شريط الأخبار

غناء مُعادي السامية.. معاريف

02:12 - 12 تموز / نوفمبر 2010

بقلم: بن درور يميني

(المضمون: جعل العرب اليهود واسرائيل والصهيونية علّة كل أزمة في العالم العربي برغم أن أزمات العالم العربي موجودة قبل نشوء اسرائيل - المصدر).

أجرى عمرو موسى، الأمين العام للجامعة العربية، مقابلة صحفية مع صحيفة كندية مهمة هي "تورنتو ستار". لنترك المقالات المتوقعة سلفا، وفي جملتها التهديد بأن الفلسطينيين سيتركون طاولة التفاوض (متى انضموا بالضبط؟ فهم مشغولون باشتراط شروط سابقة). سأل مُجري اللقاء موسى عن وضع النساء في العالم العربي وعن الديمقراطية التي تأخر وصولها.

هل ثمة احتمال أن يُعبر موسى عن نقد ذاتي؟ لا احتمال. فهو يعترف بأن الوضع غير جيد لكن عنده علّة هي الصراع الاسرائيلي – الفلسطيني. فاذا ما حُل فقط فسينمو العالم العربي، وتبلغ حقوق النساء كل زاوية، ويزهر الاقتصاد، وتنمو جنة عدن للعالم الحر إزاء نواظرنا. لا أنه لا أحد في الصومال من القوى المتحاربة لا يعلم أين اسرائيل على الخريطة، ولا أن الجبهة الاسلامية في الجزائر متأثرة بالبناء في اريئيل، ولا أن الوهابيين أو الاخوان المسلمين نشأوا بسبب الصهيونية – لكن لا ينبغي أن نُبلبل موسى بالحقائق. وعلى العموم بدأ الاحتلال في 1967. فهل عاق أحد العالم العربي عن النمو حتى ذلك الحين؟.

ليس موسى وحده. فثمة تيار عظيم من الساسة والصحفيين والجامعيين ورجال الدين بطبيعة الامر، يتهمون اسرائيل بكل تأخر أو تخلف للعالم العربي. كان يمكن أن نتوقع من عمرو موسى أن يعلو فوق الخطاب الضحل. لكن لا. يجب عليه أن ينشد نشيد الجوقة. اسرائيل مذنبة.

قبل بضع سنين نشر سفير سوريا في لبنان آنذاك، الدكتور سامي الخيمي، مقالة عرض فيها تجاربه بعد أن عاد الى بلاده يندب بؤس دمشق. واليكم ما يقول: "سألت نفسي – ما الذي جعل دمشق أجمل المدن تجمُد هكذا في مكانها؟ الطغيان الصهيوني، واسمحوا لي أن أزيد ايضا الطغيان الامريكي، وبعد ذلك فقط يأتي العامل المحلي، أو نظم الحكم السياسية، التي جاءت دِراكا ووقفت حيرى إزاء الطغيان، ومنذ الخمسينيات أخذت باجراءات اقتصادية صارمة قصيرة اليد".

كيف بالضبط سبّب الطغيان الصهيوني بؤس دمشق؟ هنا تختلط معاداة الصهيونية بمعاداة السامية ويُمحى الفرق بينهما. يسأل الخيمي: "هل بلغت الصهيونية هذه الدرجة من الهيمنة على السياسة العالمية، تجعل وزنها السياسي والاقتصادي والعسكري لم يعد يُحتمل؟ والجواب "نعم".. أصبح اللوبي الاسرائيلي هو الأقوى من جهة اقتصادية وسياسية.. فهو يسيطر على قطاعات مهمة من الاقتصاد العالمي والصحافة ووسائل الاعلام".

اليهود واسرائيل والصهيونية – علّة كل أزمة. يُعبر موسى على نحو لطيف. أما آخرون كالخيمي فينزلقون الى معاداة السامية القديمة. لا جديد هنا. في كتاب يهوشباط هركبي "مواقف العرب من اسرائيل" فصل عنوانه "تصدير الذنب"، يصف الظاهرة بدقة. لا توجد مسؤولية ذاتية. الآخرون فقط مذنبون. الكتاب الذي صدر في 1972، يعتمد على بحث دكتوراة أُكمل في 1967 قبل شهر من حرب الايام الستة. ونُذكّر مرة اخرى بأنه لم يكن احتلال آنذاك. يتبيّن انه مر أكثر من اربعين سنة ولم يتغير شيء.

*   *   *

الهجوم على المدعي العام العسكري الرئيس، افيحاي مندلبلت عار. فالرجل الذي عمل عملا صعبا للفحص عن دعاوى غولدستون أصبح عند حمقى قريتنا مندوبا لغولدستون. إن مندلبلت هو الشخص الذي اضطر الى مواجهة بحر من الدعاوى الشديدة أثارتها "منظمات حقوق الانسان" من العالم ومن اسرائيل. تبيّن أن أكثر الدعاوى داحضة. لمندلبلت جزء مركزي في تقرير الرد الذي أرسلته اسرائيل الى الامم المتحدة – وهو تقرير يفحص عن الدعاوى، واحدة واحدة ويُبيّن حماقتها.

يوجد عندنا الآن من يجعل مندلبلت عدو الشعب، لانه وجد بين مئات الشكاوى التي قُدّمت على الجيش الاسرائيلي، شكاوى حق ايضا. فقد نُفذت تجاوزات ايضا. صحيح أن الحديث عن تجاوزات تجعل اسرائيل نقية كالثلج، قياسا بالتجاوزات التي كُشف عنها قبل بضعة اسابيع في شأن الجيوش الغربية الاخرى. صحيح ان ليس الحديث عن اعمال قتل جماعية ولا عن قتل من اجل القتل. وصحيح أن الحديث عن تجاوزات تمت في ظروف معركة وفي ضغط. لكن وقعت تجاوزات. ومن يطمس عليها، ومن يُحجم عن الكشف عنها، يخدم كارهي اسرائيل – الذين يزعمون انه لا يوجد أي صدق لتحقيق اسرائيل الذاتي.

اجل، قلبي مع الجنود الذين يُغضبهم مجرد المحاكمة. لكنهم مخطئون. فعلى خلفية النسبة الى الشيطان وسلب الشرعية – يستحق مندلبلت وسام شرف. انه يحقق ولا يطمس على الحقائق. واذا وجد انه كانت تجاوزات، واذا قرر ان هذه التجاوزات تقتضي تقديم لوائح اتهام – فقد قام بعمله باخلاص.

*   *   *

قبل اسبوعين تم نقاش في كامبردج، كان عنوانه "اسرائيل دولة خطرة". وكالعادة في حلقات الجدل في جامعات بريطانيا، كان النقاش جديا على نحو مدهش، مع ترتيب منظم لمتناقشين، ثلاثة في كل جانب، مع وقت محدود لكل متحدث وتصويت في نهاية النقاش.

في الجانب الذي كان يفترض أن يكون فيه مُعادٍ لاسرائيل ظهر ايضا اسم جد غير معروف وهو جبريئيل لاتنر، وهو طالب حقوق. في العلوم السياسية يُنسب مصطلح "دولة خطرة" احيانا الى دول تُعرض سلام العالم للخطر. فحص لاتنر عن التفسير الدقيق لكلمة "rogue" في الانجليزية، ووجد أن الحديث عن سلوك غير طبيعي، ومختلف، وشاذ، لا يلائم الزمان والمكان. وليس بالضرورة تعبيرا سلبيا كالذي قصد اليه مُنظمو النقاش. وقد بيّن لاتنر أن اسرائيل هي دولة شاذة حقا. شاذة جدا. ففي كل مجال يُفحص عنه، نرى سلوكها "غير طبيعي". بدءا بنظرتها الى المثليين والى اللاجئين اليها، ثم الى قصف المفاعل الذري العراقي. وقال تخيلوا أن اسرائيل كانت دولة طبيعية، تسلك سلوك جاراتها في الشرق الاوسط، بحيث تلائم نفسها للزمان والمكان. كانت النظرة للوطيين واللاجئين تكون مثلا كما هي في ايران أو في السعودية، وما كان المفاعل العراقي ليُقصف. هذا مخيف أليس كذلك؟ لنأمل جدا، أنهى حديثه، بأن تستمر اسرائيل على كونها شاذة، لان العالم الطبيعي لن يقصف المفاعل الذري الايراني. ثمة احتمال أن تفعل ذلك دولة "مجنونة" فقط وتنقذ العالم.

كان في الجانب المناصر لاسرائيل ايضا شيراز ماهر، الذي كان في الماضي عضوا في حركة اسلامية متطرفة (حزب التحرير)، وأصبح اليوم باحثا وصحفيا، يناضل مع مسلمين اصلاحيين آخرين التطرف والجهاد العالمي. وجلست في الجانب المعادي لاسرائيل الصحفية لوران بوت ("نشيطة حقوق انسان"، وهي كنّة طوني بلير، وهي مقدمة برامج في التلفاز الايراني باللغة الانجليزية، اعتنقت الاسلام في المدة الأخيرة). يجب الاعتراف بأن النقاش لم يكن متوازنا، لان واحدا من المتحدثين الثلاثة في الجانب الذي كان يفترض أن يكون مُعاديا لاسرائيل، سرق العرض. إن اقتراح اعلان أن اسرائيل "دولة خطرة" رُفض. لان بوت كانت متطرفة جدا على اسرائيل، ولان الجانب المناصر لاسرائيل، ويشمل ماهر المسلم ولاتنر المسرحي، كان أكثر إقناعا.

كل من يستهين بقدرة الدعاوى الجيدة على تغيير الرأي العام يحسن أن يفكر مرة اخرى. لا يعني انه يجب الموافقة على كل دعاوى لاتنر. أخشى أن يكون اخطأ هنا وهناك. بيد انه توجد احيانا حاجة الى الاشخاص الصحيحين في المكان الصحيح. ليصبح كارهو اسرائيل سُخفاء. حدث هذا في كامبردج. ويمكن أن يحدث في كل مكان.

انشر عبر