شريط الأخبار

يقولون اننا انتصرنا.. يديعوت

11:27 - 01 تموز / أكتوبر 2010

بقلم: عوديد شالوم وجدعون مارون

بنظرة من الحاجز تبدو رام الله كمشهد سريالي: فبخار يطمس الرؤية ويمنح المدينة منظر أشباح. الابراج الجديدة التي بنيت فيها في الآونة الاخيرة منتصبة، ولافتات دعاية ضخمة تلوح من بعيد لكن لا يمكن تمييز مضمونها بسبب الرؤية السيئة.

وقفنا قرب حاجز الـ في آي بي عند مفترق المحكمة العسكرية قرب بيت إيل، وهو حاجز يستطيع الفلسطينيون المحظوظون فقط عبوره بغير تفتيش دقيق. مثل مسؤولي السلطة على اختلافهم الذين تُصرف عنهم متاعب الحواجز العادية. فهنالك عرض البطاقة، ونظرة خاطفة الى وجه السائق وضربة خفيفة لمعدن السيارة من الجنود في الحاجز تحرر السيارة وركابها الى طريقهم. هنا يعبر شرطي من السلطة الفلسطينية. ينظر الجندي نظرة خاطفة في البطاقة. "غود جوب"، يُطري السائق ويخلي سبيله.

قبل عشر سنين ظهرت هنا خارطة طريق مختلفة تماما. أفضى الطريق الصاعد من شارع 60 الى مفترق "أيوش" (ارض اسرائيل والسامرة) وتشعب الطريق منه: فالى اليمين الى بيت ايل والى اليسار الى رام الله. كان دخول المدينة الفلسطينية مفتوحا للاسرائيليين. كان يستطيع من أراد تقصير طريقه الى القدس أن يفعل ذلك وأن يقوم على الطريق بشراء أو يجلس في مطعم. كانت تلك اياما مختلفة لو نظر اليها من وجهة النظر هذه الايام لبدت وكأنها مأخوذة من فيلم بالاسود والابيض في مطلع القرن السابق. تدفق الكثير من الدم السيء في المنطقة منذ ذلك الحين.

كان يوم الاربعاء هذا الاسبوع يوم الذكرى السنوية العاشرة لبدء الانتفاضة الثانية. مر وقت منذ اللحظة التي نشبت فيها حتى أدركوا في الجيش والادارة المدنية انه لا يحسن بالاسرائيليين الاستمرار على دخول المدن الفلسطينية. سُد التوجه الى اليمين من مفترق "ايوش". وشُق شارع التفافي، ولم يعد المفترق يُرى اليوم للمسافر في الشارع. فالطريق الجديد لا يُمكن من السفر بجوار الارض الفلسطينية حتى لمن يرغب في ذلك. لا مكان للاخطاء. ومن يصر يقف عند الحاجز وقبل أن يأتي الجنود نحوه تستقبله لافتة بيضاء باهرة: "رام الله (لا دخول للاسرائيليين)". على نحو قاطع لا لبس فيه.

وقف جنديان عند حاجز الاشخاص المهمين في يوم الاثنين ظهرا. كان الأرفع رتبة فيهما مع رتبة نقيب. عندما وقفنا هناك وصور المصور خرجت سيارة تندر عسكرية من المعسكر المجاور وتبادل الجنود التحيات. "قل لي يا زئيفي"، سأل النقيب من الحاجز أحد راكبي التندر "هل الذهب الاسود هو الكولا في هذا السياق؟".

"لا علم لي"، أجاب ذلك الذي في التندر، "أعلم فقط أن الذهب الابيض هو ورق المرحاض".

في تلك الاثناء انتظر على الحاجز سيارتان، وطُلب الى السائق الاول أن يلتف راجعا. وقاد التالي سيارة ترانزيت خضراء كتب عليها بالانجليزية: "الأمن الوقائي الفلسطيني". سمح له الجنود بالمرور. عندما سألنا لماذا سمح له أجابونا بجفاف: "يمر هنا من هم في رتبة ميجر فما فوق".

كانت الدفاتر مفتوحة وكتبت اليد ووقفت الى جانبنا سيارة جيب بيضاء باهرة اللون. أخرج السائق رأسه الى الخارج وسأل بالانجليزية: "هل أنتم صحفيون؟".

وقف خالد قاسم مراسل شبكة تلفاز "العربية" في الضفة جانبا بعد أن اجتاز الحاجز. عاد من لقاءات مع مسؤولي السلطة الكبار. تحسس النبض قبيل القرار على استمرار المحادثات المباشرة على خلفية تجديد البناء في المناطق.

"ماذا، أهذا الاسبوع هو ذكرى مرور عشر سنين على بدء الانتفاضة؟ نسيت ذلك"، قال.

في نظرة الى الوراء، كيف ينظر الجمهور الفلسطيني اليوم الى الانتفاضة؟

"اذا كنتم تسألونني بصفتي مواطنا فلسطينيا، فان الناس نادمون لان الانتفاضة اصبحت كفاحا مسلحا. كان الحزن الذي وقع عليهم بسبب استعمال السلاح ثقيلا جدا. لم تكن تلك قوات. دفعنا ثمنا باهظا: اربعة آلاف شهيد، وعشرة آلاف معاق، و11 ألف سجين وحواجز في كل مكان. قبل الانتفاضة كان مصدر عيش وكان أمن وتدهور الوضع عندما بدأت الحرب".

هل تُرى الانتفاضة فشلا؟.

"بالتأكيد. ماذا كسبنا بحياتك؟ ربما كانت مكاسب سياسية لكن المواطن البسيط لا يشعر بذلك في حياته اليومية". بعد ذلك هاتفنا زكريا الزبيدي في جنين الذي كان قائد كتائب شهداء الاقصى وهو اليوم مدير مسرح للاولاد. "لا يمكن ان نقول اننا انتصرنا لاننا ما نزال تحت احتلال"، يقول الزبيدي، "لكن هذه الانتفاضة علمتكم انه يجب عليكم أن تعطوا الشعب الفلسطيني حريته. بيّنا لكم انه لا يمكن اسكاتنا، واذا لم نحصل على دولة فسيوجد نضال آخر ثم آخر حتى نفوز بالحرية. يجب عليكم أن تفهموا انه يوجد لكم الآن ايضا شريك مستعد لصنع السلام، واضاعة الفرصة خسارة. لا يمكن أن نعلم من سيأتي بعد أبو مازن".

حتى وقع الأمر

بدأ البروفيسور زاخي شالوم والدكتور يوعاز هندل يبحثان قبل ثلاث سنين عن وقائع الانتفاضة الثانية. ضُمت نتائج بحثهما هذا الاسبوع في كتاب. يعتقد كلاهما ان فترة الانتفاضة الثانية ستذكر في تاريخ اسرائيل من نواحٍ كثيرة بأنها أشد معركة واجهتها الدولة منذ انشئت. هذا قول بعيد المدى، ومن الواضح لكم انه قد يصيب كثيرين بالتعجب.

"كانت عندنا حرب الاستقلال وحرب يوم الغفران"، يقول البروفيسور شالوم، "وفيهما زاد عدد القتلى كثيرا على عددهم في الانتفاضة".

وبرغم ذلك "اضيف الى حرب الانتفاضة مميزات زادت خطرها اكثر من جميع المعارك الاخرى التي عرفناها. فالعدو غير واضح حقا، مثلا. وليس معروفا هل عرفات عدو أم شريك؟ وثانيا عدم اتفاق عند الجمهور على عدالة الحرب. وشيء ثالث: ان الجيش نفسه لم يؤمن بأنه يمكن الانتصار في الحرب مع الارهاب".

شالوم استاذ جامعة في التاريخ في جامعة بن غوريون التي يعمل فيها منذ اكثر من ثلاثين سنة وقد نشر عشرات الكتب. وهندل مقدم في قوات الاحتياط خريج الوحدة البحرية وهو دكتور في التاريخ ومحاضر في جامعة بار ايلان، وهو ايضا صحفي يكتب أعمدة صحفية وتحليلات صحفية في صحيفة "يديعوت احرونوت" ومن جملة ما يكتب عمود ثابت في هذا الملحق.

سبق الكتاب بحث طال ثلاث سنين كانت نتيجته الرئيسة ان جيش الدولة كان يستطيع أن يهزم منظمة ارهابية، بخلاف التصور السائد.

على حسب ما يرى الشباك، المواجهة التي تُعرّف بأنها الانتفاضة الثانية طالت ثماني سنين وثلاثة اشهر: من التاسع والعشرين في ايلول 2000 حتى نهاية 2009. في هذه المدة قُتل ألف ومئة وثمانية وسبعون اسرائيليا وجرح ثمانية آلاف واثنان وعشرون. تُبين الرسوم البيانية معطيات جافة: هبوط حاد في السنتين الاوليين وهبوط مستمر بعد ذلك. لكن الارقام لا تدل على المعاناة الفظيعة التي جربها الطرفان: الاسرائيليون الذين عاشوا في رعب والفلسطينيون الذين دفعوا ثمنا أبهظ كثيرا.

يبحث شالوم وهندل عن الفروض التي دخلت اسرائيل المواجهة معها، وعن التوتر بين التوجهين الاساسيين في المجتمع الاسرائيلي: توجه التسوية بازاء توجه المواجهة. اولئك الذين آمنوا بأنه يجب على اسرائيل برغم كل شيء أن تسعى الى تسوية، لانه لا يمكن اخضاع الارهاب بعمل عسكري، بازاء اولئك الذين قالوا انه لا يوجد شريك حقيقي في الجانب الثاني، وان المسيرة السلمية هي مسيرة وهمية، وانه تجب محاربة العدو والانتصار عليه.

"وجدنا الكثير من تصريحات المحللين الكبار وأناس المؤسسة الامنية، مثل رئيس الاركان السابق دان شومرون واللواء (احتياط) عميرام متسناع"، يقول هندل، "اللذين قالا انه لا يمكن ان يُهزم الارهاب وان الحل الوحيد هو حل سياسي. في السنتين الاوليين للمواجهة وُجد اولئك الذين صرخوا: دعوا الجيش ينتصر بازاء اولئك الذين اعتقدوا انه يمكن احتواء الأحداث دون دخول عملية عسكرية كثيفة. واحتيج الى وقت حتى حسم الامر".

العودة الى الايام الستة

استطعنا الخروج من رحلتنا في تتبع الانتفاضة الثانية من كل نقطة في البلاد تقريبا، من ايلات حتى الشمال البعيد، ومن تل ابيب في الغرب حتى الغور في الشرق، طولا وعرضا، أينما شئتم أن تضعوا اصابعكم على الخريطة وقعت عندنا عمليات. 146 عملية انتحارية، و152 عملية طعن و39 سيارة مفخخة، و13707 أحداث اطلاق نار من سلاح خفيف، جعلت شوارع المدن وشوارع يهودا والسامرة ميادين قتل.

بدأنا من موقع الوقوف في شارع "هأنفا" في حي غيلو في القدس. قبل شهر بدأت وزارة الأمن تزيل الالواح الاسمنتية التي أقيمت عند طرف الحي الجنوبي. 800 لوح على امتداد 600 متر. بدأ اطلاق النار على الحي بعد زمن قصير من نشوب الانتفاضة، وتلقت بيوت هذا الشارع الهادىء اكثر الرشقات.

تسكن افيتال بباي في الطبقة الثانية لأحد المباني. لن تنسى اليوم الذي جلست فيه وحدها في صالون البيت، وهي بنت في الصف الخامس، في ساعات ما بعد الظهيرة عندما سمعت فجأة دوي تهشم عظيم. "أصابت رصاصة نافذة غرفتي وسمعت اطلاق نار من الخارج. دخلت في ضغط وبكيت وصعدت الى الجيران مذعورة. وقعت بعد ذلك حادثة اخرى عندما دخلت رصاصة البيت من نافذة المطبخ".

يكاد كل واحد من السكان هنا يجر ذكريات سيئة من تلك الايام. أما من هم غير ذلك فقد انتقلوا الى هنا بعد أن وقف اطلاق النار فقط وحلوا محل من لم يستطيعوا الثبات بعد للخوف فغادروا. أقيم سور الاسمنت زمنا طويلا جدا بعد بدء اطلاق النار. وهذا مثل آخر على أن جهاز الأمن والجيش عملا في البدء بتردد وعدم فهم من وماذا يواجهان.

"هذه اول مرة في معارك اسرائيل"، يقول شالوم، "لم يكن واضحا من هو العدو بالضبط. هل عرفات عدو أو شريك؟ فمن جهة رأوه حليفا لانه ندد بالارهاب نحو الخارج، لكن اوضحت معلومات استخبارية انه شريك كامل في الارهاب. لهذا لم يكن واضحا من هو العدو ومن الذي يمكن المس به ومن لا يمكن".

وقفنا في حرارة النهار ونظرنا الى بيوت بيت جالا. أزيل السور لكن الفيلبوكس عند المنحدر فوق الوادي بقي مكانه. لا يوجد فيه أحد الان لكن لا يمكن ان نعلم متى سيحتاج اليه مرة اخرى. يتذكر هندل خدمته الاحتياطية الاولى في الانتفاضة. "كان ذلك حقا في الاسابيع الاولى. كان اطلاق نار في جميع الجبهات ولم يعرف الجيش كيف يهضمه. نزلت الى حاجز ايرز مع فريق من القناصة. تلقينا في البدء مهمة حراسة ممر الاقلاع في مطار الدهنية لكن ذلك ألغي في الغد.

"كانت تلك ايام غضب. سار الغزيون نحو الحاجز، وصاحوا صيحات ورموا حجارة. لم يكن واضحا لأحد من هو العدو الذي يواجهنا. وفي المساء جرت عند الحاجز محادثات مع كبار مسؤولي السلطة، وجاء براك وجاء بيرس وكانت كل صباح هبات غضب. اقترب جمهور متحمس من المواقع العسكرية. رأيت شرطيا فلسطينيا يرفع سلاحه ويطلق النار عليك ويجري ليختبىء.

"لم يكن أحد قد تحدث بعد بمفاهيم الانتفاضة. قال براك انه ما يزال من الممكن اخماد اللهب واستمر على اللقاءات السياسية ووقعت بلبلة. لم يكن واضحا من الذي نحادثه ومن الذي نطلق النار عليه. بعد عملية التنكيل برجلي الاحتياط في رام الله، حذر الجيش الاسرائيلي السلطة لتخلي مراكز شرطتها ودمرها، لكن ذلك كان قصفا وهميا".

شالوم: "لم أجد أن الجيش الاسرائيلي ضغط لتغيير السياسة التي نهجها له المستوى السياسي، والتي كانت ضبط النفس والاحتواء.

"كل قضية الردع مطوية في هذا المكان، في هذا الشارع في غيلو. أطلقوا النار على حي اسرائيلي، في العاصمة، وعندما جاءوا الى هنا بدبابات قصفتهم وأطلقت مروحيات حربية النار من الجو، لم يكفوا عن ذلك. كانت استراتيجيتهم الاستنزاف وزرع الخوف".

هندل: "كان لاطلاق النار على غيلو رمزية ضخمة. فقد اصبحت القدس لاول مرة منذ الايام الستة واقعة تحت النار. وفي نهاية الامر اقامت دولة اسرائيل سورا لصد اطلاق النار".

بحثنا عن شعار بسيط

في المنطقة الصناعية "شاعر بنيامين" على شارع 60، تحت مستوطنة بسغوت، وجدنا شمعون ريكلين يقف وينظر الى حفّار يحفر له في الارض حفرا للاعمدة اللولبية. الحديث عن حفار ضخم، كان ممنوعا في عشرة شهور التجميد منعا باتا من دخول مناطق الاستيطان في يهودا والسامرة. بدأ يحفر عند خروج يوم الاحد لان ريكلين لم يكن يستطيع ضبط نفسه والانتظار بضع ساعات اخرى حتى الصباح.

انه خبير آثار في مهنته، يسكن معاليه – مخميش، وهو واحد ممن انشأوا البؤر الاستيطانية في التسعينيات قبل أن يولد شبان هذه الايام الذين ينصبون كوخ صفيح فوق تل أجرد ويعلنون بأنه بؤرة استيطانية.

تبنى شالوم وهندل الشعار الذي أبدعه أوري اريئيل، "دعوا الجيش الاسرائيلي ينتصر"، على أنه شعار كتابهما. "اذا كان المستوطنون في الانتفاضة الاولى قد أخذوا بتوجه محدد نحو الجيش ونحو مواطني الخط الاخضر، فقد أدركوا في الانتفاضة الثانية أننا جميعا في قارب واحد"، يقول هندل، عندما نقف على الارض مع ريكلين ونأكل الغبار الذي يثيره الحفر. يأتي فلسطيني شاب من مكان ما مع صينية خشبية صغيرة وعليها كؤوس القهوة والشاي التي نتناولها.

كان اريئيل نفسه، وهو اليوم عضو كنيست عن الاتحاد الوطني، الأمين العام لمجلس "يشع" في تلك الايام. يتذكر هذا الاسبوع الجلسة التي وُلد الشعار فيها: "كان ذلك حقا بعد نشوب الانتفاضة بعدة اسابيع. كان الجو في البلاد وفي المستوطنات صعبا جدا، وحاولنا ان نرى كيف نستطيع دفع المستوى السياسي الى تغيير توجيهاته للمستوى العسكري. كان واضحا لنا أنه اذا أمر المستوى العسكري الجيش بألا يعالج بل يقضي وينتصر على الارهاب، فان الجيش سيعرف كيف يفعل ذلك.

"كنا سبعة اشخاص أو ثمانية، رؤساء مستوطنات ومجالس، وتحدثنا عن مظاهرة كبيرة في القدس وبحثنا عن شعار بسيط قابل للفهم ينقل رسالتنا على نحو واضح. وآنذاك انبثق هذا القول الذي دار في رأسي".

هل تعتقد أن هذا الشعار هو الذي أفضى الى تغيير السياسة؟

"كان ذلك ادماجا لعدة عناصر، لكن الشعار استوعب في الحال في الخطاب العام والاعلامي. كنا حافزا الى سياسة اخرى، سياسة اثبتت نفسها".

عندما نشبت الانتفاضة بدأت تهيج مثل عاصفة في شوارع الضفة ووقع 880 عملية اطلاق نار في الاشهر الثلاثة الاولى. و1900 عملية اطلاق نار في 2001. و1395 في السنة التي تلتها. قُتل 199 اسرائيليا في سنوات المواجهة في يهودا والسامرة منهم 108 مدنيين اكثرهم من سكان المستوطنات واكثرهم في السنتين الاوليين.

"كنا نجري حسابا لكل سفر صغير"، يقول ريكلين "لاننا كنا نخاف السير في الشارع. لم أكن استطيع أخذ الاولاد الى حلقات في القدس بسبب الحسابات التي أجريتها".

واليوم؟

"لا يوجد خوف كهذا. لا كما كان آنذاك. تم هنا احراز حسم استراتيجي. كانت بلبلة في البدء، وتوتر فظيع بين الواقع الميداني وبين وهم السلام وانه يجب الاستمرار على التحادث. كلفنا ذلك ثمنا فظيعا من حياة البشر. قلنا آنذاك انهم لا يدعون الجيش الاسرائيلي ينتصر. لاننا رأينا رد الجيش المستسلم، عن غير ذنب منه".

شالوم: "جرى ايجاد الشعار بعد زمن قصير جدا لنشوب الانتفاضة. توجه المستوطنون للتظاهر في القدس، وفي مساء المظاهرة أبدع اريئيل هذا الشعار الذي اصبح يردده المستوطنون وجرى استيعابه عند الجمهور الاسرائيلي كله بعد ذلك".

ولا يعتقد ريكلين ان الفلسطينيين انتُصر عليهم فقط. "لقد هُزموا! ونحن اليوم نعيش في بيئة اكثر أمنا".

يعتقد هندل ان الانتصار في الانتفاضة مكّن من التجميد. "كان التجميد بلا هدف وكان ممكنا بسبب الهدوء الميداني. عندما تكون في حرب لا وقت عندك لتشغل نفسك باجراءات باطلة وسخافات. ماذا أسهم التجميد في عوفره لفلسطيني في جنين أو الخليل؟ لا شيء".

لكن ريكلين يزعم ان التجميد لم ينته، برغم ان ضجيج الحفار الذي يطحن تراب ارضه يشير ان نعم. "هذا بمقياس صغير"، يقول، "الكتلة الرئيسة هي الكتل الاستيطانية الكبيرة حيث يستمر التجميد. خدعنا بيبي. انه يمكّن من بناء عدد من الوحدات السكنية لكنه يوقف مشاريع كبيرة".

ماذا تبني هنا؟

يبتسم ابتسامة ماكرة. "قاعة احتفالات".

لا يخفي شالوم وهندل ميلهما الى اليمين، لكنهما يزعمان ان بحثهما لم تمل به هذه الأجندة. صدر هذا الاسبوع كما قلنا آنفا في كتاب ثخين، "دعوا الجيش الاسرائيلي ينتصر – الشعار الذي حقق نفسه"، هذا هو اسمه صادرا عن مؤسسة "يديعوت للكتب".

مع ذلك تثير عدة استنتاجات للاثنين التساؤلات. مثل زعم ان الهدوء الحالي في الضفة ينبع من استيعاب الفلسطينيين ان الجيش الاسرائيلي لا مصلحة له في المس بهم، وان مس الجيش موجه فقط الى الارهابيين.

انهما يتجاهلان المتاعب على الحواجز، واعمال المداهمة الليلية للجيش في المدن والقرى، وحظر الحركة في جزء كبير من المحاور وأحكاما اخرى ثعبانية. الاثمان التي دفعها الفلسطينيون وما زالوا يدفعونها غير مذكورة في الكتاب. نحن في مقابلتهما، في لقاءات غير قليلة لنا في السنين الاخيرة مع السكان الفلسطينيين استنتجنا استنتاجات معاكسة. فأكثر الناس الذين تحدثنا اليهم يشعرون بالكآبة واليأس وعدم الأمل. ويأمل اكثر من واحد منهم انتفاضة ثالثة. يعترف فلسطينيون كثيرون بأن الانتفاضة الثانية انتهت الى هزيمتهم، وهم مستعدون حتى للقتال من اجل القتال فقط للتخلص من الشعور بالاختناق فقط.

 

انشر عبر