شريط الأخبار

سوريا و"إسرائيل": مفاوضات بديلة! ..د. وحيد عبد المجيد

01:50 - 29 حزيران / سبتمبر 2010

سوريا و"إسرائيل": مفاوضات بديلة! ..د. وحيد عبد المجيد

لم يعد استئناف المفاوضات السورية الإسرائيلية بعيداً بعد التطورات السريعة التي أعقبت تحركات استكشافية قامت بها فرنسا والولايات المتحدة عبر مبعوثيهما الخاصين لعملية السلام جان كلود كوسران وجورج ميتشيل في منتصف سبتمبر الجاري. ولعلها مصادفة هي التي أدت إلى حلول المبعوثين في دمشق واحداً بعد الآخر خلال ثلاثة أيام، وبعد نحو أسبوعين فقط على إطلاق المفاوضات المباشرة الفلسطينية الإسرائيلية في واشنطن في مطلع الشهر نفسه.

 

لكنها ليست مصادفة التطورات التي أعقبت هاتين الزيارتين وصولاً إلى عقد لقاء بين وزيري خارجية الولايات المتحدة وسوريا الاثنين الماضي. فالإدارة الأميركية التي تعرف أن احتمال إخفاق المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية كبير، قد ترغب في استكشاف إمكانات فتح طريق آخر إذا بلغت هذه المفاوضات الحائط المسدود الذي اصطدمت به من قبل أكثر من مرة. وبغض النظر عما إذا كان للقاء كلينتون والمعلم على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة علاقة بهذا الموضوع، فوجود بديل تفاوضي في حال فشل المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية أمر ضروري لسياسة إدارة أوباما وسجلها وصورتها. كما أن التحرك سعياً إلى هذا البديل ضروري أيضاً لتجنب احتمال أن يرفع فشل المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية منسوب التوتر في منطقة الشرق الأوسط المحتقنة بما يكفيها ويزيد.

 

فإذا كان هذا الاحتقان يحمل في طياته نذر حرب محدودة أو واسعة، فقد يكون السعي إلى خلق حالة تفاوضية هنا أو هناك عاملاً مساعداً في وضع حد للتسخين وكبح جموح إسرائيلي يمكن أن ينفلت فيشعل المنطقة ناراً حامية.

 

وليس مستبعداً أن يكون هذا ما دفع الرئاسة الفرنسية بدورها إلى محاولة تحريك المسار التفاوضي السوري الإسرائيلي المجمد منذ العدوان على قطاع غزة في نهاية 2008، إلى جانب رغبتها في تأكيد دور باريس التي لم يكن لها، وغيرها من العواصم الأوروبية والاتحاد الذي يجمعها، مكان في الصور التي التُقطت بمناسبة إطلاق المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية في واشنطن.

 

ولهذين الدافعين من الأهمية ما يجعل ساركوزي مستعداً للتحرك سعياً إلى استكشاف إمكانات استئناف المفاوضات السورية الإسرائيلية، بغض النظر عن فرص نجاحها، ورغم أن آخر تقرير تلقاه بشأنها أفاد أن هذه الفرصة جد ضعيفة. وكان ساركوزي قد تلقى هذا التقرير من مستشاره لشؤون منطقة الشرق الأوسط ورئيس إدارة هذه المنطقة في الخارجية الفرنسية عقب زيارتين قام بهما إلى سوريا و"إسرائيل".

 

فعندما يكون المطلوب هو إعداد المسرح لمفاوضات بديلة، تقل نسبياً أهمية ربط ذلك بوجود فرصة كبيرة لتحقيق اختراق في هذه المفاوضات. ومع ذلك، يظل رصيد المفاوضات السورية الإسرائيلية مشجعاً على التحرك لاستئنافها. فقد حققت هذه المفاوضات تقدماً كبيراً أدى إلى حصر الخلاف الباقي الآن في الفرق بين الحدود الدولية التي تصر عليها "إسرائيل" وحدود 4 يونيو التي تطالب بها سوريا.

 

وكان الرئيس الراحل حافظ الأسد يلخص هذا الفرق في أنه يريد وضع قدميه في ماء بحيرة طبرية. فقد كانت سوريا تطل على هذه البحيرة من جانبها الشمالي الشرقي حتى 4 يونيو 1967. لكن الخط المرسوم عام 1923 يجعل طبرية بحيرة فلسطينية.

 

ورغم وجود خلافات أخرى بشأن الترتيبات الأمنية والعلاقات السلمية، فهي محصورة في قليل من التفاصيل التي سبق الاتفاق على أكثرها. لذلك لم يبالغ كثيراً الرئيس الأميركي الأسبق كلينتون عندما قال، في مقابلة أجريت معه في أبريل 2007 إن "السلام بين الإسرائيليين والسوريين يمكن تحقيقه خلال 35 دقيقة ..."، وإن الطرفين كانا على وشك التوصل إلى اتفاق سلام قبل نهاية إدارته الثانية. وقصد بذلك مشروع اتفاق السلام الذي كان قد قدمه في يناير 2000 إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي باراك ووزير الخارجية السوري فاروق الشرع في لقائه معهما في مدينة "شبرد تاون" بولاية فرجينيا. والمعتقد أن النص الأكثر دقة لهذا المشروع هو الذي نشره مساعد وزير الخارجية الأميركي حينئذ مارتين أنديك في مذكراته واختار لها عنوان "بريء في الخارج: ديبلوماسية السلام الأميركية في الشرق الأوسط". وقام ذلك المشروع على أساس حدود 4 يونيو 1967 مع تعديلات طفيفة، وتضمن ترتيبات أمنية معقدة تشمل منطقة منزوعة السلاح وأخرى محدودة القوات والقدرات على الجانبين وأجهزة إنذار مبكر وآلية رصد وتفتيش معقدتين تدخل في تكوينهما قوات متعددة الجنسيات.

 

غير أن تحقيق سلام بين سوريا و"إسرائيل" ليس الهدف الأول وراء استكشاف إمكانات استئناف المفاوضات، بل تجنب الانزلاق نحو هاوية جديدة في الشرق الأوسط حال وصول المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية إلى طريق مسدود. وقد يقال، هنا، إن آخر جولة تفاوضية بين سوريا و"إسرائيل"، وكانت غير مباشرة عام 2008، لم تمنع مثل هذا الانزلاق حين قررت حكومة أولمرت شن العدوان على قطاع غزة. غير أن فرقاً لا ينبغي إغفاله بين مفاوضات رعتها تركيا بدون ضوء أخضر من واشنطن التي انتهجت في ذلك الوقت سياسة استهدفت عزل سوريا ومحاصرتها، وأخرى تُجرى برعاية أميركية. فقد شهدت تلك الفترة خلافاً أميركياً إسرائيلياً على كيفية التعامل مع سوريا، إذ خافت تل أبيب أن يؤدي تشديد الضغط عليها إلى إضعاف نظامها على نحو قد يزيد إمكانات قيام نظام إسلامي أكثر خطراً من وجهة نظرها، أو حدوث فوضى على النسق العراقي. واقترن هذا الخلاف بتباين بين الطرفين في تقدير "الأولويات التفاوضية". فعندما اتجهت إدارة بوش في نهاية 2007 إلى تحريك المسار الفلسطيني في محاولة لتعويض فشلها في العراق، كان أولمرت يفضل المسار السوري الأقل كلفة من حيث استقرار حكومته.

 

ورغم أنه اضطر إلى خوض المفاوضات التي أطلقها مؤتمر أنابوليس في نوفمبر 2007، فلم تمض أشهر قليلة حتى كان قد استجاب للوساطة التركية التي أطلقت مفاوضات إسرائيلية سورية غير مباشرة لم يعلن أي من طرفيها أو راعيها ما حدث فيها. لكن ما صدر من مسؤولين أتراك كبار يفيد بأن الطرفين كانا قريبين من اتفاق. وهو نفسه تقريباً ما صدر عن مسؤولين أميركيين كبار تقييماً للجولة التي امتدت بين 1998 و2000، وكانت الثانية في جولات ثلاث حتى الآن، أُطلقت أولاها في ديسمبر 1991 عقب مؤتمر مدريد للسلام، واستمرت حتى منتصف 1995 قبيل اغتيال رابين. واستؤنفت المفاوضات في جولة ثانية عام 1998 واستمرت حتى عام 2000. وعندما انفضت الجولة الثانية، انتظر الطرفان نحو ثماني سنوات لاستئناف المفاوضات في جولة ثالثة كانت غير مباشرة عام 2008. فهل تكون المسافة الزمنية بين الجولتين الثالثة والرابعة أقرب؟ سؤال قد تكون إجابته في مصير المفاوضات الفلسطينية - الإسرائيلية قبل أي عامل آخر.

 

صحيفة الاتحاد الإماراتية

 

انشر عبر