شريط الأخبار

دمه في رقابكم- يديعوت

11:45 - 12 تشرين أول / أكتوبر 2010

دمه في رقابكم- يديعوت

بقلم: ايتان هابر

        (المضمون:  أشرف مروان يجثم في مثواه، يسأل نفسه عن العرفان بالجميل من هؤلاء الاسرائيليين. ونحن نسأل: "من هو هذا الغبي، التافه، الذي سيوافق على ان يخدم دولة اسرائيل، اذا كانت هكذا ترد الدولة الجميل لمن يحسن اليها - المصدر).

        دقيقة واحدة، ستون ثانية، قبل اندلاع حرب يوم الغفران كنت في المكان الاهم، والاكثر اجتذابا في ذاك اليوم: امام رئيس شعبة الاستخبارات، اللواء ايلي زعيرا، في مكتبه في تل أبيب. في الساعة سبقت تلك الدقيقة وصف زعيرا للمراسلين العسكريين ما من المتوقع أن يحصل في ذاك، وان كان حذرا في أقواله وغير مرة قال "وربما لا". بمعنى، قد لا يحصل هذا فلا تندلع حرب. وقد استند الى نجاح شعبة الاستخبارات (ونجاحه) في أيار 73، حين ادعى بانه لن تندلع حرب – وكان دقيقا. بعد دقيقة بدأ تراكض في مكتب زعيرا، وبعد دقيقة اخرى سرقت صافرات الانذار كلامه.

        زعيرا كان في الستينيات والسبعينيات من الاشخاص الاكثر بروزا في الجيش الاسرائيلي. مثقف، عقل تحليلي فائق، يفهم ويستطيع الافهام، لامع، مغرور، مغترب وبعيد، يعتبر زعيرا من أربعة – خمسة ضباط كانت هالتهم تسبقهم. جاءت مفاجأة حرب يوم الغفران وحطمت له حياته المهنية، مثل غيره، تماما.

        بعد الحرب كان محطما. رفاقه تنكروا له وهو دفع الثمن ايضا، وليس فقط، لقاء غروره. زعيرا استلقى على الارضية. في هذا الوضع توجه اليه لتمزيقه إربا بعضا من جيرانه في حي تسهلا: فقد نشروا، فور الحرب، بان زعيرا رمم بيته في أثناء المعارك واستخدم الجنود كي ينقل الاثاث. انا اعرف شخصيا اسرائيل واحد على الاقل كان مستعدا لان يطلق النار عليه. في هذا الوضع الفظيع، محطما ومهانا قررت أن أكون له فما. ما الذي يمكن عمله؟ كان لي، ولدي، تقدير لهذا الرجل المميز.

        بمبادرة أحد افراد عائلته، موشيه زعيرا، مدير مطبعة "يديعوت احرونوت" جئت الى بيته لسماع روايته. وجدت شخصا محطما ومهانا روى لي ما حصل في موضوع الاثاث (ولم يكن مقنعا جدا)، ذرفت عيونه الدموع عندما استند الى الباب وسأل: "من سيأتي الى عرس ابنتي" بعد (اسبوعين، شهرين، لا أذكر).

        واعتزل زعيرا الجيش الاسرائيلي وذهب الى حياة جديدة. اختفى عن شاشة الرادار، لم يتحدث مع أحد، لم يلتقِ بأحد. الرجل نبذه أفضل اصدقائه وتراكض في أرجاء العالم ليبيع المعلومات الامنية. "اين عنوانك؟" سألته ذات مرة، فأجاب: "في الطائرات".

        في لقائه في مطعم "لوتس" في تل أبيب اقنعت زعيرا بان يكتب روايته حول ما حصل قبل يوم الغفران الفظيع اياه. كما أن اعدت له بعضا من كبريائه حيث بعد سنوات من النبذ، دعي الى حفلة يوم الاستقلال لدى وزير الدفاع. اما تواصل النبذ من جانب الاصدقاء في ذاك الحدث فلم يكن بمسؤوليتي.

        في محاولة لان يزيح عنه جزءا على الاقل من تهمة المفاجأة في يوم الغفران، علق زعيرا جزءا من التهمة على العميل الاروع الذي كان لدولة اسرائيل في أي وقت مضى – المصري أشرف مروان. فقد ادعى زعيرا بان مروان الذي كان "عميلا مزدوجا" أفشلنا. باختصار، العميل أطعمنا "طعما" هائلا وضللنا.

        لسنوات، سنوات جيل تقريبا بعد الحرب، دحرج زعيرا الاسم الصريح لـ "الملاك" (كان هذا لقبه في الموساد) كي يدحرج عن ظهره جزءا على الاقل من المسؤولية المسجلة على اسمه في الطابو. وهكذا تدحرج الاسم الصحيح الى ان نشر في وسائل الاعلام – ومن هنا وحتى وفاته كان الطريق قصيرا. دولة اسرائيل عوضت بشكل رائع العميل المذهل، الاستثنائي الخاص بها: فهي، أو على الاقل بعض من مواطنيها، تسببوا بسقوطه ليلقى حتفه من شرفة في لندن.

        ليس هنا المكان والا الزمان (ولعله لن يأتي أبدا) لنفصل كم كانت حجة "العميل المزدوج" مدحوضة، غبية وتافهة. كل من على مدى السنين في الموساد وفي أمان ولدى رئيس الوزراء عالج المادة التي جاءت من "الملاك" يعرف كم كان هذا الرجل بالفعل "ملاكا" كلقبه. مئات وربما الاف الاسرائيليين مدينون له بحياتهم – وهم لا يعرفون بانهم كانوا على وشك الموت. فهل هو "عميل مزدوج"؟

        انتاب المصريين عار كبير حين انكشفت القصة وتعلقوا على الفور بمسألة "العميل المزدوج". وقالوا: "عرفنا. هو كان رجلنا". وما الذي سيقولوه بالطبع؟ أين سيخفون عارهم؟ وزعيرا حل في مكان جيد من الادعاءات المصرية. وقد سبق أن قيل: "لا يراجع المرء أحدا في لحظة الخطر". قاضي العليا، الذي عين كمحكما، قضى بان تسريب اسم مروان جاء من عندنا – وهكذا يمكننا أن نقول بالفم المليء: دم أشرف مروان في رقبة المسرب أو المسربين والناشرين.

        القصة انتهت. مروان يجثم في مثواه، يسأل نفسه عن العرفان بالجميل من هؤلاء الاسرائيليين. ونحن نسأل: "من هو هذا الغبي، التافه، الذي سيوافق على ان يخدم دولة اسرائيل، اذا كانت هكذا ترد الدولة الجميل لمن يحسن اليها.

انشر عبر