. وهم يعرفون بانه اذا ما اغري فادخل الى الكورلز (مسار الذبح) فانهم "سيمزقون القناع عن وجهه". وهو سيتعين عليه أن يكشف أوراقه. فهل أنت لنا، يا بيبي، أم علينا. هل أنت مستعد لان تحل هذا النزاع، أم انك مجرد تحاول تمرير الوقت. هذه هو استثمار الامريكيين، هو هذا الطعم، هذا هو الشرك.

        نتنياهو يسير الان الى داخله برأس مرفوع. فهو يعرف هذه الوضعية على نحو ممتاز. فقد كان فيها مرات عديدة جدا، وهو دوما سيدفع الثمن الاعلى لقاء البضاعة الاكثر استعمالا، وسيتورط مع الجميع وسيطرد من الساحة. كيفما اتفق، متى اتفق، فانه دوما سيجد نفسه وحيدا، عديم القوى او العاطفين، دون تصفيق من أحد بعد أن يكون نجح في يكره نفسه على كل الاطراف بالتوازي.

        كانت أمس ايضا ذكرى لدافيد بن غوريون، رئيس الوزراء الاول ومؤسس دولة اليهود. يمس شغاف القلب قراءة الكلمات التي تلاها هناك تلميذه، رئيس الدولة شمعون بيرس. فقد اقتبس عن بن غوريون: "الزعيم يجب أن يحسم: إما الحرب أو أخذ المخاطرة، إما السلام أو دفع الثمن"، اقتبس بيرس عن معلمه "سياسة روتسكي في اللاسلام واللاحرب ليست سياسة بل محاولة تذاكي..." وبعد ذلك انتقل ليرسم صورته: "لم يتزلف لاحد ولم يطلب تزلفا من غيره. المطلوب للشعب سبق في نظره ارادة الشعب. حتى عندما كان وحيدا بقي رجلا مصمما. الاغلبية لم تؤيده دوما. ولكن كانت دوما أغلبية رفضت البقاء بدونه. لم يخف الحذر. لم يتردد في التنازل، فقد ولد ليحسم... كان الاول الذي أيد حل الدولتين للشعبين. وهو لم يتخلَ عن حقنا في بلاد اسرائيل. ولكنه اعتقد ان واجبنا الفوري هو انقاذ الشعب".

        هكذا تحدث بيرس وذهب بعيدا في رسم صورة الرجل الذي كان بن غوريون. وهو أيضا عرف بان الازمنة مختلفة، الرياح مختلفة، النفوس العاملة باتت مختلفة بحيث لم يعد احد يعرفها. لا مجال لمحاكاة بن غوريون. بقي فقط الشوق.

انشر عبر