شريط الأخبار

هل سيحل لقاء دمشق عقدة العقد؟ هاني المصري

08:31 - 09 حزيران / نوفمبر 2010

هل سيحل لقاء دمشق عقدة العقد؟ هاني المصري

تشهد العاصمة السورية اليوم اللقاء المرتقب الثاني بين "فتح" و"حماس" الذي سيفتح نجاحه طريق التوقيع على الورقة المصرية، وسيكون تحولا ملموساً يسمح باستئناف الحوار الوطني الشامل المعطل من حوالي عامين، ما يضعنا أمام وضع جديد عنوانه بدلاً من توقيع او عدم توقيع الورقة المصرية، تطبيقها او عدم تطبيقها، وإذا فشل سيبقينا في دائرة البحث عن المصالحة المفقودة .

لقد تراجعت موجة التفاؤل التي رافقت اللقاء الاول ولم تتحقق نبوءة عزام الاحمد بعقد احتفال المصالحة بعد اسبوعيين، وحل محل التفاؤل حذر بالغ من السياسيين وعدم اكتراث من المواطنين الذين لم يصدقوا حتى الآن أن لحظة المصالحة الوطنية قد اقتربت.

إن الخلاف على الأمن كان من أهم الأسباب التي أدت إلى انهيار اتفاق مكة وحكومة الوحدة الوطنية .

لذا، بدون اتفاق على الأمن لا يمكن الاتفاق على أي شيء، وإذا حدث الاتفاق رغماً عن ذلك، فإنه سرعان ما ينهار، فلا يمكن ان تؤدي تعددية الاسلحة داخل سلطة واحدة سوى الى التدمير الذاتي .

نظرياً يمكن أن يتحقق الاتفاق الأمني إذا وافقت "فتح" و"حماس" على شراكة في كل شيء تبدو مستبعدة حتى الآن، او إذا وافقت "حماس" على صيغة لا تتضمن اشتراكها في قيادة الأجهزة الأمنية في الضفة الغربية، وهذا غير مرجح حتى الآن.

يمكن لـ "حماس" أن توافق على ذلك في حالة واحدة هي إذا تغاضت "فتح" والسلطة عن استمرار قيادتها للأجهزة الأمنية في قطاع غزة، بحيث تكون خاضعة لها بينما هي خاضعة لـ "فتح" في الضفة الغربية وفي هذه الحالة نكون أمام إدارة الانقسام، واقتسام السلطة عبر اقتسام الأجهزة الأمنية .

عملياً يتحقق الاتفاق على الأمن إذا تم تطبيق القانون الفلسطيني على الأجهزة الأمنية وعلى كيفية التعامل مع المقاومة وسلاحها وعلى عقيدة أمنية وطنية، وعلى مهنية ولا حزبية الأجهزة الأمنية قولا و فعلا.

ما بين الآمال بالمصالحة البعيدة وواقع الانقسام الحاصل نجد الهوة شاسعة، فالجميع يتحدث عن ضرورة أن تكون الأجهزة الأمنية مهنية ووطنية بعيداً عن الحزبية، ولكن الكلام في واد والواقع في واد آخر.

فالغالبية الساحقة من أفراد وكوادر وقيادة الأجهزة الأمنية في الضفة تنتمي لـ "فتح". صحيح أن هناك محاولات لخلق أجهزة أمنية مهنية جديدة بالضفة إلا أن هذه المحاولات لا تزال في بدايتها، ولا يزال تطل عليها ظلال سوداء بسبب التزامات المنظمة والسلطة الأمنية مع إسرائيل والتنسيق الأمني مع الاحتلال وإشراف الضباط الأميركيين على تدريب وتأهيل أفراد الأجهزة الأمنية وإعادة بنائها على أساس خلق" الفلسطيني الجديد" ، كما قال كيث دايتون الضابط الأميركي السابق الذي أشرف على إعادة بناء الأجهزة الأمنية في الضفة الغربية.

كما أن الأغلبية الساحقة من أفراد وكوادر وقيادة الأجهزة الأمنية في قطاع غزة تنتمي لحركة حماس، وأصبحت بعد الانقسام تمارس مهامها بصورة غير شرعية وتضمن هدنة واقعية غير متفق عليها مباشرة مع الاحتلال، ومن يقوم بخرقها أصبح متمرداً في أحسن الأحوال ولا وطني في أسوأها .

إذا أراد الطرفان الاتفاق أمنياً، عليهما الكف عن تقديم تبريرات للانقسام باسم الشرعية او الوطنية او المقاومة والاعتراف باختلاف الظروف بالضفة عنها في غزة، فالاحتلال بالضفة مباشر ويأخذ شكل الاجتياحات الدائمة لمناطق السلطة، الأمر الذي يعني أن الاحتلال لن يسمح لـ "حماس" بأن تشارك في قيادة الأجهزة الأمنية في الضفة إذا لم توافق على شروط اللجنة الرباعية الدولية، هذا حتى اذا وافقت السلطة على ذلك.

ان الاحتلال في غزة يأخذ شكل الحصار ومنع حرية الحركة والسيطرة على المياه الإقليمية والأجواء ومعظم المعابر الحدودية، ويأخذ شكل العدوان والقصف والتوغل والاغتيالات، بما يسمح لتعامل مختلف مع الأجهزة الأمنية في القطاع عما هو كائن في الضفة.

كيف يمكن للاختلاف بالظروف بين الضفة وغزة أن ينعكس على الملف الأمني، هذا ما نحن بحاجة إلى دراسته واتخاذ قرار بشأنه بكل مسؤولية؟

يمكن أن يكون القرار بأن تحتفظ المقاومة بسلاحها في غزة على أن تشكل جبهة مقاومة وطنية موحدة يخضع لها الجميع كما نصت وثيقة الوفاق الوطني.

ويمكن أن تدمج المليشيات المسلحة في جيش وطني يضمن وحدة السلاح والقيادة والقرار على أن تكون من مهمات هذا الجيش الدفاع عن الوطن والمواطنين، وممارسة المقاومة إذا أرادت القيادة الوطنية الموحدة ذلك.

ويمكن ان تتغاضى "حماس" عن مشاركتها بقيادة الاجهزة الامنية في الضفة مؤقتاً إلى أن تتغير الظروف مقابل ان تأخذ شيئاً بدلا عنها في السلطة او المنظمة .

أن الاتفاق على الملف الأمني يبدو سهلا كما صرح إسماعيل الأشقر عضو وفد "حماس" للقاء دمشق، حيث قال إن المطلوب فقط هو التوافق على تشكيل اللجنة الأمنية التي ستشرف على بناء وهيكلية الأجهزة الأمنية، لكنه في الحقيقة أمر صعب جدا لأنه بحاجة إلى إرادة تتحدى الاجندات الخارجية لأن ما يتم الاتفاق عليه فلسطينياً لا يمكن تطبيقه الا عبر كفاح، إذا لم يحصل على موافقة سلطات الاحتلال خصوصا في الضفة الغربية .

إن هذا يقودنا مرة أخرى إلى المضمون السياسي لاتفاق المصالحة، فبدون الاتفاق على كيفية التعامل مع المقاومة والمفاوضات ووضع السلطة والمنظمة بما في ذلك الاتفاقات والالتزامات مع إسرائيل والحريات والحقوق الفردية والعامة وقواعد حل الخلاف سلمياً وديمقراطياً وقانونياً، لن نجد حلا وطنيا جامعا للمسألة الأمنية، وإنما سنكون أمام اقتسام للأمن والأجهزة الأمنية باتفاق أو بدون اتفاق. وإذا تم الاتفاق على المضمون السياسي يمكن أن يساعد ذلك كثيراً على الاتفاق على المسألة الأمنية رغم ان امكانية تأجيل هذا الملف تبقى واردة .

أن تقاسم الأمن وصفه مؤكدة لتكريس الانقسام وأسرع طريق للاقتتال والانقلاب . لكن وحدة السلاح بحاجة إلى وحدة العقيدة الامنية و البرنامج الوطني والأدوات والقرار أو على الأقل بحاجة إلى توافق وطني على الاهداف الأساسية وأشكال النضال الرئيسية وقواعد العمل الديمقراطي التي تحكم البيت الفلسطيني.

تأسيساً على ما سبق إذا أردنا الوحدة خصوصاً في الملف الأمني لا بد من أن تكون في مواجهة الاحتلال ومخططاته التوسعية والإستيطانية والعنصرية، وفي سياق إعادة الاعتبار للبرنامج الوطني وإعادة تشكيل المنظمة بحيث تضم مختلف ألوان الطيف السياسي على أسس وطنية و ديمقراطية.

أن الوحدة لن تتحقق ما دام الرهان على المحاصصة الفصائلية وعلى إدارة الانقسام وتفضيل الحفاظ على غزة في يد "حماس" والضفة في يد "فتح" على أي شيء آخر، والرهان على المفاوضات وعملية التسوية ما دام الانتظار لنتيجة الجهود الأميركية واستئناف المفاوضات والرهان على التحالفات الخارجية، هو سيد الموقف، وما دامت الالتزامات والاتفاقات مع إسرائيل قائمة رغم عدم التزام الاحتلال بها جملة وتفصيلا . عندما يتم التفكير فعليا بالبدائل عن المفاوضات ويتم وقف التزامات السلطة عندها سيفتح جدياً باب الخيارات والبدائل الأخرى، بما فيها خيار المصالحة الوطنية المؤجل حتى إشعار آخر.

إن المأزق الوطني الفلسطيني شامل وبحاجة إلى رؤية إستراتيجية متكاملة قادرة على تجاوز وتحقيق الأهداف الوطنية التي عجزنا عن تحقيقها حتى الآن!!!!

-عن صحيفة الأيام المحلية

 

 

 

انشر عبر