شريط الأخبار

أوربا التي تصرخ من سياسات العزل والاقصاء ..علي بدوان

05:58 - 25 تموز / أكتوبر 2010

أوربا التي تصرخ من سياسات العزل والاقصاء ..علي بدوان

جاء صراخ الأطراف الأوروبية بشأن استبعادها من مسار وتفاعلات عملية «التسوية» الجارية في المنطقة متأخراً جداً، بعد سنوات طويلة من الإقصاء الذي مارسته الولايات المتحدة بحق العديد من المنظومات والكتل الدولية الكبرى التي تم تحييدها عن مسار الأحداث في المنطقة، مقابل إبقائها مجموعات مانحة وممولة لعملية التسوية.

وجاءت الصفعة الأميركية القوية لدول الاتحاد الأوروبي، عندما عملت واشنطن على تجاهل دعوة دول الاتحاد أو أي مندوب عنها لحفل افتتاح الجولة الأولى من المفاوضات المباشرة في واشنطن في الثاني من أيلول 2010، وحتى في الجولة الثانية التي عقدت في شرم الشيخ على الرغم من الوساطة المصرية من أجل كرسي للاتحاد الأوروبي، أو من أجل حضور شكلي ولقطة تصويرية أيضاً إلى جانب المتصافحين في شرم الشيخ، قبل دخولهم إلى قاعة المفاوضات المباشرة، علماً أن الرئيس المصري حسني مبارك كان قد وعد الفرنسيين خلال مروره بباريس في طريقه إلى واشنطن في اليوم الأول من أيلول 2010، بدعوة الأوروبيين إلى شرم الشيخ لحضور حفل افتتاح الجولة الثانية من المفاوضات المباشرة، لكنه لم يستطيع الإيفاء بذلك نظراً للموقف الاستبعادي الأميركي الإسرائيلي.

الصراخ الأوروبي والاحتجاج على منطق الاستبعاد، يعبر عن روح جديدة وإيجابية وإن جاء متأخراً جداً، لكن محاذيره تبقى في جوهر الموقف الأوروبي ذاته، الذي كان وما زال موقفاً متذيلاً وبحدود واسعة للموقف الأميركي، ليس بشأن الشرق الأوسط وقضية فلسطين فقط، بل بشأن معظم القضايا الكونية التي باتت في العقد الأخير تقلق المجتمع الدولي بأسره، من أفغانستان إلى العراق إلى الأزمات الاقتصادية العالمية... إلخ.

وفي هذا السياق، تكتسب الجولات المتتالية لوزيرة خارجية دول الاتحاد الأوروبي كاثرين اشتون إلى المنطقة أهمية متزايدة في إطار البحث الأوروبي عن دور جدي وحقيقي وفاعل بعيداً عن الدور الاستخدامي التمويلي الذي طبّع الدور الأوروبي طوال العقدين الماضيين.

فالمطلوب من المبعوثة الأوروبية، ليس دعم المفاوضات المباشرة كما صرح الناطق باسمها، بل المطلوب منها فتح الطريق أمام دور أوروبي جديد، يعيد إلى العملية السياسية نوعاً من التوازن، في ظل الانحدار الذي واجهته وتواجهه منذ سنوات طويلة نتيجة الموقف الأميركي البعيد عن التوازن، والبعيد أيضاً عن المصداقية.

إن عدم وجود ممثل للاتحاد الأوروبي في إطار عملية المفاوضات في المنطقة وعلى مسارها الفلسطيني الإسرائيلي يعود للأوروبيين ذاتهم، الذين ارتضوا هذا الموقف منذ عقدين من الزمن، عندما قبلوا بدورهم السياسي المحدود، واقتصرت مهمتهم على تمويل العملية الجارية ضمن مجموعة الدول المانحة، وهو ما يشبه إلى حد بعيد دور اليابان حتى الصين وروسيا على الرغم من ابتعاد بكين وموسكو عن لعب دور المانح الاقتصادي.

إن الصحوة الأوروبية الأخيرة التي عبر عنها أكثر من مصدر أوروبي مسؤول وآخرهم الرئيس الفرنسي نيكولاي ساركوزي ودون مواربة عند استقباله الرئيس الفلسطيني محمود عباس قبل أقل من أسبوعين بقوله «لا نريد أن نكون مجرد متفرجين لا دور لهم»، مطالباً بدور ملموس وبمكانة لأوروبا. إن هذه الصحوة تبقى دون تأثير ودون تأثيرات على الأرض، مادامت السياسات الأوروبية موازية أو على نسق واحد من الرؤية الأميركية لقضايا المنطقة.

كما أن وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير، ورغم أن الاتحاد الأوروبي ممثل رسمياً في اللجنة الرباعية من أجل الشرق الأوسط، انتقد مع نظيره الإسباني ميغيل انخيل موراتينوس عدم تقدير الولايات المتحدة لدور أوروبا في الشرق الأوسط، معتبراً أن «الولايات المتحدة لا تزال لا تدرك كفاية ما أوروبا».

إن ولادة الدور الأوروبي الجديد والنوعي والمؤثر حتى الحاسم في مسار تقرير الأحداث والوقائع في المنطقة، يتطلب من الأوروبيين مغادرة موقع التذيل للسياسات الأميركية، واشتقاق رؤية سياسية جديدة تقارب قرارات الشرعية الدولية قولاً وعملاً، وتأخذ بالحسبان حالة الظلم والمعاناة الكبرى التي مازال يعيش ويرزح تحتها الشعب العربي الفلسطيني منذ ولادة مأساته إبان حكم الانتداب البريطاني لفلسطين.

وفي هذا السياق، فإن نجاح باريس بالإعداد لقمة (الاتحاد من أجل المتوسط) والمقررة في أواخر تشرين الثاني القادم، والمساهمة في مسار عملية «التسوية» المهددة بالانهيار مع استمرار الرفض الإسرائيلي الصهيوني لوقف عمليات تهويد الأرض الفلسطينية واستيطانها، يفترض بها (أي بباريس) أن تبادر باتخاذ مواقف شجاعة بتسليط الضوء على الموقف الإسرائيلي والضغط على إسرائيل الصهيونية لوقف سياساتها المدمرة لعملية التسوية، وخصوصاً بالنسبة لتهويد الأرض من جانب، ورفع الحصار كاملاً عن قطاع غزة من جانب آخر، خصوصاً أن فرنسا ودول الاتحاد الأوروبي قادرة على الضغط الجدي على إسرائيل انطلاقاً من وزنها الدولي المفترض، وانطلاقاً من كونها الشريك الاقتصادي الأول للدولة العبرية الصهيونية إذ تستورد فرنسا ودول الاتحاد الأوروبي أغلبية الصادرات الإسرائيلية.

في هذا السياق، ومن أجل توضيح الأمور كما هي دون قفزات هوائية، نقول إن دول الاتحاد الأوروبي منقسمة فيما يجري في الشرق الأوسط، وهو أمر أضعف ويضعف من دورها في مسار الأحداث، وفي تشكيل رؤية أوروبية موحدة تجاه عملية التسوية وما يدور بشأنها. فالموقف البريطاني على سبيل المثال، كالموقف الهولندي أضعف من دور أوروبا، وشكل تابعاً أعمى لسياسات الولايات المتحدة خلال العقدين الماضيين، وهو ما اتضح بشكل جلي تجاه الموضوع العراقي على سبيل الذكر لا الحصر، حين افترقت بريطانيا وهولندا عن مواقف الدول الأوروبية، التي ما لبثت أن بادرت والتحقت جميعها بالدور الأميركي.

وعليه، إن من أسباب قصور دور دول الاتحاد الأوروبي في الشرق الأوسط، وحالة التهميش والعزل، يعود لأن الدول الأعضاء في الاتحاد منقسمة للغاية عندما يتعلق الأمر باتخاذ قرارات ملموسة وحاسمة، بشأن ما يجري في المنطقة وفي العالم كله، وتكتفي فقط بإصدار بيانات مليئة بالنيات الحسنة وتقتصر على أدنى قاسم مشترك بينها، وهو أمر يضعف من إمكانية قيامها بدور مؤثر، كما يضعف من إمكانياتها في التأثير على مختلف الأطراف.

أخيراً، إن الولايات المتحدة وإسرائيل، لا تريدان أي شريك أو مراقب في مسار العملية التفاوضية، وذلك لإضعاف الطرف الفلسطيني والعربي عموماً. ومن هنا إن الدور الأوروبي المتوازن المرتقب، والمنتظر من قبل العرب، يفترض بالأوروبيين التفتيش عن مصالحهم التي ابتلعتها واشنطن، كما ابتلعت مصالح غيرهم من الدول والمنظمات السياسية الكبرى في العالم. فأوروبا والعرب جيران في حوض المتوسط، تربطهم علاقات التاريخ والجغرافيا والمصالح، وعلى الأوروبيين أن يعوا حقائق التاريخ ودروسه، فهم من أوجد «إسرائيل» وهم من يدفعون الآن تبعات سياسات قديمة مارسوها خلال عقود ماضية، وأدت بهم في نهاية المطاف إلى دور هزيل لا يرتقي إلى قوة أوروبا وحضورها الحضاري والاقتصادي على صعيد المعمورة بأسرها.

انشر عبر