شريط الأخبار

استخبارات يهودية,,هآرتس

02:38 - 04 تشرين أول / نوفمبر 2010

بقلم: يوسي ملمان (سرّي)

ليس واضحا ماذا كانت الغاية الحقيقية من الرزم المتفجرة التي غُطيت في إحكام شديد على أنها إرسالية ساذجة لأوعية حبر الى المطابع، وأُرسلت في نهاية الاسبوع الماضي على يد شبكة الجهاد العالمي التي تعمل في اليمن. بحسب أحد التقديرات، كان ذِكر عناوين الكنس اليهودية في شيكاغو حيلة فقط، وكان يُفترض أن تنفجر الرزم في الطائرات زمن الاقلاع. وبحسب تقدير آخر، وُجهت الرزم المفخخة الى الكنس حقا.

        مهما يكن الامر، أثار احباط العمليات، بفضل معلومات استخبارية دقيقة، مرة اخرى في الوعي الأخطار التي تترصد الجماعات اليهودية في أنحاء العالم. اذا كان جُل التهديد في الماضي المس بها لبواعث معاداة السامية، فان مصدرها في العقد الأخير المتطرفون الاسلاميون.

        منذ الحادي عشر من ايلول 2001 تمت محاولات للمس بكنيس في الجربة في تونس، وبمؤسسات وممتلكات يهودية في المغرب، وكنس في اسطنبول وعدد من مراكز الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة في ضمنها نيويورك؛ وهذه قائمة جزئية فقط من الحوادث الكبيرة المعروفة. ووقعت حوادث كثيرة اخرى وأُحبطت عشرات الحالات في مراحل مبكرة أو أنها لم تنضج حتى لتصبح تخطيطا لعمليات.

        رأت اجهزة استخبارات اسرائيل انفسها دائما مسؤولة لا عن أمن مواطني دولة اسرائيل فحسب بل عن أمن الجماعات اليهودية في الخارج ايضا. بدأ هذا التصور عن "اجهزة استخبارات الشعب اليهودي" في موساد الهجرة الثانية، الذي كان ذراع الهاغاناة التي جاءت بيهود الى ارض اسرائيل وظلت تعمل بعد نشوء الدولة ايضا.

        ورثت وحدتان موساد الهجرة الثانية الذي نُقضت عُراه في 1952، كانت احداهما، وهي الأكثر سرّية وحدة "بتسور" في الموساد، التي كان عملها أن تنظم هجرة اليهود من دول كانت حياتهم فيها على خطر وأن تهتم بحماية جماعات يهودية حيثما كانت. وكانت الجهة الثانية منظمة "نتيف"، التي عملت على تشجيع الهجرة من الاتحاد السوفييتي وشرقي اوروبا، وعملت بعد انهيار الشيوعية على إصدار رخص هجرة، وانشاء مراكز ثقافية وتعقّب مظاهر معاداة السامية.

        استعانت المنظمتان على السنين بمنظمات مساعدة يهودية ولا سيما "جوينت". نشأت العلاقة بين المنظمة الامريكية والجماعة الاستخبارية قبل انشاء الدولة، في عهد يوسف يهوشع (جو) شفارتس – مدير الـ "جوينت" في اوروبا – الذي نُشرت قصة حياته الآسِرة في كتاب نُشر مؤخرا، "أنا يوسف أخوكم"، بقلم روت بكي – كولودني.

        إن شفارتس، الذي كان مشاركا زمن المحرقة في نشاطات كثيرة لانقاذ اليهود، نجح بعدها في التغلب على معارضة المتبرعين والمديرين الكبار للـ "جوينت" وأقنعهم بتخصيص نحو من مليون دولار – وكان هذا مالا ضخما في تلك الايام – لمساعدة عمليات نقل اليهود التي قام بها موساد الهجرة الثانية. استمرت هذه العلاقة اللطيفة الحساسة طوال السنين، وساعدت الـ "جوينت" بالمال، وبالقوة البشرية وبالتوجيه وبسبل عدة اخرى يحسن الصمت عليها، في عمليات تهجير اليهود من اليمن والعراق وسوريا والاتحاد السوفييتي وشرق اوروبا الشيوعية واثيوبيا والسودان.

        لكن طرأ تحوّل حاد في السنين الأخيرة. فلا توجد اليوم دولة في العالم لا تسمح لليهود فيها بالخروج الى كل مكان يرغبون فيه. وهكذا وجدت الـ "جوينت" الامريكية نفسها تعود بالتدريج الى نشاطها الأصلي – أي المساعدة والغوث ورفاهة الجماعات اليهودية في أنحاء العالم. كثُرت في الوكالة اليهودية، ووزارة الخارجية، ووزارة استيعاب المهاجرين، وديوان رئيس الحكومة والموساد الاصوات التي تدعو الى نقض "نتيف" و"بتسور".

        فيما يتعلق بـ "نتيف"، وُجد لها لحسن حظها مَلَك حارس في شخص وزير الخارجية افيغدور ليبرمان. تزعم رئيسة "نتيف"، نعومي بن عامي، انه ما تزال توجد للمنظمة، وعدّتها اليوم 70 عاملا، وظيفة مهمة. "نحن نعمل في السنين الأخيرة – زيادة على اصدار رخص هجرة – في الاتحاد السوفييتي السابق – بحسب قرار حكومي – في صلة بدولة اسرائيل، بخلاف قضايا الهوية اليهودية التي تهتم بها منظمات مختلفة وفيها الوكالة". ما معنى "صلة بدولة اسرائيل"؟. "نحاول الوصول الى جمهور متوخى أوسع في الاتحاد السوفييتي السابق وأن نُبيّن له أنه ذو حق في الهجرة الى اسرائيل. فكثير منهم لا يعلمون ذلك ألبتة"، تقول بن عامي.

        وماذا عن وحدة "بتسور"؟ إختلت منزلتها في الموساد على السنين، وضوئلت قوتها البشرية، وخُفض تصنيفها الاداري لكنها رُفِّعت في المدة الاخيرة، في أعقاب التهديدات الارهابية الجديدة للجماعات اليهودية، لرتبة لواء (بين قسم وشعبة) في المنظمة.

        إن نشاط اسرائيل من اجل أمن اليهود مواطني الدول الاخرى مسألة لطيفة، لانها قد تُفسر بأنها تدخل في شؤون داخلية لتلك الدول. أكانت اسرائيل تُمكّن فرنسا أو روسيا من أن تُرشدا مواطنيهما السابقين الذين يعيشون في اسرائيل الى حماية أنفسهم؟ ومع ذلك كله، من الحقائق أن دولة اسرائيل فعلت هذا في الماضي بوساطة "بتسور". في الخمسينيات في المغرب، وفي تونس والجزائر، وفي الستينيات في امريكا الجنوبية (في الارجنتين واورغواي خاصة).

        يمكن أن نفترض اعتمادا على هذه السوابق أن حكومات اسرائيل تجد اليوم طرقا لتحقيق تصور "الاستخبارات اليهودية". يحدث هذا في الأصل بتعاون وثيق مع الجماعات الاستخبارية والشرطة في أنحاء العالم. لا يمر شهر في واقع الأمر دون أن يُكشف في هذه الدولة أو تلك عن معلومات عن نشطاء الجهاد العالمي، الذين يراقبون مؤسسات يهودية في اوروبا، وامريكا الشمالية وآسيا، يجمعون المعلومات ويصورون، بل يتركون شحنات ناسفة خالية. على خلفية هذه التهديدات يعمل ضباط أمن الجماعات اليهودية، بمساعدة اجهزة الأمن المحلية و"الاستخبارات اليهودية"، على احباط خطط التفجير.

 

انشر عبر