شريط الأخبار

تركيا.. أسباب إخفاق المعارضة ونجاح السلطة .. أيمن خالد

12:06 - 08 حزيران / نوفمبر 2010

تركيا.. أسباب إخفاق المعارضة ونجاح السلطة .. أيمن خالد

 

القدس العربي

 

أهم ما يميز تركيا، أن جميع الأطراف المتصارعة تمثل أجندة تركية، وبالتالي لا توجد أطراف داخلية تربط مصالحها مع الخارج، أو تتلقى تعليماتها منه، كما في العديد من دول العالم، فمختلف الأطراف المتناقضة مرتبطة بالكامل داخل تركيا، بغض النظر عن تقاطع مصالح البعض، لكن أيا من الأطراف لا يفكر مطلقاً بالاستعانة بقوى خارجية.
إخفاق المعارضة يحمل عنوانا واحدا، وهو أن المعارضة مجرد استمرار لواقع طواه الدهر ومضى، فالمعارضة في تركيا لا تملك برنامجاً تستطيع إقناع الشارع الانتخابي بأنها قادرة على تلبية احتياجاته في حال عودتها للسلطة. ومن الأمثلة البسيطة، قضية الحجاب، خصوصاً إذا عرفنا أن نسبة المحجبات في تركيا بلغت 61 بالمائة من عدد النساء، وفق إحصائيات داخلية، وإذا كنا سنفترض أن هذا الرقم مبالغ فيه، وفق ما يقوله من يتجول في شوارع - أنقرة، أو في نصف شوارع اسطنبول السياحية أو أنطاليا وأضنه وألانيا، فإن الذي يتجول في مدن- ملاطية وقيسري وقونية وديار بكر واضيمن ومرش - وغيرها سيرى صورة مختلفة، فهناك عدد المحجبات يبدو واضحا للعيان، وبالتالي هي نقطة ضعف كبيرة غرق فيها الساسة في الحزب الجمهوري وحلفاؤهم، عندما اكتشفوا أن حجاب المرأة التركية يحول دون وصول المراكب الفضائية التركية للمريخ، أسوة ببعض الأوروبيين الذين يتخذون من الحجاب ذرائع سياسية لبرامج خاصة لهم تجاه المهاجرين، لذلك يحاولون هناك إقناع العقل الأوروبي بأن الحجاب أثقل على صدورهم من جبال الاورال.
ولو افترضنا أن عدد المحجبات 10 بالمائة فقط، فإن العقلاء في عالم السياسة، يفكرون دائما باستمالة أي قوة انتخابية مهما كان حجمها، فكيف يتجاهل الحزب الجمهوري وشركاؤه أكثر من نصف سكان تركيا من النساء، ومع ذلك يريد أن يعود إلى السلطة؟
على الصعيد الاقتصادي، فقبل استلام حزب العدالة للسلطة، كانت تركيا تتلقى إعانات أمريكية، مثل أي دولة فقيرة في العالم، لكن تجربة الحكومة الحالية، أعادت ماء الوجه لتركيا، عندما رفضت حكومة العدالة الإعانات الأمريكية، وأكملت تجربتها الاقتصادية بنجاح، وحققت نموا هائلا كانت نسبته هذا العام 11 بالمائة، وهي مسألة تجعل الشارع الاقتصادي في تركيا ينبض باتجاه حزب العدالة، لذلك فإن مأثرة حزب العدالة، أنه اكتشف مبكراً أسرار صمود أي قوة سياسية، ومن هنا كان الاستفتاء الأخير الذي شاركت فيه مختلف الأطياف، بمثابة مؤشر جديد، على تطور السياسة التركية، لأن البرامج المطروحة لم تكن تمثل شريحة محددة لكنها كانت خدمة وطنية يستفيد منها الجميع.
حزب الشعب الجمهوري كان هنا ضعيفا، فهو مثل أي حزب نشأ وترعرع في كنف الاستبداد العسكري، لن يستطيع أن يخاطب الشعب بلغة مقبولة وبرامج واقعية، لذلك هو يلجأ إلى أساليب التهويل والتشكيك، مثل اتهام حزب العدالة بأنه يمثل أجندة إسلامية، وهذا كلام غير واقعي، وفيه ظلم كبير لهذا الحزب، فهو من الداخل أكثر علمانية، وأكثر عقلانية، وأكثر ملامسة لواقع الشعب التركي من الحزب الجمهوري، الذي يظن أنه حارس تركيا الوحيد، مستعينا بقوة الجيش وأحلام الماضي، ومثل هذه الأحلام تفسيرها لا يصلح في قاموس السياسة الحالي والقادم.
مشكلات تركيا من الداخل، التي تمثل هاجس الجميع، هي الاقتصاد ومسألة الحجاب، إضافة إلى ملف حزب العمال الشائك، والذي أصبح يؤثر في إعادة تكوين وتوحيد مختلف الأطراف في السياسة الخارجية، خصوصا مع انكشاف العلاقة بين حزب العمال وإسرائيل، ومسألة تشفير الطائرات التي اشترتها تركيا من إسرائيل بقصد ملاحقة حزب العمال، إضافة إلى الاعتداء على سفينة (مرمرة الزرقاء).
وتبقى المشكلة الداخلية هي جوهر الاختلاف، فالدستور يتغير في كل الكون، وكل الشعوب الحية تجد نفسها مضطرة للوقوف كل فترة من الزمن، بغية تعديلات في الدستور، وحتى الإسلام الذي يطرح ما يسمى فقه الواقع، وحتى في النص القرآني، مسألة الحكم بالأعراف التي لا تعارض مصالح الناس ولا تضر بهم، لكن في تركيا الدستور يجب أن لا يتغير، بالطبع في تركيا وحدها، أو تركيا الحزب الجمهوري، ومثل هذه المشاهدة، تعكس عمق الأزمة، وعمق أسباب ضعف خصوم حزب العدالة، وهذا يذكرني بقصة طريفة، ففي قرية عربية نائية قام أولياء أمور الطلبة بطرد أستاذ جغرافيا، لأنه قال للتلاميذ أن الأرض تدور حول الشمس، فأرسلت الحكومة مدرساً آخر وأوصته بمراعاة دروس الجغرافيا ومنحها صورة خاصة، وعندما وصل الأستاذ الجديد استقبله أولياء الأمور قبل التلاميذ وقالوا له هل صحيح إن الأرض تدور حول الشمس فقال لهم نعم يحدث هذا في كل العالم ولكن في بلدكم الأرض (خربانة) وهذا أفضل لكم، وهكذا استقبلوه بابتهاج.
حزب الشعب الجمهوري في تركيا يحتاج شعبا مثل سكان هذه القرية، يستطيع أن يقول لهم ما يريد، وأما الساسة في حزب العدالة فهم يفكرون بشكل مختلف، ففي حوار مع زعيم الحزب في مدينة مرش أجاب على سؤالنا بالقول إننا كحزب عدالة نفكر بان نترك إستراتيجية تسير عليها تركيا بعد رحيل حزب العدالة عن السلطة، بحيث إن أي حزب قادم للسلطة سيكمل ما نقوم به من خطوات بما فيها قضية فلسطين، التي لن تكون بمعزل عن سياسة تركيا الخارجية.
فعندما يقاطع قادة الجيش احتفالات الجمهورية لأن زوجة غول كانت محجبة، أيضاً يكون هذا رصيداً إيجابيا في سلة حزب العدالة الانتخابية، فعندما يطرح حزب العدالة حلاً للحجاب، هو عملياً يعيد قسما كبيراً من الشعب للمشاركة في الحياة، فمسألة الحجاب لا تعني غطاء رأس فقط، وإنما هي فكرة استقطاب قطاع انتخابي كبير لصالح حزب العدالة، وبالطبع يفقده الحزب الجمهوري.
المعارضة التركية تتجه للسباحة بالوحل، والغريب أن المعارضة التركية تشبه تماماً الحكام العرب، فالجميع نتاج المؤسسة العسكرية، والجميع يريد تغيير الشعب، تغيير الشعب فقط.

' كاتب فلسطيني

 

انشر عبر