شريط الأخبار

النص الكامل لكلمة الدكتور رمضان شلّح الأمين العام لحركة الجهاد في مهرجان الذكرى الثالثة والعشرين للانطلاقة الجهادية للحركة بدمشق

02:26 - 08 تشرين ثاني / نوفمبر 2010


بسم الله الرحمن الرحيم

 

كلمة الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، الدكتور رمضان عبدالله شلّح

في مهرجان الذكرى الثالثة والعشرين للانطلاقة الجهادية للحركة، والذكرى السنوية الخامسة عشرة لاستشهاد الدكتور فتحي الشقاقي، بدمشق ـ بتاريخ 5/11/2010م

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، وعلى سائر إخوانه من الأنبياء والمرسلين أما بعد:

الإخوة والأخوات الأعزاء

أحييكم بأطيب تحية، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته:

أرحب بكم جميعا، كل باسمه، مع حفظ الألقاب، وأشكركم على حضوركم المبارك هذا، ومشاركتنا إحياء هذه المناسبة الوطنية، ذكرى انطلاقة حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، وذكرى استشهاد مؤسسها وفارسها وقائدها أبو إبراهيم رحمه الله...

الأخوة والأخوات: لقد أعفاني إخواني من قبلي من كثير من الكلام الذي كنت أود أن أتحدث به، وقد أعفاني أخي أبو الوليد على وجه الخصوص، بالحديث عن الذكرى وعن الشهيد القائد فتحي الشقاقي، ولكن مهما قيل في حقه لا بد من كلمة وفاء، وحتى لا يبدو حديثنا أمام هذا الحشد هو من باب مديح الذات لأنفسنا كحركة جهاد، أقول في كلمات قليلة هي ليست مفاجئة أو سراً أكشفه، بل أقول: تعرفت على فتحي الشقاقي رحمه الله منذ أكثر من 33 عاما عندما كنت طالبا في الجامعة في مصر. جاء اليوم الذي أقول فيه لقد تعلمت في مصر يومها في جامعتين، وليس في جامعة واحدة. الأولى، هي جامعة الزقازيق التي تعلمت فيها الاقتصاد وواصلت دراستي كما يعرف الجميع وبفضل الله وعونه نلت فيها أعلى الدرجات والشهادات. ولكنني في مصر تعلمت في جامعة أخرى، هذه الجامعة كان اسمها بكل فخر واعتزاز فتحي الشقاقي! نعم تعلمت في جامعة فتحي الشقاقي، ما فاق كل ما تعلمته وعلمته في كل الجامعات التي عشتها في حياتي. في جامعة فتحي الشقاقي تعلمت ما هي فلسطين، وما هو الإسلام، وفي أي عالم نعيش، وما هي الرؤية التي يجب أن تحملها إن كنت مسلما في هذا الزمان وتريد أن تؤدي حق الله في كل شيء يتعلق بهذا الوجود.

فتحي الشقاقي قضى شهيدا على طريق فلسطين، وكلكم تعلمون أن العدو الصهيوني عندما أخذ قراراً،  قبل 15 عاما باغتيال فتحي الشقاقي، كان يظن أنه سيجتث حركة الجهاد الإسلامي من جذورها، وسيمحوها من الوجود. فهل استطاع أو نجح في تحقيق ذلك الهدف؟

لقد عشتم ورأيتم وسمعتم الإجابة، طيلة 15 عاماً، كتبتها حركة الجهاد الإسلامي بالتضحية والدم، كتبها محمود طوالبة وإخوانه في مخيم جنين؛ كتبها محمد الشيخ خليل في غزة؛ كتبها المجاهدون والشهداء والاستشهاديون في فلسطين من كل أبناء الجهاد والمقاومة، من كل أبناء شعبنا وأمتنا؛ كتبتها حركة الجهاد الإسلامي في المواقف التي تميزت بها في التمسك بالثوابت والمبادئ؛ كتبها زحف عشرات الآلاف بالأمس في غزة وفاء للشقاقي والجهاد والمقاومة؛ كتبها حضوركم اليوم هنا في قلب دمشق؛ في سوريا العروبة حاضنة المقاومة، وفاء للجهاد والمقاومة.

كنت أود أن أقول لكم وللعالم كله، بعد خمسة عشر عاماً على رحيل الشقاقي، اطمئنوا حركة الجهاد الإسلامي بخير، وهي بفضل الله سبحانه وتعالى بألف خير. لكن، هل نستطيع أن نقول في ذكرى انطلاقة فصيل، أي فصيل، إن فلسطين اليوم هي بخير؟ لا والله!

ما قيمة أن يكون هذا الفصيل، أو ذاك الحزب بخير، وفلسطين ليست بخير؟ في حالة واحدة يصبح لذلك قيمة. إذا أصبح الحزب أهم من فلسطين، وإذا كان التنظيم أغلى وأعز على قلوبنا من بيت المقدس الذي يرزح تحت راية الاحتلال والاغتصاب! لا أحد منا يقول بذلك أو يقبل به، لكن للأسف، أحيانا ذلك يحدث في ساحتنا الفلسطينية، من حيث ندري أو لا ندري.

ومن هنا نلج إلى هموم فلسطين، وسأتحدث بعد أن أضم صوتي إلى صوت أخي أبي الوليد في تبني وموافقتنا على كل حرف نطقت به الطفلة منى، وأيضاً موافقتي على كل حرف نطق به أخي العزيز أبو الوليد في هذا المقام، أقول سأتحدث في بعض العناوين سريعاً وفي رسائل موجزة حتى لا نطيل عليكم.

العنوان الأول ـ مسألة المفاوضات والسلطة:

وموقف السلطة من المفاوضات. وليطمئن الإخوان هنا أننا لم نأتِ إلا لنتحدث عن كل ما يقربنا من فلسطين، ما يجمعنا ولا يفرقنا، ولكن لا نستطيع أن نغمض عيوننا عن أي خطأ قد يكون فيه هلاكنا وضياع حقوقنا في وطننا فلسطين.

كلنا نعلم أن المفاوضات وصلت اليوم إلى طريق مسدود، وكلنا يعجب لماذا هذا الإصرار على خيار المفاوضات، والإصرار على شعار أن لا بديل عن المفاوضات إلا المفاوضات. لعل السر في ذلك أن السلطة بعد أن أصبحت أمراً واقعاً تحولت هي الهدف، وتحولت، في نظر من يشتغل في همومها وقضاياها، أكبر من فلسطين، وأعز وأغلى من فلسطين! إن كان الأمر كذلك، فهذا مؤسف، وإننا هنا نقرع ناقوس الخطر، ونقول يجب أن نتوقف، وأن نسأل أنفسنا على أي أمر نراهن؟ على أمريكا؟ على مجلس الأمن؟ على الأمم المتحدة؟ أن نعود إلى نتنياهو بالمفاوضات؟ هذه هي العناوين، وهذه هي البدائل التي يطرحونها اليوم. نقول كل هذه البدائل لم توصلنا إلى شيء. العودة إلى الأمريكان، العودة إلى الإسرائيليين، العودة إلى الشياطين، كلها لن توصلنا إلا لتأكيد حقيقة واحدة ضياع فلسطين وحقنا في فلسطين. لذلك، يجب أن ننتبه وأن نخرج من دوامة الحلقة المفرغة ودوامة لا بديل عن المفاوضات إلا المفاوضات. لماذا؟ لأن الإصرار على الدوران في هذه الحلقة المفرغة إنما ينسينا فلسطين، ويجعل الهم كله اليوم هو ليس ما تبقى من أرض فلسطين، بل ما تبقي من أرض الضفة المحتلة.

 السلطة اليوم، لا تفاوض على ما بقي من أرض فلسطين، السلطة تفاوض على ما بقي من فتات الأرض في الضفة الغربية، حتى غزة في واقع الانقسام سقطت من الحسابات، لذلك يتم ألان حصر المشكلة كل المشكلة في الاستيطان، وكأن مشكلة وقضية فلسطين هي الاستيطان، أن يتجمد أو لا يتجمد، ولاحظوا أن الحديث هنا  دائما عن التجميد وليس وقف أو إزالة الاستيطان.

هذا منعطف خطير يجب أن نخرج منه، ويجب أن نبحث عن بديل غير هذا البديل، خاصة، وقبل أن نتحدث بالبديل، أن الحراك الذي يتم اليوم في رحى المفاوضات وما يصدر من تصريحات في أجوائها، ينذر بمخاطر كبيرة تتعلق بمصير أهلنا في 48 وأهلنا في الشتات، وهذا هو العنوان الثاني، الذي سنتحدث فيه:

العنوان الثاني ـ مصير أهلنا في 48 والشتات:

عندما يتحدث البعض ويقول بأن ما يسمى بـ "يهودية الدولة" الصهيونية أمر "لا يعنينا"، والبعض الآخر يبدي استعدادا لأن يعترف بفكرة "يهودية الدولة"، ماذا تعني هذه الفكرة، وكيف لا يعنينا مثل هذا الإعلان، إذا كان المقصود منه أن يؤسسوا بذلك لطرد أكثر من مليون ونصف المليون فلسطيني من أهلنا المزروعين في أراضي 48، وأن يديروا ظهورهم لأكثر من خمسة ملايين لاجئ في الشتات؟

 إن إعلان الموافقة على مبدأ "يهودية الدولة" يعني بكل بساطة التأسيس لترحيل عرب وفلسطيني 48 والتفريط في أو إسقاط حق عودة اللاجئين الفلسطينيين، هذا ما تعنيه "يهودية الدولة".

لذلك، فإن الهجمة التي يتعرض لها أهلنا في 48 اليوم ليست من فراغ. الهجوم على أم الفحم هو مشروع مبرمج ومخطط لإرهاب وتخويف أهلنا والاستعداد لـ "ترانسفير" جديد، بل نكبة ثالثة يؤسسون لها تحت مظلة المفاوضات.  المفاوضات ليست مظلة توفر الحماية لنهب الأرض والاستيطان بالضفة الغربية فقط، بل تؤسس وتغطي نكبة ثالثة متوقعة إذا سرى ونفذ مبدأ "يهودية الدولة" الصهيونية. من هنا، فنحن نقول إن هذا يجب أن يتوقف، وإنه قد آن الأوان لأن نبحث في بديل حقيقي.

البعض يسأل ويقول ما هو البديل الواقعي المتوفر لديكم؟ وضعوا ألف خط تحت كلمة واقعي، وهنا أتحدث في:

العنوان الثالث ـ البديل والمقاومة:

عندما يتحدثون ويطالبوننا بحل واقعي، نقول لهم بكل بساطة، ليست مهمتنا تقديم وإنتاج الحلول، لأننا لسنا المسئولين عن صنع المسألة أو المأساة الفلسطينية. الذي صنع هذه المأساة هو الذي يجب أن يتكفل بحلها، الغرب ـ وعد بلفور ـ الأساطير ـ الهجرة اليهودية ـ الدعم الاستعماري والغربي، هؤلاء هم الذين يسألون عن الحل، أما نحن فواجبنا أن ندافع عن أنفسنا وعن شعبنا وعن أرضنا لاسترداد حقنا ومقدساتنا في فلسطين.

أما مسألة واقعي أو غير واقعي، فنحن نقول: إن ما يزعم بأنه حل واقعي اسمه حل الدولتين، لقد ثبت بالدليل القاطع للمرة الألف إنه الحل الذي لا يتمتع بأي واقعية، ولا أي مصداقية، ولا أي قابلية للتطبيق أو التنفيذ، ولسنا نحن الذين نقول ذلك، اقرؤوا ماذا يقول العدو، محللون إستراتيجيون وغربيون وأجانب ومراكز دراسات كلها اليوم تقول بذلك، لماذا؟ لأن فلسطين وبكل بساطة أرض لا تتسع لشعبين ولا تتسع لدولتين. فلسطين إن كنا نؤمن فعلا أنها هي الوطن التاريخي لشعب فلسطين، فإن مهمتنا أن نبحث عن البديل الذي يوصلنا إليها، ولا بديل يمكن أن يوصلنا إلى فلسطين إلا البديل الذي سلكته كل الشعوب الحرة التي واجهت أي استعمار أو احتلال أجنبي، وهو بديل الجهاد والمقاومة. وطالما أن أرضنا محتلة يجب أن نؤكد أن المقاومة هي فوق البحث في مشروعيتها أو جدواها، خاصة أنها أثبتت جدواها في فلسطين ولقنت العدو الدرس تلو الدرس، وفي لبنان في مواجهة ذات العدو، وحققت أعظم الانتصارات في زمن الهزائم والنكوص والعجز والخذلان.

 وهنا نحيي مقاومة إخواننا في حزب الله ـ ونطمئن سماحة السيد (إبراهيم أمين السيد) أننا ندرك لماذا هذا الهجوم على حزب الله.. أنت تحدثت عن فلسطين وأنا سأتحدث عن حزب الله ـ عندما انطلق مشروع الشقاقي، مشروع الجهاد وحماس، كنا نقول على الأمة الإسلامية والحركة الإسلامية أن تتحمل مسئوليتها بتقديم الدعم والإسناد في فلسطين. ميلاد حزب الله في الأمة جعلنا نقطع هذه المسافة في شوط لم يتوقعه أحد. حزب الله ليست حالة دعم وإسناد على خطوط القتال في الصراع العربي الإسرائيلي. حزب الله جزء من الصراع العربي الإسرائيلي، ورأس حربة حتى في المقاومة الفلسطينية. هذا هو فهمنا لدور إخواننا أخوة السلاح والجهاد والمقاومة في حزب الله، كتفاً بكتف مع كل قوى المقاومة في فلسطين.

 نحن نقول إن المقاومة هي أهم انجاز في تاريخ شعبنا منذ النكبة إلى اليوم، لذلك نحن لسنا على استعداد أن نفرط فيها أو نقايضها بأية مكاسب وهمية من نوع سلطة تحت قبضة الاحتلال وحراب الاحتلال.

 وبهذه المناسبة، لا بد أن نتوقف عند ذكر المقاومة مع غزة العزة والانتصار، والتصريحات والتسريبات التي يطلقها العدو ومحاولة التهويل في قوة المقاومة، استعدادا لشن حرب ضد غزة. يظنون أن غزة ضعيفة.. يتيمة.. وحيدة.. يمكن الاستفراد بها. نعم، نحن ندرك حقيقة موازين القوة، ونعرف أن إمكاناتنا في مواجهة هذا العدو متواضعة. لكننا ندرك أيضا أننا نملك من الإيمان، ومن إرادة القتال، ومن السلاح الذي صنعته غزة رغم كل من يحاصرونها، ندرك أننا نستطيع أن نقاتل هذا العدو الذي قاتلناه أكثر من اثنين وعشرين يوما كما حدث في السابق.  وأننا نستطيع في غزة، كل قوى المقاومة، أن نقاتل قتالاً حتى الشهادة حتى نذيقه مرارة الخسارة والفشل الذي جناه العدو في حربه السابقة. نعم، ليس من باب التهويل، ولكن من باب الاعتراف، ومن باب حمد الله سبحانه وتعالى على توفيق المجاهدين في كل القوى وخاصة في حماس والجهاد، على فضل الله سبحانه وتعالى، أن قوة المقاومة اليوم مضاعفة أضعاف ما كانت عليه، لذلك الفشل والخيبة الصهيونية ستكون أيضا مضاعفة أضعافاً على أبواب غزة. الذين قد يدفعهم جبروت القوة إلى الغرور والى حماقة وعدوان جديد على غزة نقول لهم إن نار الحرب أي حرب على غزة، ونكرر بأننا نعرف إمكاناتنا وحجمها المتواضع، ونقول إن أي نار تنطلق مجددا على غزة لن تقف عند حدود غزة، بل ستحرق هذه النار عمق مدنكم وتجمعاتكم وقراكم. نعم، هذه هي المقاومة التي نؤمن بها ونتمسك بها ونطالب الجميع أن يفكر في العودة إلى خيار الجهاد والمقاومة.

نحن لا نطلب المستحيل.. نحن لا نطالب أحدهم أن يتحول إلى فتحي شقاقي جديد، أو إلى عبد العزيز الرنتيسي آخر، رحم الله كل الشهداء، ولكن نقول لهم بكل بساطة وبكل أخوة، وبكل حرص على الوحدة، ومن خيمتكم، من تحت خيمة حركة فتح التي كانت الرصاصة الأولى في الثورة الفلسطينية المعاصرة، افعلوا ما فعله الشهيد القائد أبو عمار "ياسر عرفات". عندما حشروه ووصل خياره السياسي إلى طريق مسدود، أعطى ياسر عرفات لحركة فتح الهامش لتنقض على عدوها وعدو شعبها وأمتها بالنار والبارود، كما بدأت في عام 1965.

هذا هو الذي نطالب به الجميع اليوم، ولا نطلب المستحيل، ولكننا نقول إذا أردنا أن نتوحد على هذا الخيار، فلا بد من حوار وطني شامل، يجري مراجعة لهذه لمسيرة الفاشلة، مسيرة المفاوضات، ويجدد توجيه البوصلة إلى خيار وإرادة الشعب والأمة، خيار الجهاد والمقاومة. أما الإصرار على الدوران في الحلقة المفرغة فلا يجوز. من لا يقوى على خيار ياسر عرفات، ولا نريد أن نقول خيار الجهاد أو حماس، من لا يقوى على خيار ياسر عرفات الذي قضى فيه شهيداً، نحن ندله على خيار آخر، وبديل آخر غير مجلس الأمن والأمم المتحدة وإعلان الدولة من طرف واحد ومن كتف واحد. كم مرة يريدون أن يعلنوا الدولة، تم إعلان الدولة في السابق في الجزائر، ماذا حدث؟؟ مسكين هذا الشعب ومحظوظ، كم إعلان بالدولة له ولا دولة إلا بالخيام في حي البستان في العراء، أو في مخيمات اللجوء الخمس نجوم كما يقولون.

نقول من لا يقوى على هذا الخيار، ندله على خيار أشرف له، ومن باب الأخوة والنصيحة، فالأرحم بمن لا يقدر على خيار الجهاد والمقاومة، الأرحم  له ولشعبه وأمته وتاريخه وقضيته ومقدساته، أن يعود ليجلس في بيته، أن يعود ليجلس في بيته ويُخلي بين الشعب الفلسطيني.. بين حركة فتح والجهاد وحماس والشعبية والديمقراطية وكل الفصائل، وبين عدوهم.

أما الاستمرار في هذه اللعبة، "لعبة الدوران في حلقة مفرغة" ، فليس من حق احد الاستمرار في هذه اللعبة، لماذا؟ لأن القرار الوطني الفلسطيني للأسف، لم يعد محل إجماع، ولأن شرعية تمثيل الإرادة الفلسطينية لم تعد محل إجماع.

العنوان الرابع ـ المرجعية الوطنية الفلسطينية:

كلنا نعلم أن العرب عندما فوضوا منظمة التحرير عام 1974 بأن تكون قيادة شرعية للشعب الفلسطيني، وممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني، برغم ملابسات ودوافع هذا القرار التي نعرفها جيدا، لم يكن هذا التفويض على طريق تصفية قضية فلسطين، بل كان، ولو مرحليا كما قيل يومها،  على طريق تحرير فلسطين واسترجاع  الحقوق الفلسطينية، أما عندما توقع منظمة التحرير على التنازل عن 80% من حقنا في أرضنا، في أوسلو، وتقبل بأن 20% الباقية أرض متنازع عليها، إذاً أصبح الحق الفلسطيني، أو الباقي منه وهو الفتات، متنازعاً عليه مع هذا العدو المجرم. لذا، يجب أن يعلم الجميع، وأن تعلم قيادة منظمة التحرير، قيادة السلطة والمفاوضات، وقيادة النظام العربي، وقيادة المجتمع الدولي وكل من يهمه الأمر، إذا أصبح الحق الفلسطيني تحت هذا الخيار متنازعا عليه، فإن شرعية تمثيل الإرادة الفلسطينية أصبحت أيضا أمراً متنازعاً عليه.

 كيف نحل هذه المعضلة؟ نحن لا نريد أن نطعن في أحد، فلان يمثل وفلان لا يمثل، ولكن نقول تعالوا لنحل هذه المعضلة، ومن لا يصدق ولا يقبل بأن شرعية التمثيل الفلسطيني اليوم منقسمة ومتنازع عليها، فلينظر: حكومة في غزة، وحكومة في رام الله، حكومتان بلا دولة، ومن يدري؟ ربما إذا استمر هذا المسار، نسمع غداً حكومة في كل مدينة، وحكومة في كل بلدة، هذا هو عنوان المشروع الآن في الأمة كلها، تجزئة المجزأ وتقسيم المقسم.

إذا أردنا أن نفلت من قطار التفتيت والتجزئة والتقسيم، علينا أن نتنادى وأن نتوحد. على ماذا نتوحد؟ نتوحد على برنامج الجهاد والمقاومة، والطريق إلى ذلك هو الحوار الوطني. لكنني أقول إن مصطلح الحوار اليوم، قد غاب، وحل بدلاً منه مصطلح المصالحة، في ظل الانقسام، وهذه هي النقطة الأخيرة التي أتحدث فيها بإيجاز.

العنوان الخامس ـ المصالحة الفلسطينية:

إضافة إلى ما بشركم به الأخ العزيز أبو الوليد، وأنا أعلم أن مسألة المصالحة تسيطر على عقول شعبنا وأهلنا، لاسيما في فلسطين، في الضفة والقطاع، فإن هذه الأخبار السارة التي تتحدث عن قرب انطلاق قطار المباحثات والحوار من أجل المصالحة، نحن في حركة الجهاد الإسلامي، وإن كنا لسنا طرفا مباشرا في هذا الانقسام الحاصل حول السلطة، نباركها ونبارك كل الجهود التي تبذل من أجل إنهاء الانقسام وتحقيق المصالحة ولم الشمل والخروج من هذا الواقع الذي يعيشه الشعب الفلسطيني. نعم، مع أن هناك اعتبارات ومسائل تتعلق بموقفنا في حركة الجهاد الإسلامي، ولا أريد أن أخوض فيها الآن، ليس هذا وقتها، وستكون محل حوار بيننا وبين إخواننا في حماس وفتح وبقية الفصائل.

لكن ما أود أن ألفت الانتباه إليه في قضية المصالحة، أن أتحدث في نقطتين:

النقطة الأولى:

يجب أن لا نبالغ في التوقعات حتى لا نصدم، وهذا ليس من باب تثبيط العزائم، أو تبديد التفاؤل الذي أشاعه خطاب أخي أبو الوليد، ولكن أقول هناك تعقيدات كبيرة في هذه المسألة، يجب أن لا نغفل عنها أو نستهين بها، ودوما نسأل الله سبحانه وتعالى أن يأخذ بأيدينا جميعا وأن يوفقنا إلى تحقيق هذا الهدف، هدف إنهاء الانقسام وتحقيق المصالحة.

النقطة الثانية:

إن التعقيدات التي أشير إليها تؤكد وتقول لنا مسبقا إن حل أزمة الوضع الفلسطيني لا يمكن أن يحصر في مسألة المصالحة. لا بد من الاتفاق على برنامج وطني لمواجهة تحديات وتهديدات المشروع الصهيوني الذي لم يبقِ لنا متراً من الأرض نقف عليه في القدس، في غمار التهويد اليوم، حتى في مناطق 48، فالتهويد لم يعد يقتصر على القدس. شهوة العدو الآن مفتوحة، هجوم في حيفا، في يافا، في عكا، في كل مكان، في أم الفحم، في اللد، في الرملة، قطار التهويد ينطلق ليكمل العدو إجراءاته في السيطرة على الأرض والاستعداد لتهجير من بقي من أهلها الصامدين هناك.. المزروعين كالصبار لا يضرهم من خالفهم أو من خذلهم، لا تضرهم الاتفاقات ولا المفاوضات.. ولهم التحية، تحية لأهلنا في أم الفحم ومناطق 48 وكل أرجاء فلسطين.

نقول هل يمكن أن نتفق على برنامج؟ نعم الأمر صعب، ولكن ليس مستحيلاً، إذا توفرت الإرادة، وإذا أدرك بعضنا أنه ليس لديه متسع للرهان على عدوه. لم يعد لدينا متسع أن نعمل حراساً لأمن عدونا، لم يعد لدينا متسع لان نعتقل وأن نطارد وأن نلاحق وأن نشتغل سجانيين لأنفسنا حفاظاً على أمن عدونا الذي أقام كيانه البغيض على أنقاضنا.

وهنا في البرنامج، لا نريد أن نعقد الأمور، نقول يمكن أن نتفق على برنامج القاسم المشترك من نقطتين فقط:

النقطة الأولى:

أن نقر جميعاً، كفلسطينيين، أن فلسطين هي أرضنا وهي محتلة من استعمار واحتلال أجنبي.

ويترتب على هذا الإقرار:

النقطة الثانية:

أن نقر بحق شعبنا في الجهاد والمقاومة لتحرير أرضنا المحتلة.

 هذا هو البرنامج مختصراً بكلمتين اثنتين، إذا وجد الاحتلال يجب أن توجد المقاومة.

 وإذا كان هذا متعذراً أو مستحيلاً، فمن حق كل فصيل أن يطرح رؤيته وأن يطرح مواقفه وأن يطرح برنامجه لإدارة هذا الصراع. ولا أريد أن أطيل عليكم أكثر من ذلك، ولكن في ذكري الشقاقي، ذكرى انطلاقة حركة الجهاد الإسلامي، أجدها مناسبة أن أؤكد بين يدي الشهداء وبين يديكم معشر الحضور الكرام، على مبادئ وثوابت ومواقف حركة الجهاد التي أوجزها في سبع نقاط صغيرة:

أولاً: نحن لازلنا، بالأمس واليوم وغداً وكل يوم، نؤمن بأن فلسطين كل فلسطين هي أرضنا ولن نتنازل عن ذرة تراب واحدة من فلسطين.

ثانياً: أن الطريق لتحرير هذه الأرض المغتصبة والمحتلة هو طريق الجهاد والمقاومة.  إن خيار وواجب وإستراتيجية الجهاد والمقاومة لا مساومة عليها، وسنواصلها حتى النهاية، إلى أن نلقى الله شهداء أو نحقق الانتصار.

ثالثاً: لا نقبل في حركة الجهاد، وأؤكد على حركة الجهاد، لأننا لا نلزم بذلك أحداً ولا نصادر اجتهاد أحد، لا نقبل ولا يجوز لنا في حركة الجهاد، بناء على مبادئنا ومنطلقاتنا التي تعلمناها في جامعة فتحي الشقاقي التي هي جامعة محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم،  لا نقبل، ولا يجوز لنا، أن نشارك في أي تسوية أو أي حل يحصر حقنا في وطننا فلسطين في حدود عام 1967.

رابعاً: نرفض المشاركة في أي واقع أو إطار سياسي، ينشأ بالتوافق مع العدو، أو بإذنه أو بموافقته، كما هو حال سلطة أوسلو.

خامساً: إننا نؤكد حرصنا على وحدة الصف الفلسطيني، وبرغم كل التباينات بيننا، نحن ندعو الإخوة في حماس وفتح، ونضم صوتنا وصوت شعبنا وكل قواه، وصوت أبناء أمتنا، إلى العمل معاً وسريعاً إلى إنهاء الانقسام وتحقيق الوحدة على خيار الجهاد والمقاومة. 

سادساً: إننا نؤكد على أهمية وضرورة إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية، لتكون مرجعية لكل قوى الشعب الفلسطيني، وتضم كل قواه، وتحافظ على الثوابت والهدف الذي نشأت من أجله، هدف التحرير، تحرير فلسطين، وأن تحقق وحدة تمثيل الإرادة الفلسطينية لكل الشعب الفلسطيني.

سابعاً: إننا نؤكد على البعد والعمق العربي والإسلامي لقضية فلسطين. القدس أو فلسطين ليست ملكاً للشعب الفلسطيني وحده، بل هي قضية الأمة وقبلة المسلمين الأولى ومسرى نبيهم ومعراجه إلى السماء هي ارض الرسالات ولا تخص أهل الضفة أو غزة فقط .

والمفاوضات اليوم تجري على مستقبل الضفة، ما تبقى من الضفة وغزة، وليس على مستقبل فلسطين، مستقبل فلسطين أمانة في عنق الأمة كلها وتحدده جماهير الأمة كل الأمة.

في الختام، وبالحديث عن البعد والعمق العربي والإسلامي لقضية فلسطين، نقول لابد من كلمة وفاء لكل جماهير الأمة التي ما زالت ينتفض قلبها بالحياة من أجل فلسطين والقدس. فلسطين حاضرة في قلوب المؤمنين، في صلواتهم، في دعائهم، في تسابيحهم، في هتافاتهم، في أمانيهم، في رجائهم لله سبحانه وتعالى، أن يفك أسر شعبنا المأسور ، وينهي حصاره الظالم، ويمكن له من قوته وقدرته ليدافع عن نفسه وحتى يحقق الانتصار.

لا بد من كلمة وفاء لإيران الإسلام، وهنا أقول للذين يتحدثون عن أن إيران تحاول استخدام فلسطين ورقة في حربها مع العالم، لم نسمع أن إيران أعلنت الحرب على العالم حتى تطلب ورقةً لتساعدها في هذه الحرب. من أعلن الحرب على من؟ من الذي يحاصر من؟ لماذا نكتم الحق ونهرب من الحقيقة ونغمض أعيننا؟ إيران اليوم هي المحاصرة، إيران اليوم هي الملاحقة، لم نسمع أنها قصفت واشنطن أو حاصرت لندن أو باريس أو برلين.

نحن نسمع أن هناك حصاراً على إيران، أتعرفون ما الجريمة؟ الجريمة أن إيران تتحدث عن لا شرعية هذا الكيان اللعين، وتؤيد حق الشعب الفلسطيني في وطنه وتدعمه وتسانده، وتساند مقاومته من أجل الجهاد والتحرير، تحرير فلسطين كل فلسطين.

هذه هي جريمة إيران التي تحاصر من أجلها اليوم!!

أما سوريا وما أدراك ما سوريا، ما هي جريمة سوريا؟! ولماذا هذا التهديد وهذا الحصار لسوريا؟!

ببساطة الجواب في حضوركم هنا، في حضور أبي الوليد وإخوانه هنا، في وقوفنا هنا في قلب دمشق حاضنة المقاومة.

أبت سوريا إلا أن تقدم النموذج والدرس تلو الدرس، أبت سوريا إلا أن تكون أستاذاً في كيف يكون الموقف العربي الصحيح من قضية فلسطين والمقاومة في فلسطين.

نحن هنا في دمشق التي كل جريمتها عند هؤلاء أنها رفضت أن تنضم إلى قائمة المخافر التي ارتضت لنفسها أن تحرس أمن "إسرائيل" ووجود "إسرائيل" واستقرار "إسرائيل" في هذه المنطقة.

وأصرت على أن تكون حضنا للمقاومة يحرس الحق الفلسطيني والمقاومة الفلسطينية في انتظار وعد النصر والتحرير. هكذا يكون العرب عرباً.. عرب العرب، لا عرب غير العرب.

تحيةً لسوريا، تحية لإيران، إيران الثورة، وسوريا العروبة، تحية لحزب الله المقاومة والانتصار، تحية للبنان كل لبنان المقاوم والمنتصر الذي يستعصى كما كل بقاع الأمة على الفتن التي يراد أن يسحبونا لها.

تحيةً لتركيا المسلمة، وأطلب منكم أن تحيوا تركيا شعبا وقيادة.. تركيا التي قدمت الشهداء دفاعاً عن الحق الفلسطيني ونصرة لأهل غزة ومطالبة بفك الحصار عنها.

تحية لأهلنا في السودان في مواجهة المؤامرات التي تنذر بتقسيم السودان.

تحية لكل جماهير الأمة، ولكل من يقدم يد العون والإسناد للمقاومة.

تحية لكم جميعاً في يومكم هذا، تحية لشعبنا في فلسطين، لأسرانا البواسل في سجون الاحتلال، لشعبنا وأهلنا في الجولان المحتل.

تحية لكم جميعاً، وبارك الله فيكم، وشكراً على حضوركم في ذكرى الشهداء، ذكرى الوفاء

 

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

انشر عبر