شريط الأخبار

خليل الهندي والعنف بجامعة بيرزيت- هاني المصري

09:42 - 19 تشرين أول / أكتوبر 2010

خليل الهندي والعنف بجامعة بيرزيت- هاني المصري

 

منذ عدة أيام شاركت بلقاء دعا إليه الدكتور خليل الهندي رئيس جامعة بيرزيت المعين حديثا للكتاب والصحافيين، وذلك للتعارف والبحث في سلم الأولويات الفلسطينية في عدة مسائل هي: العنف المتزايد في الجامعات والمجتمع ككل، مكانة جامعة بيرزيت والتعليم العالي، وكيف لجامعة بيرزيت أن تتواصل وترتقي بخدمة المجتمع بشكل أكثر منهجية.

لا شك أن التواصل بين الجامعات والمؤسسات والفعاليات المجتمعية خصوصا الإعلام مهم جدا، فلا يمكن حل مشاكل التعليم العالي والجامعات بدون تشخيص الأوضاع الراهنة ووضع اليد على الأمراض المزمنة والحديثة، ولا يستطيع أن يفعل ذلك أفضل من الإعلام، إذا حصل على المعلومات اللازمة بسرعة وبشكل منتظم وأولاً بأول، وإذا امتلك الجرأة والإرادة لعرضها بالشكل المناسب والتوقيت المناسب.

الباعث الرئيسي للقاء أن الهندي الفلسطيني الأكاديمي القادم من الخارج بهمة ونشاط للعمل في منصبه الجديد، فوجئ بالحالة التي تعيشها جامعة بيرزيت. فلقد تفجر في وجهه إشكال وصل إلى حد التهديد بقتله وقتل عدد من العاملين في رئاسة الجامعة، لأنهم قرروا إحالة  إلى لجنة النظام كل المتورطين "بطوشة" على اثر ندوة  حدثت في الجامعة أدت إلى جرح أكثر من شخص نقلوا إلى المستشفى نتيجة الضرب.

لقد رفض المعنيون المثول أمام لجنة النظام، هذا لأنه زعيم سياسي أو طلابي أو ينتمي لهذه الجهة أو تلك، وذاك لأن هيبته ومكانته ستمس وهذا ما لن يسمح به.

وأمام إصرار رئاسة الجامعة على الالتزام بالقانون تم التمرد عليها بإغلاق الجامعة والإضراب وتهديدها بالقتل، وعندما وصلت المسألة إلى هذا الحد انقلب الموقف جذريا، ومثل الجميع أمام لجنة النظام، وتحركت الأجهزة الأمنية لمعالجة الموقف، واعتقلت أحد المتهمين وكلفت الجامعة محاميا للدفاع عنه.

إن المسألة لا تقتصر على حادث معزول وإنما هناك ظاهرة من العنف اللفظي الذي يعتبر التربة الخصبة لاندلاع العنف الجسدي، وترجع إلى ضعف الثقافة والتقاليد الديمقراطية والابتعاد عن تكريس مبدأ احترام الرأي والرأي الاخر، وإلى التمرد على النظام والخلط بين السياسي والأمني والأكاديمي والطلابي، بحيث لم تعد الجامعة جامعة، بل يستطيع من يريد من أصحاب النفوذ أن يدخل على رئيس الجامعة بأي وقت بدون موعد ولا استئذان، ويستطيع أن يتدخل بكل شيء بما في ذلك القرارات الأكاديمية، وأن يعتبر واحدا اخر أو جهة أخرى نفسه أو هي المرجعية العليا للجامعة.

هذا وغيره كثير أدى إلى تراجع في المكانة الأكاديمية والديمقراطية والوطنية والليبرالية، ليس لجامعة بيرزيت لوحدها التي كانت ولا زالت منارة الوطنية الديمقراطية  والليبرالية والأكاديمية، بل إلى تراجع التعليم بشكل عام والتعليم الجامعي بشكل خاص.

لا يمكن إلقاء اللوم كله على شماعة الفوضى والفلتان الأمني، وخصوصا أنهما تراجعا كثيرا في السنوات القليلة الأخيرة.

طبعا الاحتلال لعب دورا ويلعب دورا رئيسيا في حدوث ما حدث، بشكل مباشر وغير مباشر. فعندما يقوم الاحتلال بمصادرة الأراضي وطرد السكان، وبناء المستوطنات وفصل القدس وتهويدها وأسرلتها، وتقطيع أوصال الضفة، وفرض الحصار على غزة، والسيطرة على المقدسات والمساس بها، بالحرق والاعتداءات، والعدوان المستمر بالاغتيال والاعتقال والتعذيب، والإهانات اليومية. ففي كل يوم يشاهد الفلسطيني اعتداء على مسجد أو دهسا لأطفال أمام عدسات التلفزيون أو قيام جندي أو جندية بالرقص أثناء تعذيبه أسيرة أو بالتفاخر بأن معظم الجنود مثلهما يرغبون في قتل العرب وتهجيرهم، أو يتعرض مسجد أو أشجار للحرق وتقوم الدوريات الإسرائيلية باقتحام أي مدينة واعتقال واغتيال من تريد بدون تمييز، وبدون احترام للاتفاقات ولا عملية السلام المزعومة.

 إن الاحتلال شأنه شأن أي استعمار، فضلا عن أنه استعمار استيطاني إجلائي عنصري، يريد ان يحل شعب محل شعب اخر، اعتمد سياسة فرق تسد، ففصل بين الأرض الفلسطينية والإنسان الفلسطيني، وفصل بين القضايا والمراحل وصنف الأرض إلى أ، ب، ج، وعمل منذ بداية التسعينيات على الأقل إلى الفصل بين الضفة وقطاع غزة، وصولا إلى خطة فك الارتباط، الذي هلل الجميع لها باعتبارها انتصارا فلسطينيا، في حين إنها رؤية إستراتيجية لدى شارون جعلت إسرائيل تستعيد زمام المبادرة وتجعل لعبتها (خطتها) هي اللعبة الوحيدة في المدينة، وهي تقوم على التراجع الإسرائيلي خطوة واحدة للخلف في غزة من أجل التقدم عشر خطوات في الضفة، وهذا فصل بين الضفة وغزة وأشعل الصراع بين الفلسطينيين على السلطة في غزة وصولا إلى الانقسام.

بعد الاحتلال يتحمل الانقسام المدمر المسؤولية عما تشهده الجامعات ويشهده المجتمع من تزايد العنف المجتمعي والسياسي. والانقسام تتحمل مسؤوليته الأطراف التي ساهمت بحدوثه. لقد أصبح لدينا استقطاب حاد وسلطتان، كل سلطة تدعي أنها السلطة  الشرعية وعلى حق، وهذا الادعاء يعطيها الحق بممارسة كل أشكال القمع والعدوان على الحريات ضد المؤسسات والأفراد الذين ينتمون إلى الطرف الاخر. وطبعا انعكس هذا الانقسام والاعتقالات والاعتداءات على كل مكان، وعلى الجامعات، وعلى جامعة بيرزيت أيضا. فأصبح اعتقال الفلسطينيين بمن فيهم الطلاب وأساتذة الجامعات بالشبهة أو من قبيل الاحتياط أو بشكل من أشكال الانتقام أمرا عاديا.

إن العنف الممارس من الاحتلال إذا لم يجد مسربا للتنفيس عنه ضد الاحتلال بالمقاومة سيجد مسارب داخلية لينفس عن نفسه.

إن هذا الوضع أطلق القوة الظلامية في المجتمع من جحورها فانطلقت لتثأر من الوطنية والديمقراطية والقومية واليسارية أعدائها التاريخيين، وحملتها مسؤولية ما جرى من هزائم وتراجع وانقسام، وادعت أنها وحدها تملك مفتاح الخلاص العظيم مدعية أنها تنتمي للدين وتتحدث باسمه والدين منها بريء.

وهذا ينقلنا إلى العامل الثالث وربما الأهم في حدوث ما يحدث في مجتمعنا وبين صفوف شعبنا، وهو تراجع البرنامج الوطني وتآكل المرجعيات الفلسطينية كافة، ووقف أو تعليق المقاومة حتى إشعار آخر بدون أن يوقف الاحتلال عنفه وتنفيذ مخططاته التوسعية والاستيطانية والعنصرية، وبدون وضع إستراتيجية مقاومة مثمرة تتناسب مع خصائص الصراع وموازين القوى والخبرة المستفادة ما أطلق العنف على الداخل بدلا من أن يسير في مجراه الطبيعي ردا على الاحتلال المولد الأساسي للمقاومة بكل أشكالها.

إن هناك من اعتقد أن بناء السلطة ينهي مرحلة التحرر الوطني أو يكاد ينهيها وأخذ يتصرف على هذا الأساس، وكأننا دولة او دولة قيد التأسيس وأن الدولة على مرمى حجر. وعندما تضيع مهمات التحرر الوطني تضيع المصلحة الوطنية والمرجعيات والقيم وتصعد المصالح الفردية والفئوية والحزبية والجهوية وتنهار الأخلاق والقيم.

إن البرنامج الوطني هو الذي وحد الفلسطينيين وساعد على بلورة قضيتهم وهويتهم وكيانهم وجعل لهم قيادة واحدة وقرارا واحدا.

لذا فإن تراجع مكانة البرنامج الوطني تؤدي إلى ضياع كل شيء، لذا فالحل يكمن في إعادة الاعتبار للبرنامج الوطني في سياق إعادة بلورة الميثاق الوطني الذي يجسد ركائز المصلحة الوطنية العليا والقواسم المشتركة، وإرساء مفهوم الشراكة الحقيقية، وعلى أساس تعميق وإغناء الأسس الديمقراطية.

طبعا هناك أسباب اخرى كثيرة لما يحدث، مثل اختلاف وتراجع التعليم على اثر تغيير المناهج المدرسية بدون توضيح  العقيدة التي تستند إليها المناهج الجديدة التي أصبحت تتسع لرؤية الاخر وإلى الجمع والتناقض بين مهام مرحلتين. وهناك اختلاف في المدارس حول دور المدارس والجامعات تحديدا وهل تبلي احتياجات المجتمع أم سوق العمل. وهل تعلم التلقين والحفظ أم تعلم التفكير والتحليل والمبادرة. هل المدرسة مدرسة والجامعة جامعة أم ان الجامعة  مدرسة لطلاب أكبر عمراً.

أين الأبحاث والتخطيط والبدائل والخيارات والمشاريع والمبادرات والاختراعات في الجامعات، وما حجم الساعات والمساقات والنشاطات غير المنهجية؟.

أين الندوات والمناظرات؟. أنا أعرف منتدى في جامعة بيرزيت شاركت في إحدى مناظراته ورأيت مدى اهتمام الطلاب به ومدى حيويته وفائدته، لماذا لا يعمم ويكون هناك مناظرات اجتماعية واقتصادية وثقافية وليست سياسية فقط وبشكل دائم وليس مرة في العام.

الكل مسؤول، ولكن تتفاوت المسؤوليات وفقا للصلاحيات والشرعية والإمكانات، فلا يمكن تعويم المسؤولية. فمسؤولية الرئيس ورئيس الحكومة والوزير والأمين العام للفصيل تختلف عن مسؤولية ابن الشعب البسيط. وتبقى المسؤولية كبيرة على المثقف والأكاديمي والإعلامي والقانوني فهو عليه مسؤولية خاصة فهو رائد وعلى الرائد أن لا يكذب اهله.

أين سيادة وهيبة القانون؟، ولماذا لا يحاكم كل من يعتدي على الحريات والأفراد والممتلكات الخاصة والعامة  والصلاحيات والمرجعيات  في الضفة الغربية وقطاع غزة، خصوصا عندما  يرتكب جناية في الجامعات أو خارجها؟. ولماذا يكون بعض الطلاب أفراداً وضباطاً في أجهزة الأمن؟، ولماذا لا تردع الفصائل وقادتها الطلاب المنتمين لها عندما يمارسون سلطة داخل أو فوق السلطة في الجامعات أو خارجها؟.

نرحب بقدومك يا رئيس جامعة بيرزيت الجديد، ونحن معك في  إصرارك على جعل الجامعة جامعة أكثر مما كانت من قبل، وعلى الفصل بين السلطات والأدوار فيها، بحيث تقوم كل مؤسسة فيها بواجباتها، ومثلما قلت الجامعة بها كثير من المشاكل، لذلك هناك مجال كبير لتحسينها.

يمكن أن تعود جامعة بيرزيت كما كانت وأفضل، إذا توفرت الإرادة والرؤية والمنهج العلمي والاستعدادبقدر محسوب من المجازفة وإذا تواصلت مع قوى ومؤسسات المجتمع فلا أحد أو مؤسسة أو حزب خارج المسؤولية.

 

 

 

 

 

انشر عبر